الاتحاد

دنيا

الرباط تغفو على كتف البحر وتصحو بيضاء من غير سوء

قلاع أثرية تحولت إلى معالم سياحية

قلاع أثرية تحولت إلى معالم سياحية

هي مدينة ما زالت من عهود قديمة تغفو على كتف البحر، إنها نائمة الآن، تحرسها الأضواء وأنفاس ساكنيها، لكنها تصحو باكراً، بيضاءَ من غير سوء. إنها الرباط، الثانية عشرة ليلاً.

نهار هذه العاصمة ليس شبيهاً بليلها، تبقى مشغولة لحراكها اليومي، الحيّ والديناميكي، يشعر زائرها للوهلة الأولى أنها لا تأبه لكونها عاصمة دولة بحجم المغرب، ترى أي سفارة أجنبية أو عربية بلا أية حراسة تقريباً، وترى الحمام مقابل مبنى البرلمان تماماً يجري بين الناس بخدر ودون أن يأبه لأولئك الذين جاؤوا يطعمونه أو كي يلتقطوا بعض الصور بصحبته. أما الأمر الآخر، ما عدا مبانيها التاريخية والطرازية التي ما تزال حية ومسكونة من الناس، فهي الظلال. ثمة ظلال كثيرة في الأرجاء تصنعها كثافة الأشجار أهي متروكة هكذا كي تبقى برية دون تشذيب تحتفظ بجمالية ما من بالنسبة لمن لم يعتد رؤية الرباط، بوصفها مشهداً جمالياً وطبيعياً في الوقت نفسه؟ ولحسن الطالع، فإن نهارات الرباط ليست قاسية، بل هيّنة حتى أن بوسع المرء أن يتمشى في أزقتها وشوارعها دون انزعاج، فقط، هناك القليل من الرطوبة كلما اقترب المرء من شاطئ المحيط الأطلسي، كما تتدنى إلى درجات بسيطة كلما ارتقى المرء إلى الأماكن الأكثر علوا في هذه المدينة التي أقيمت منذ عهود الفتح الإسلامي بهذا الاسم على هضبة تكتظ كلما اقتربت من الشاطئ، لتنفرج شوارعها وأسواقها وتنشط جامعاتها في المرتفعات.

متعة الصحو

للصحو المبكر في هذي المدينة لذة خاصة لها طعم الاكتشاف أو الاندهاش الطفولي بالمكان عندما يراه المرء للمرة الأولى. يقع الفندق الذي أقمنا فيه، نحن أعضاء وفد من الشعراء الفلسطينيين المشاركين في فعالية «القدس عاصمة للثقافة العربية 2009»، في أقصى الطرف الشمالي للرباط، إلى يميننا وعلى مسافة قصيرة ثمة الأضرحة الملكية، وإلى يسارنا في الجهة المقابلة هناك السور التاريخي للمدينة الذي بناه الموحدون، وأقرب بواباته التاريخية إلينا هو باب الرواح، ثم باب لوداية أو الباب الكبير بحسب بعض التسميات. لكن، من النافذة بوسع المرء أن يطل مباشرة على مدينة سلا، شقيقة الرباط التي يفصلها عنها نهر ساحر يقع مصبه على المحيط الأطلسي مباشرة، إنه نهر أبي رقراق. إنْ مددت ذراعك نحوه تشعر أنك تلامس قارب الصيد الأزرق، بل ويمكن لهذه اليد أن تداعب الماء. غير أن المدينة ذاتها يرقى تاريخ نشأتها إلى ما هو أبعد من الرباط العاصمة وأبعد من الفتح الإسلامي فهذه البقعة الجغرافية القصية من المغرب العربي كان قد اختارها الفينيقيون قبل الميلاد لتكون عاصمتهم التجارية هنا على شاطئ الأطلسي، في الجهة الجنوبية الأقرب إلى المتوسط الذي بلغوا سواحله الشمالية وأقاموا لهم مدنا أخرى هناك في ما يعرف اليوم بإسبانيا أو شبه الجزيرة الأيبيرية. يحار المرء في أمر هؤلاء الفينيقيين، فهم بحسب ما تركوا من نصوص ومدونات ولقى وحفائر وأساطير ومنحوتات وأشكال لسفن، يشعر بأنهم كانوا قوماً من الشعراء الذين شعروا بالضجر مرة، فغادروا الساحل السوري ليبنوا أماكن ومدناً أخرى في العالم القديم كي يحنوا إلى مواطنهم الأصلية. نقول ذلك ونضحك على طاولة جمعتنا إلى شعراء مغربيين؛ حكيم عنكر وعزيز أزغاي وأصدقاء آخرون من بينهم الأكاديمي والمثقف د. سعيد بنكراد، في مكان يدعى: نادي الكرة الحديدية، حيث كان أمامنا عدد من هواة هذه اللعبة يمارسونها وفقا لأصولها المتعارف عليها دولياً. مبنى النادي يعود إلى العهد الاستعماري الفرنسي، وإلى العام 1918 تحديدا، ما يعني انه يقترب من مئويته الأولى. الأشجار هنا عالية، إنها أشجار الكينا، لكنهم في المغرب يدعونها بالكاليبتوس، وثمة صوت رقراق يصنعه مرور الريح بين الأغصان إذ تلهو بالأوراق، إنه الحفيف؛ حفيف الشجر الذي لا نسمعه هنا، لكن المرء يدرك جماليته إذ يصغي إليه ولا يكون صوتا عابراً. من هنا مرّ شعراء: سركون بولص وسعدي يوسف وأمجد ناصر وشعراء عرب وأجانب كثيرون.

هوية المدينة

تُعرف المدن بدءاً من أسواقها، هذه حكمة قديمة يرددها الضالعون في الترحال، لكنك في أسواق الرباط القديمة المحاطة بالسور التاريخي سوف تتذكر دمشق، والفارق أن الأسواق في دمشق قد جرى تقسيمها بحيث يتواجد أبناء التجارة الواحدة والمهنة الواحدة في حيّ بعينه، لكنها هنا في الرباط متفرقة. ما يذكّر بدمشق القديمة ليس أن المباني من حجر فقط، بل الأزقة الضيقة والملونة جدرانها في نصفها الأسفل بالأزرق فيما نصفها الأعلى قد طُلِيَ بالأبيض، وذلك فضلاً عن النقوش والزخارف وصناعة النوافذ والشبابيك فهي جميعا طرازية، و»المشغول» بعناية أكثر من بينها تلك الأبواب التي يوجد ركن في السوق قريب من باب الرواح لبيع العديد منها وقد جيء بها من بيوت المدينة أو من بيوت مدن أخرى، ويقتنيها السياح الأجانب بوصفها لوحات تشكيلية يقومون ببيعها في مزادات في بلدانهم البعيدة. دع أمر المتسولين جانبا فهم جزء من المشهد في المدن الكبرى كلها، لكنْ ثمة أمراً يلاحظه المرء على الناس في عيشهم اليومي، وأثناء مرورهم بالسوق، وهو أن هناك ما يشير إلى أن السوق يشهد كساداً لجهة العرض والطلب مثلما أخبرنا أحد التجار، ويجد هذا القول صدقيته بغياب ما يمكن وصفه بأبناء الطبقة المتوسطة الذين يجدر بهم ارتياد السوق في هذه اللحظة المزدحمة بالناس من هذه الصبيحة. لكن مشهد الناس يوحي بتعدد واختلاف، فثمة اللباس التقليدي المغربي على نحو مغرق في تقليديته، وآخر جرى تطعيمه بأنماط من الملابس الحديثة، في حين كانت الملابس الحديثة العادية غالبة وتحديداً لدى النساء، حيث يلحظ المرء أن لدى البعض من الشابات «تقليعات» في ملابسهن تشبه تلك التي توجد في أي مدينة علمانية في العالم اليوم. هذا التنوع هل هو دليل اختلاف وتنوع في الأفكار؟ هل الرباط مدينة علمانية حقاً؟ الأرجح أن أهل مكة أدرى بشعابها، لكن د. سعيد بنكراد قال لي أنه يشعر بمستوى من الحرية هنا أكثر منه عندما يكون في أي مدينة عربية أخرى. قال لي إنه يجاهر بعلمانيته في الدرس الأكاديمي دون أن يراجعه في ذلك أحد أو يرجمه بكفر أو زندقة. العقد الاجتماعي السائد ذاته يحميه من الغوغاء والدهماء، هذا ما قاله الرجل. هناك ذكرى ما تسقط من متاع أي رحلة يقوم بها المرء، لكن الرحلة إلى المغرب هي أكثر شبها بغابة من الذكريات التي لا يسع المرء أن يراها من جوانبها كلها إلا إذا نأى عنها.

اقرأ أيضا