الاتحاد

دنيا

ظلال الجابري تناصر المرأة بقلمها وتقاوم الثقافة الذكورية الخاطئة

جانب من معرض أبوظبي الدولي للكتاب العام الماضي

جانب من معرض أبوظبي الدولي للكتاب العام الماضي

جالت بين الكتب القديمة والحديثة، ونهلت من أصول الدين والفقه، تعرفت على أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم في سياق تعامله مع زوجاته التعامل المثالي، وأكدت أن السنة والدين الإسلامي جعلا النساء في مرتبة عالية، في حين تصرفات بعض الرجال وتعاملاتهم مع سيدات بيوتهن جعلتهن يشعرن بالدونية، مما زاد نسب الطلاق في المجتمعات العربية، ناهيك عن الثقافة المجتمعية الخاطئة، والتنشئة الذكورية في بعض البيوت وغياب الوازع الديني.

هذا ما تراه الكاتبة ظلال عبد الله الجابري، وتحاول معالجته من خلال أول كتاب يصدر لها وسيعرض بمعرض الكتاب 2011، الذي تحاول من خلال تغيير بعض المفاهيم في المجتمع من بينها تعدد الزوجات وتقول إنه أصبح يضر بالرجال قبل النساء وابتعد عن الغرض المنشود منه، كل ذلك تتطرق له الكاتبة من خلال إصدارها الأول: “أخي الموظف حاول أن تعامل زوجتك كما تحب أن يعاملك مديرك”. في هذا السياق تقول ظلال الجابري إنها قارئة من الدرجة الأولى، خاصة للكتب القديمة وتضيف: استقيت معلوماتي من الكتب القديمة، وتفاجأت كثيرا عندما وجدت التطرق لمعاملة المرأة بطرق عصرية غاية في المثالية، وهنا أقول إن التراجع عن هذه القيم هو منا، بحيث نجهل كل ما يتعلق في معاملاتنا مع بعضنا البعض، وما يسود في بعض المجتمعات العربية من تفكك أسري هو ناتج عن الجهل والابتعاد عن قيم وأخلاق قيم الصالحين، وعن الفهم الخاطئ للدين وللمعاملات، وتشير الجابري إلى المراجع التي اعتمدتها وتقول: من الكتب التي اطلعت عليها هي لابن كثير وبن حافظ وبن قيم الجوزية، وغيرها كثير، وشعرت من خلال هذه المراجع أنهم يقدمون طريقة العيش العصرية التي تنفعنا في هذا العصر رغم ما مر من قرون على نظرياتهم، وكلها تناصر المرأة وتساير العصر بمنظور إسلامي، لم تتوصل إليه الكتب الحديثة بعد.
منظور عصري
وتضيف الجابري أم لأربعة أولاد وتتابع دراستها للحصول على البكالوريوس في علوم الاجتماعية أنها وجدت في هذه الكتب حلولا للمشاكل الزوجية التي احتار الاستشاريون هذا الوقت في إيجاد الحلول لها، وتؤكد الجابري أن الأزواج يمكنهم العيش بقدر معقول من السعادة إذا فكروا في خلقها والاحتفاظ بها، وإذا كانت لهم نية الاستقرار في أسرة واحدة، إلى ذلك تقول: إذا كان أي فرد ينشد الاستقرار الأسري ويسعى إليه فإنه يحافظ عليه، ويستطيع أن يخلق السعادة في حياته، أو يعيش بقدر معقول منها، فالزواج مع مرور السنين يتغير ولم يعد يحيطه ذلك الشغف كما في بدايته، لكن هناك طرقا لبث الروح فيه، ومن تم العمل على ديمومته، وذلك بتنازلات يقدمها الطرفان من أجل الأسرة والأبناء في الدرجة الأولى، وبالصبر والثبات فإن الإنسان يستطيع خلق قدر معقول من السعادة والراحة والعيش في كنف أسرة واحدة، بدل العمل على شتاتها.
مجهود الزوج
ومن هذا الباب تقول الجابري إن الزوج أو الزوجة يجب أن يبذل مجهودا في فهم طبيعة شريكه، وتضيف أن بعض الأزواج عندما تضيق بهم السبل يلجأون للاستشارات وهنا قد تتعمق المشكلة وتكبر الفجوة، إلى ذلك تشير: هناك أناس يقدمون النصح وهم يفتقدون الأسس العلمية، ومن المفروض أن لا يستشار شخص واحد، بل يجب الاستماع لأكثر من نصيحة، ويقوم الفرد بمقارنة ما قيل له، وفي الأخير هو من يقرر ولا يسمح لأحد باتخاذ القرار عنه.
قدسية الرجل
وتنتقد الجابري بعض المجتمعات العربية وتقول إن الرجل محاط بقدسية كبيرة، وكل ما يقوم به يكاد يكون منزها عن الأخطاء، خاصة في اتجاه تعامله مع المرأة وتضيف في نفس السياق: المجتمعات الرجالية وضعت للرجل هالة من القدسية، والسبب هنا يرجع لوسائل الإعلام، بحيث غالبا ما تتحمل المرأة كل الأخطاء التي ترتكب في حق الأسرة، فإذا فشل البيت، أو انحرف أحد الأولاد وغيره من الأمور فالمسؤولية تلقى على عاتق السيدات دائما، وتضيف الجابري تعليقا على هذا الموقف: الرجل يأخذ الحقوق دون أن يقدم أي عطاء، أما الخطاب الموجه للمرأة فيه الكثير من الشدة واللوم، بينما الموجه للرجل يتسم بالليونة، حتى ولو أوقع على المرأة أشد أنواع الظلم والقهر النفسي.

أعظم زوج
مرجعية ظلال الجابري في كتابة كتابها ما خبرته من خلال المراجع والكتب التي اطلعت عليها ومن سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام في تعامله مع زوجاته، عن ذلك تقول الجابري: إن أعظم زوج عرفه تاريخ الإنسانية، هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن الأحداث التي قرأتها وظلت عالقة في ذهني، بل أخذت منه عبرة كبيرة هو أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب من إحدى زوجاته ناقة لتركب عليها زوجته الأخرى فرفضت الأولى وقالت لا أعير هذه “ونعتتها بنعت من شكلها” ، فغضب منها عليه الصلاة والسلام، وهجرها فترة، وبعد مدة من الزمن عرف أنها رفعت سريرها كدلالة على يأسها من عودته، فدخل عليها في يوم وبدأ يسأل عن حالها، فلمح السرير مرفوعا، فأمسك به وأنزله، وهذه دلالة المسامحة دون أن يجرحها بكلمة أو يعاتبها، وهنا مرر لها رسالة قوية.
الصبر على الفقر
وتسرد الجابري قصة أخرى عن أعظم خلق الله وتضيف: كانت السيدة صفية إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام تبكي، فبدأ يمسح دموعها بيديه الكريمتين، فزاد نحيبها، وهو يمسح بيديه، وهنا يدل على اهتمامه بمشاعرها، وهي تزيد في دلالها، وهنا تدخل بالكلام وأمرها أن تكف عن البكاء، وتضيف الجابري: عندما أقرأ عن الرسول الكريم في مجال تعامله مع زوجاته أذهل من رقي في سلوكه، وكرم في الأخلاق، وأتساءل: لماذا كانت الزوجات تصبر على الفقر، فسيدتنا عائشة رضي الله عنها تقول إنها تمر أيام وشهور ولا يعيشان إلا على الأسودين: الماء والتمر، ومع ذلك راضيات سعيدات، فأين الخلل في هذه الأيام؟ في نظري هو عدم تعامل الزوج بالطريقة التي تجعل المرأة تصبر وتقاتل من أجل البقاء معه، وتشير الجابري إلى أن شركة أميركية متخصصة في بحوث عن العلاقات الإنسانية والزوجية بشكل خاص أرسلت وفدا كبيرا لدراسة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام الأخلاقية وفي جانب تعامله مع زوجاته، فرجع الوفد مسلما، نظرا لما توصلوا إليه من معلومات تظهر رقيا في التعامل وحسن في الأخلاق.
أخي الزوج
تؤكد الجابري من خلال كتابها “أخي الزوج الموظف عامل زوجتك كما تحب أن يعاملك مديرك” على ضرورة إيصال مشاعر المرأة التي تحسها حين معاملتها معاملة غير سوية من طرف زوجها، وحاولت تقريب الصورة من خلال معاملة المدير للموظف، وفي هذا السياق تقول: وضعت أكثر من 30 موقفا من بيئة عمل الزوج، ووضعت تصورا لشعور الرجل في هذه الحالة، حتى يشعر بنفس إحساس زوجته، وتضيف أتمنى أن يقرأ الأزواج هذا الكتاب، فهو به من الأدلة الدامغة والقصص الإسلامية ما يغير مستوى التفكير، لأنني أرى أن المرأة هي الحلقة الأضعف في العلاقة الزوجية، أما عن مراجعها التي اعتمدتها لكتابة هذا المؤلف تقول: استفدت من 13 مرجعا، وهي كتب قديمة جدا من التراث الإسلامي لكنها عصرية جدا، من يقرأها يغير نظرته كاملة في التعامل في بيته ومع أهله، وأجزم أن حالات الطلاق ستتراجع تماما إذا اعتمدت نظريات السلف الصالح وأفكار كتابها، وتضيف أن كتابها بمواصفات عصرية، يحمل أفكارا سريعة، بلغة بسيطة وتحليلات عصرية، به طرفة وخفيف، ونافذ وعميق.
تعاسة وشقاء
أما عن القراءة بالنسبة للجابري فتقول إنها تجعلها تعيش أكثر من حياة، وهي بالنسبة لها أيضا أوكسجين الحياة، وتشير: عندما أقرأ كتابا أعيش حياة الكاتب، استفدت كثيرا، خاصة في جانب الأسرة، فإذا حلت المشاكل بين الرجل والمرأة ستحل مشكلة عقوق الوالدين، ونشوز الأحداث، وتراجع القيم، وتنتقد الجابري تعامل بعض الرجال مع زوجاتهم، وتقول: هناك بعض الأزواج تأسسوا تأسيسا خاطئا وفهموا ما يراد من بعض التوجيهات فهماً غير سوي، فمثلا عندما نتحدث عن التعدد، نقول إنه حق شرعي للرجل ولا مجال للتفاوض عليه، لكن في حالات الضرورة القصوى، فالله سبحانه وتعالى حسم المسألة وقال في كتابه العزيز: “ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم” (النساء:129)، في هذا الإطار ألاحظ أن التعدد أصبح يضر بالرجل قبل المرأة، فهناك حالات يجب الإشفاق عليها، فمثلا زوج يتزوج من أكثر من امرأة، وكل واحدة تلد أولادا، هؤلاء الأولاد كل منهم يحمل ثقافة والدته، خاصة إذا كانت جنسيات الأمهات متعددة، مع مرور الزمن ينفرون من والدهم، ويظل وحيدا في آخر حياته، وهذا حاصل في أكثر من بيت، فأب مثلا لا يعرف كل أولاده، خاصة إذا كان مطلقا لوالدتهم، أو العكس الأولاد لا يرغبون في زيارة والدهم، فالمشكلة في نظري هي في فكر الزوج، وتضيف الجابري في نفس السياق: فكثير من السيدات مكافحات مناضلات مقاتلات من أجل بيوتهن وأولادهن، تبدأ مع الزوج من الصفر وعندما يشتد عوده ويقوى يتزوج أخرى، وهنا في نظري قمة الإحساس بالمهانة، فليس سهلا على المرأة أن تتقبل هذا الوضع، وأظن أنها مسألة ثقافة تلقاها الطفل من صغره إلى أن أصبح شابا ثم رجلا حيث يظن أن التعدد حق من حقوقه حتى ولو كان مقصرا في جميع مناحي حياته وغير مسؤول حتى عن نفسه، وتضيف الجابري أن التعدد يدخل الشقاء للبيت والتعاسة على مشاعر المرأة مهما تفهمت الموضوع وتعالت مع الهموم، وتشير الجابري أن بعض الرجال يتزوجون ولو تعدى سنهم الستين وأحيانا السبعين، وهنا أظن أنهم سيخلفون أطفالا في مقام اليتامى.


الأطفال هم الضحايا

تشير الجابري إلى أن أي تفكك أسري أو انهيار للبيت تكون نتيجته ضياع الأطفال، وأكدت أنهم الضحايا في أي فشل يعرفه البيت، إلى ذلك تقول: الحياة الزوجية لا يجب أن يتخللها العناد، ولا تقودها القوة.
فالمرونة في نظري تجعل الحياة تسير وفق التوازن، وإذا غاب ذلك الشغف والحب فإن الود والتفاهم يظل موجودا، وإذا حصلت أي خلافـات يجب التوصــل لحل وسـط، وليس الحب وحده ما يجعل الحياة الزوجية تسـتمر، بل التجاوز، والعقلانية، وتضيف الجابري: الحب ليس مقياس السعادة،
القصص التاريخية تذكر لنا الكثير من القصص الغرامية التي انتهت بالفشل بعد الزواج، وتنصـح الجابري بضرورة التحلي بالصبر لتجاوز مشــاكل الحياة الزوجــية من الطرفين لسير حياة البيت حتى لا يتعرض الصغار للانهيار النفسي.

اقرأ أيضا