الاتحاد

دنيا

مصر وصناعة السينما

على الرغم من النقد العنيف الذي تعرضت له من زاوية فنية أو آيديولجية أو أخلاقية، قدّمت أفلام الواقع المصرية في السنوات القليلة الماضية نموذجاً حياً على إمكانية إنتاج صناعة سينمائية رائجة تقترب من الناس وأحوالهم. وأثبتت موجة “الإفصاح الحر” التي رافقت التحولات الأخيرة في مصر، أن هذا النوع من الأفلام كان الأصدق في التعبير عن روح الحقيقة أياً كانت أسوار الكتمان عالية ومهما كان ذلك معاكساً لتيار الفن التجاري الجارف الذي كان بدأ يغرق -ومعه جمهور واسع- في ترويج قيم عشوائية تعمّق انسلاخ المجتمع عن نفسه وجوهر هويته، أخلاقياً واجتماعياً وثقافياً.
وكانت السينما المصرية على الدوام القلب النابض لسينما العرب، بازدهارها وخمودها، وحافظت على موقعها هذا في أشد أوقات منافسة السينما الغربية وغزوها لأسواقنا وأذواقنا. ويمكن القول بأنه لولا سينما الواقع الأخيرة لكان جمهور هذه السينما قد استمر محبطاً من إمكانية نهوض السينما المصرية والعربية من جديد.
قد نكون عاشقين لفئات أخرى من ضمن هذه السينما، لكن لولا أفلام الواقع لبقيت هذه السينما كلها فاقدة أو ناقصة للصدقية إلى حد يدعو لليأس منها وربما هجرتها بالكامل. ليس هذا تحيزا لأي من القضايا التي أثارتها أو أي طرح أوحت به، ولكن فقط لصلتها اللصيقة بالجمهور، محوراً للموضوع ومشاهداً وشرطاً لصناعة سينمائية ناجحة ، في الوقت الذي عجزت فيه باقي الفئات عن حث أي حلم خارج نطاق عناوين الانفتاح المُستهلكة التي تحولت عبر العقود الأخيرة إلى أحلام نمطية مكررة بدرجة لا تطاق، مع ما يستلزم ذلك من تهريج وتسلية وصناعة سينمائية متوسطة ورخيصة شُغِلت في الغالب على عجل رغم الارتفاع الجشع في أسعار بعض النجوم.
وكان قد سبق لي مشاهدة أكثر من فيلم للمخرج خالد يوسف لكني لم أهتم مطلقا بمعرفة من هو إلا بعد فيلم “حين ميسرة” (2007) والصدمة التي فاجأني بها إلى حد تخيّلت معه للوهلة الأولى أنه مخرج منبوذ ومنفي يريد التنفيس عن عقدة أو الانتقام من شيء ما، أو أنه” فنان مُوجّه” من الدرجة الثانية أو الثالثة متورّط بدون ذكاء في مشروع لإزالة المناطق العشوائية والتخلص من فسادها وشذوذها لصالح مشاريع الحيتان السكنية.
وقد استمر شكّي في صدقية المخرج إلى أن زرت مصر للمرة الأولى (أواخر 2009) وأيقنت عن قرب معنى اعتذاره للناس - في تيترات نهاية الفيلم نفسه- لأنه لم يستطع أن يقدم “حياتهم زي ما شفتها” إذ أن “الواقع أكثر قسوة من أن يقدم على الشاشة”.
ومن يومها نشطت شهيتي للسينما المصرية يحركها حافز مستمر من الدهشة والتفكير بالواقع إلى جانب الحاجة للتسلية والترفيه ، ولم أتردد في مشاهدة بعضها أكثر من مرة، مثل “كلمني شكرا” (2010) للمخرج نفسه ، و”كاباريه” لسامح عبد العزيز(2008) والغابة لأحمد عاطف (2008) مع اختلاف درجات الإتقان والانتاج. والمشترك الأهم فيها أنها لم تخفِ إطلاقا حجم البوح المكبوت فيها، وأنها جمعت بين الإبداع في السيناريو والتمثيل واستقطاب واسع للجمهور، وهي عوامل تبشّر بأن السينما المصرية مرشّحة لتحقيق مجد قريب يمكن أن ينعش صناعة الأفلام العربية وينعش جمهور مشاهدين عريض يضاهي سوق الولايات المتحدة الأميركية ولا ينقصه - مع مخرجين مثل خالد يوسف وأمثاله- شيء ليؤسس “هوليوود” عربية تواكب وتساهم في عصر قادم جديد.


barragdr@hotmail.com

اقرأ أيضا