عربي ودولي

الاتحاد

مليشيات الحوثي تخضع السلطة القضائية لإصدار أحكام خارج نطاق القانون

فتاح المحرمي (عدن)

أسماء العميسي، شابة يمنية في الثانية والعشرين من عمرها، وأم لطفلين أحدهما رضيع، والمحكوم عليها بالإعدام هي واثنان من جيرانها، إضافة إلى والدها المحكوم بالسجن 15عاماً، باتت تواجه تنفيذ حكم الإعدام الجائر بحقها من قبل مليشيات الحوثي الإجرامية المدعومة من إيران، وبات طفلاها مهددين باليتم، ولربما التشرد لا سيما وأن جدهما محكوم هو الآخر بالسجن 15 عاماً.
هذه الأحكام الجائرة ليست غريبة في ظل إرهاب مليشيات غاصبة قمعية تنتهك كل يوم القوانين والمواثيق وتتنافى بأفعالها مع أحكام وتشريعات ديننا الحنيف من خلال إقدامها على ارتكاب الجرائم وإصدار أحكام بالإعدام على مئات من أبناء الشعب اليمني من دون وجه حق وبتهم باطلة.
ومنذ سيطرة المليشيات الانقلابية على العاصمة اليمنية صنعاء في سبتمبر 2014 عمدت تلك المليشيات المدعومة من إيران إلى تسخير كل مقدرات البلاد لصالح مخططهم الإجرامي، عبر خرق الأنظمة والقوانين وانتهاك حقوق المواطن اليمني، وتجيير كل ذلك خدمة لمصلحتها وأهدافها، ومن بينها السلطة القضائية، حيث لجأت مليشيات الحوثي إلى تطويع السلطة القضائية وإصدار أحكام خارج نطاق القانون تحمل أهدافاً سياسية لتصفية حساباتهم مع خصومهم الذين يختلفون معهم.
وتؤكد منظمات دولية ومحلية استمرار استخدام مليشيات الحوثي الانقلابية للقضاء بصورة تعسفية سلطة القانون، واستخدام السلطة القضائية ضد خصومها السياسيين ومن يختلفون معها في الرأي، وأصدرت أحكاماً بالإعدام بحق عسكريين وصحفيين ومدنيين بتهم واهية، فكانت تلك الأحكام محل إدانة تلك المنظمات التي طالبت بإلغائها دون قيد أو شرط، فيما اعتبرت الحكومة اليمنية بدورها تلك الأحكام بمثابة انتهاك للقوانين الدولية، وتعد جرائم ضد الإنسانية، وأكدت ضرورة محاكمة مرتكبيها.

قصة أسماء والحوثي
ففي نهاية شهر يناير من العام الحالي، وفي إطار استخدام المليشيات للقضاء في تحقيق مآربه كان الحكم الجائر بالإعدام الذي صدم مشاعر كل اليمنيين، والذي أصدرته محاكمة تابعة لمليشيات الحوثي، والذي افتقد أدنى معايير الشفافية والنزاهة بحق شابة يمنية، واثنين آخرين، وكذلك الحكم بالسجن على والدها، حيث أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة حكما بإعدام كل من: أسماء العميسي، وسعيد الرويشد، وأحمد باوزير، في حين حكم على والدها بالسجن 15 عاماً ماطر العميسي بعد تلفيق تهمة التجسس لهم.
أسماء العميسي حوكمت حضورياً، بينما حوكم سعيد محفوظ الرويشد وأحمد عبدالله باوزير غيابياً بعدما نجحا في دفع مبالغ مالية والخروج من السجن والتوجه إلى مناطق لا تخضع لسيطرة المليشيات قبل صدور الحكم بحق الثلاثة، ولاقت أحكام الإعدام التي تصدرها مليشيات الحوثي تنديدا واسعا في الأوساط الصحفية والحقوقية في اليمن، ومطالبات بسرعة الإفراج عن المعتقلين، وإلغاء أحكام الإعدام الصادرة بحقهم.
وكانت ميليشيات الحوثي قد اعتقلت أسماء في 5 أكتوبر 2016 مع والدها واثنين من جيرانهما، أثناء سفرهم من مدينة إب إلى صنعاء، وتعرضت للتعذيب والإخفاء القسري وسوء المعاملة، قبل أن يصدر حكم بالإعدام ضدها، ووصفت كبيرة مستشاري برنامج الاستجابة للأزمات بمنظمة العفو الدولية، راوية راجح، هذه المحاكمة الجائرة للمتهمين الأربعة، بأنها «جزء من نمط أوسع يستخدم فيه الحوثيون السلطة القضائية لتصفية حسابات سياسية».

«التعذيب والإخفاء القسري»
وأكدت منظمات دولية لجوء مليشيات الحوثي لاستخدام القضاء لحسابات سياسية، وفي أحدث تأكيد اتهمت منظمة العفو الدولية منتصف فبراير 2018م مليشيا الحوثي باللجوء إلى أحكام الإعدام «لتصفية حسابات سياسية».
وأدانت المنظمة في بيان صادر عنها أحكام الإعدام التي أصدرتها مليشيات الحوثي بحق أسماء العميسي، واثنين آخرين، وفي ال 30 من يناير الماضي أوضحت منظمة العفو الدولية أن صدور الحكم جاء بعد أشهر من «التعذيب والإخفاء القسري».
وأوضحت المنظمة أن أسماء تواجه أيضاً احتمال أن تتعرض للجلد لمئة مرة قبل تنفيذ حكم الإعدام بحقها، إذ إنها تحاكم أيضاً بتهمة القيام «بعمل مشين»، وهو التنقل بسيارة مع رجال.
وذكرت منظمة العفو إن محامي الأم الشابة تقدم بطلب لاستئناف حكم الإعدام، متهمة الحوثيين باللجوء إلى أحكام الإعدام «لتصفية حسابات سياسية».
وأفادت المنظمة في بيانها بأن المتهمين، تعرضوا في البداية، إلى الإخفاء القسري، واحتجزوا بمعزل عن العالم الخارجي، ونقلوا سراً من مرفق إلى آخر، وتم احتجازهم في وضع مزرٍ لعدة أشهر في فترة ما قبل المحاكمة، كما تعرضوا للابتزاز من أجل الحصول على المال، وأُخضعوا للإذلال المستمر والإيذاء البدني الشديد، وحرموا من الحقوق الأساسية، بما في ذلك الاتصال بمحام والزيارات العائلية.

الإعدام ومصادرة الأموال
وتعدى الأمر إلى استهداف المليشيات الإجرامية للأقليات والفئات المهمشة وإجبارهم على خدمتها والزج بهم في السجون، مع اتساع الممارسات التعسفية والأحكام الجائرة بحق المواطنين ممن لديهم اعتقادات دينية مخالفة لهم.
فقد أقدمت تلك المليشيا مطلع العام الحالي على إصدار حكم إعدام بحق مواطن يمني بسبب انتمائه الطائفي، عندما أصدرت محكمة أمن الدولية الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي في 2 يناير الماضي حكمها بالإعدام على المواطن اليمني «حامد حيدرة» بسبب انتمائه الديني ومصادرة كافة أمواله، وأتى هذا الحكم بعد أربع سنوات من الاعتقال تعرض خلال تلك الفترة الطويلة للتعذيب وسوء المعاملة والحبس الانفرادي، وهو الحكم الذي أدانته منظمات دولية من بينها العفو الدولية التي طالبت بإلغاء الحكم.

سجون تحت الأرض
وهناك ضابط في الجيش اليمني - 58 عاماً - حاصل على براءة اختراع في الصين، تم اختطافه والزج به مع أحد زملائه في معتقل جهاز الأمن السياسي، ومكثا - حسب أحد المحامين - 11 ألف ساعة تحت الأرض لم يشاهدا فيها الشمس بعد حبسهما في زنازين انفرادية، لتصدر محكمة أمن الدولة في صنعاء والخاضعة لسيطرة المليشيات حكم الإعدام بحق العقيد عبدالمجيد عبدالحميد محمد علوس، بتهمة مساندة الجيش الوطني وتشكيل مقاومة، وهو الحكم الذي وصف بالجائر وتم إدانته محلياً ودولياً باعتباره يدخل ضمن تصفية حسابات سياسية مع الخصوم.

التحفظ على الابن بدلاً من أبيه
الصحفي والكاتب يحيى عبد الرقيب أحمد الجبيحي من أشهر الصحافيين اليمنيين، والذي تتلمذ على يده جيل من الصحافيين، لم تشفع له خدمته لوطنه الممتدة لأكثر من 60 عاماً، وخدم الدولة والوطن بعمله معلماً ومستشاراً، من بينها عمله محاضراً لمادتي «الإعلام والتنمية» و«إدارة المؤسسات الإعلامية» بكلية الإعلام في جامعة صنعاء، إلا أن كل هذا لم يشفع له، حيث كان ورغم كبر سنه ضحية القضاء الذي تستخدمه مليشيا الحوثي ضد خصومها ومن يختلفون معها ولو بالرأي.
ففي 12 أبريل 2017، ودون عقد محاكمة أو تعيين محام للدفاع عنه، أصدرت محكمة أمن الدولية الخاضعة لسيطرة مليشيات الحوثي الإعدام تعزيراً بحق الكاتب والصحفي يحيى عبد الرقيب بتهمة التخابر، وقال مقربون من الجبيحي حينها، إنه لم تجرِ أي محاكمة حقيقة، بل إن الحكم كان جاهزاً ومعدا مسبقاً والتهم أيضاً كانت جاهزة وهي تهم واهية، وعلى الرغم من أن الضغوط الدولية والمحلية قد أفضت إلى إجبار مليشيات الحوثي على الإفراج عن يحيى الجبيحي في سبتمبر 2017م تحت ضغوط دولية ومحلية كبيرة، لكن تلك المليشيات لا تزال تتحفظ على نجله وتتخذه كرهينة.
وتتهم الحكومة الشرعية في اليمن مليشيات الحوثي باستخدام السلطة القضائية لتصفية حساباتهم مع من يعارضهم، وأكدت أن الأحكام الجائرة التي تصدرها مليشيا الحوثي بحق المدنيين تمثل انتهاكاً واضحاً لكافة الاتفاقات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وهي بالتالي جرائم مرتكبة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم، ويجب محاكمة مرتكبيها.
جاء ذلك على لسان وزير الإعلام اليمني معمر الإرياني الذي قال - تعليقاً على حكم الإعدام بحق أسماء العميسي، وثلاثة آخرين-: «إن تلك الأحكام ما هي إلا امتداد لجرائم الاختطاف والاختفاء القسري والحجز خارج نطاق القانون والتعذيب التي يمارسها الحوثيون منذ انقلابهم على السلطة الشرعية واستخدامهم للسلطة القضائية لتصفية حساباتهم مع من يعارضهم».
وأضاف: «أن هذا الحكم الجائر يأتي ليذكر العالم أجمع بمصير آلاف المحتجزين في المعتقلات الحوثية غير النظامية وما يعانونه من ظروف إنسانية صعبة وتعذيب وامتهان وانتهاك لكرامتهم الجسدية والنفسية».
وأكد وزير الإعلام: «أن هذه الممارسات القمعية تمثل انتهاكاً واضحاً وغير مسبوق للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وكافة الاتفاقات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وهي بالتالي جرائم مرتكبة ضد الإنسانية ولا تسقط بالتقادم، ويجب أن يقدم المسؤولين عنها للمحاسبة عاجلاً أم آجلاً». الوزير الإرياني وفي تصريحه الذي يعتبر أحدث تصريح للشرعية اليمنية ناشد الأمم المتحدة وأمينها العام الضغط على مليشيا الحوثي الانقلابية لوقف تنفيذ حكم الإعدام بحق المواطنة «أسماء العميسي» وسرعة الإفراج عنها وعن كافة المعتقلين، كما ودعا كافة الهيئات والمنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان والنشطاء والحقوقيين إلى إدانة هذه الممارسات والتنديد بالجرائم التي ترتكبها مليشيا الحوثي الانقلابية والمطالبة بوقف كل أشكال الدعم الذي تتلقاه المليشيا من أطراف إقليمية وعلى رأسها نظام طهران».

9 منظمات دولية تتهم الحوثيين
وكانت تسع منظمات دولية - غير حكومية - بينها هيومن راتيس واتش والعفو الدولية ومواطنة لحقوق الإنسان ولجنة حماية الصحفيين ومراسلون بلا حدود - قد طالبت في منصف العام الماضي مليشيا الحوثي بالإفراج فواراً ودون قيد أو شرط عن عشرة صحفيين يمنيين معتقلين تعسفاً دون تهمة أو محاكمة، وذلك بمناسبة حلول الذكرى الثانية لاعتقالهم، وأوضحت في بيان أصدرته حينها أن أفرادا من عائلات الصحفيين أبلغوا منظمة العفو الدولية قولهم إن الصحفيين محتجزون لدى جهاز «الأمن السياسي» في صنعاء، وتم فرض قيود جديدة على زيارات الأهالي لأبنائهم.
وقالت المنظمات في بيانها، إن على الحوثيين إطلاق سراح الصحفيين العشرة فوراً ودون قيد أو شرط، فهم معتقلون حصراً بسبب ممارستهم السلمية حقوقهم في حرية التعبير، وآرائهم السياسية المتصورة، وهو ما يعتبر اتهاما صريحا لمليشيات الحوثي بأنها تستخدم القضاء للقبض على صحفيي رأي والزج بهم في السجون وتعذيبهم، واستجوابهم وإلصاق تهم زائفة بحقهم، ومن ثم تبع ذلك إصدار أحكام جائرة بينها إعدام بحق أحد الصحفيين. كما طالبت المنظمات، ضمان الحماية لهم من التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، والسماح لهم، دون إبطاء، بتلقي الزيارات المنتظمة من عائلاتهم ومحامييهم، وتلقي العناية الطبية المناسبة، وذلك حتى يتم الإفراج عنهم، وفي 12 أبريل 2017، حكمت مليشيا الحوثي بالإعدام على الصحفي يحيى الجبيحي، - وهو أحد هؤلاء العشرة - المعتقل تعسفا منذ سبتمبر 2016، وذلك بتهمة زائفة هي التخابر لمصلحة الشرعية، قبل أن تفرج عنه في ديسمبر 2017م بعد ضغوط دولية ومحلية، إضافة إلى الإفراج عن عدد من الصحفيين، بينما لا يزال آخرون محتجزين في سجون المليشيات.

اقرأ أيضا

موريتانيا والسنغال تدعوان لإقامة تحالف واسع ضد الإرهاب