الثلاثاء 17 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الاعتذار فضيلة لا يعرفها الرجال أحياناً
الاعتذار فضيلة لا يعرفها الرجال أحياناً
7 أغسطس 2005


تحقيق- هناء الحمادي:
سؤال طالما سألته، واختلفت الإجابات وتباينت الآراء، هل اعتذار الرجل للمرأة ينتقص من قدره، هل يمنعه غروره من الاعتذار، وهل يختلف الرجل الشرقي عن غيره في درجة الحساسية لهذه الكلمة·
الجميع يعرف ويدرك أن المر أه تملك مشاعر رقيقة وهشة وسهلة الانكسار، وأي كلمة قد تؤثر بها أو تجرحها وتؤلمها، ولكن بماذا يشعر الرجل عندما يعتذر لامرأته ويقول: آسف يا حبيبتي، هل يعتبر اعتذاره بمثابة ذل؟
إن البشر بطبيعتهم معرضون للخطأ والنسيان، والخطأ في حد ذاته ليس عيبا أو انتقاصا من شخصية المخطئ بل الأسوأ هو التمادي وعد م الاعتذار، الكل يخطئ، لكن القليل منا يجد لديه الشجاعة للاعتذار عن الخطأ الذي بدر منه سواء بقصد أو من غير قصد، رغم ما نكرره باستمرار من أن التراجع عن الخطأ خير من التمادي فيه، لكن يبدو أن التراجع مقبول من قبل الرجل إلا إذا كان الشخص الذي ينبغي الاعتذار إليه هي الزوجة، هنا يصبح الاعتذار في نظر الكثيرين نوعاً من المهانة والذل، نعم هذا هو الواقع الذي نعيشه حاليا والأدهى أن الناس ينظرون إلى الشخص الذي يعتذر عن خطئه كما لو أنه ضعيف الشخصية برغم أن الاعتذار هو من سمات الشخصية القوية الشامخة والأخلاق والطيبة·
لذلك نجد أن بعض الرجال اعتادوا أن يترفعوا عن الاعتذار حين يحدث ويخطئ الواحد منهم في حق امرأته، كما لو أن الاعتذار ينتقص من رجولته وهيبته، فلا تعرف كلمة آسف أو أعتذر الطريق إلى فمه، حتى لو شعر بها عملياً وأدرك أنه مخطئ إلا أنه يأنف من التلفظ بها، مع العلم بأنها كفيلة بخلق معجزة عاطفية في العلاقة الزوجية·
وبسبب هذا الوضع، وكنتيجة له، كم من المشاكل التي نشأت واشتعلت نيرانها وطال تأثيرها السلبي الأطفال الذين لا ذنب لهم، بسبب مكابرة الزوج وامتناعه عن الاعتذار لزوجته عندما يغضبها، زاعما أن ذلك يمس كرامته ويقلل من شأنه ورجولته·
الكثير من الرجال الذين استطلعنا آراءهم أكدوا أن الاعتذار للمرأة بمثابة إهانة للرجل، وقد يجرده من رجولته ومبادئه· في الوقت نفسه وجدنا أن الكثير من السيدات أوضحن أنهن صاحبات (قلب أبيض) ويغفرن كل أنواع الإساءات، وهو ما شجع أزواجهن على التمادي في الخطأ وعد م الاعتذار·
ترى لماذا يعتبر الأزواج الاعتذار ذلاً ومهانة؟
وهل يشعر الرجال فعلاً بالدونية والمهانة حين يقدمون على الاعتذار؟
وهل الزوجة هنا تحتاج إلى اعتراف صحيح من زوجها يؤكد لها انه نادم على ما فعله؟
وفي النهاية هل يمتلك الأزواج الشجاعة الضرورية لممارسة فضيلة الاعتذار؟
مستحيل
أحد الرجال الذين التقيت بهم يقول بصراحة: مهما كان الخطأ الذي ارتكبته بحق زوجتي يستحيل أن أعتذر لها وأقول لها: آسف وأخطأت بحقك، فرجولتي وكبريائي تمنعاني من فعل ذلك·
ويتابع: المرأة حين تجد الرجل يعتذر لها ويبدي أسفه على خطأ ما، تشعر في داخلها أنها حققت انتصارا على زوجها، وتنظر إليه على انه ضعيف وان اعتذاره مرة واحدة قد يفتح الباب لسلسلة لا متناهية من التنازلات، لذلك أنا لا أقدم أي اعتذار في أي حالة من الحالات، لأنني لو فعلت واعتذرت فسأجد زوجتي بانتظار اعتذاري في كل مرة أختلف فيها معها، ما يعنى أنني سأقدم تنازلات وأنا غير مستعد لتقديم هذا لأي شخص كان حتى لو كان هذا الشخص رفيقة دربي وأم عيالي·
رفض قاطع
ويشاطره الحديث محمد سالم النعيمي، موظف بوزارة التربية، ليبدأ حديثه قائلا: إن العلاقة بين الرجل والمرأة كثيراً ما تتعرض للمد والجزر والقوة والضعف، وكثير من الرجال حين يخطئ يرفض أن يعتذر لزوجته وأنا واحد منهم، فلكل موقف ظروفه وملابساته التي تحدد ما إذا كان يجب أن أعتذر أم لا، ورغم علمي أنني مخطئ بحق زوجتي إلا أنني أرفض رفضاً باتاً الاعتذار، حتى لا تعتقد أنني رجل ضعيف بنظرها وبما أن الرجال قوامون على النساء، يفترض أن تأتي هي وتعتذر حتى لو كنت أنا المخطئ·
ويضيف محمد بنوع من الاستهتار: كثيراً ما أجرح زوجتي أمام أسرتي، وفي بعض الأحيان أشتمها، وهي في نفس الوقت تشعر بالغيظ والضيق من تصرفاتي، وبرغم أنها اعتادت على ذلك، فإنها تتجاهل كل تصرفاتي وقد لا تحد ثني لفترة طويلة حتى تشعرني أنني مخطئ بحقها، ولكن هذه الخطة أصبحت مكشوفة وأتجاهلها إلى أن تأتي هي وتعتذر مني رغم أنها ليست المخطئة، ولكن من اجل الأبناء تحاول التقرب إلي كما تقول·
كلهم سواء
أما الذي كنت أظن أن رده سيكون مختلفا عن الأزواج الذين قابلتهم فهو متعلم ويحمل الشهادة الجامعية مما جعلني أعتقد للوهلة الأولى انه سيكون نصير النساء، لكنني وجدته يحمل فكرة الرجل الشرقي الذي لا يحب أن يعتذر لزوجته، يقول مبارك الطنيجى (موظف): لم تخلق المرأة التي ترغم الرجل على الاعتذار، وبالتالي عندما يحدث الخلاف بيني وبين زوجتي أشعر وكأننا في ساحة حرب، فأنا أرفض أن أقول لها آسف، لأن التلفظ بهذه الكلمة يعني أنني قللت من هيبتي واحترامي وجرحت كبريائي، وزوجتي سترى أنني ضعيف واستسلمت لها·
ويؤكد مبارك أن الكثير من النساء عندما لا يجدن الزوج يعتذر لهن نراهن يغادرن بيوتهن ولا يعدن إلى بيت الزوجية إلا بعد أن يعتذر الزوج أمام أهلها، وهذا ما يعتبره غالبيه الرجال امتهانا لكرامتهم وجرحا لكبريائهم·
رأي الزوجات
هذه كانت وجهات نظر بعض الرجال الذين يرون أن الاعتذار للمرأة فيه تنازلات، فكيف تنظر الزوجات إلى الأمر؟ هل يرين الاعتذار حقاً نوعاً من الضعف، وهل هو فعلا نوع من الانتصار الأنثوي على الذكوري كما يتخيل الرجال؟
تقول شمسه درويش ـ متزوجة منذ (3سنوات) ولديها طفلان: من فرط سذاجتي كنت أعفي زوجي من الاعتذار لأنني لم أرغب بإحراجه، لمعرفتي بحساسية كلمة آسف، إلا أنني تسببت من غير قصد في جعل زوجي يتمادى في إحراجي، وهو ما يزيد جرحي غوراً·
وتتابع شمسه بقولها: بعد أن تكررت ثورتي لهذا السبب، أستطيع القول إن زوجي أصبح يطيب خاطري بطرق غير مباشرة، ومع مرور الوقت بت أفهم المغزى من هذا السلوك وأتجاوب معه كدلاله على أنني قبلت اعتذاره، لأن العلاقة الزوجية ينبغي في النهاية أن تستمر مهما حدث بها من عواصف·
إلا الخيانة!
وعلى الجانب الآخر قضت ميرة المهيري- ربة بيت (7 سنوات) من عمرها في صمت مطلق، تقول: لم يقدم زوجي في يوم على الاعتذار مني إن أخطأ ولا يمكنني القبول بأن يعرض نفسه لموقف مهين لرجولته من أجل إرضائي، حتى لو أخطأ فعلا في حقي·
وتضيف: عموماً الرجال لا يعتذرون ولم يتعلموا ثقافة الاعتذار، كما أن كل أخطاء الزوج يمكن الصفح عنها ماعدا الخيانة فهذا يظل موسوما في نفس المرأة، ولا أعتقد أن بمقدور أي زوجة نسيان أنها ضحية الخيانة من قبل زوجها مهما قدم لها من اعتذارات أو باقات ورد أو قد م لها دعوة على العشاء أو الغذاء، لأن المرأة إذا فقدت الثقة في شريك حياتها يستحيل أن تعود إلى الثقة مرة أخرى·
إنقاذ
وتعلق رانية علي (موظفة استقبال بمركز طبي) لتقول: الاعتذار سواء من الرجل أو المرأة ساهم في إنقاذ الكثير من حالات الخلافات الزوجية من خطر الانفصال، والاعتذار بين الزوجين يدل على هدم جميع الحواجز بين الطرفين وأنه لا توجد أي فوارق أو حدود في تعامل كل منهما مع الآخر، وأنا شخصيا إن أخطأت في حق زوجي فإنني لا أتردد أبدا في الاعتذار منه ولا أجد حرجا في ذلك فهو زوجي وحبيبي·
يكبر في عينها
أما أم عبد اللطيف (ربة بيت) فتقول بكل صراحة: عندما يعتذر الرجل للمرأة فهو لا يسقط من عين زوجته أو يهون أمره عليها، بل ترتفع قيمته في نظرها ويعلمها درسا في الأمانة واحترام الذات، والاعتذار في نظري ليس ضعفا أو عيباً بل العيب أن يخفي خطأه ويظل يكابر، فكم من المشاكل الزوجية تبدأ بمكابرة الزوج وامتناعه عن الاعتذار، لذلك فكلمة أنأ أخطأت بحقك وآسف كفيلة بأن تعيد المياه إلى مجاريها وتجدد الشعور بالرومانسية وهذا ما نحتاجه نحن معشر النساء·
وتضيف: أنا زوجي حين يخطئ دائما يبرر خطأه بأنني اخترت وقتا غير مناسب للتحدث معه، أو أنه يعاني من التوتر والتعب ومشاكل العمل، يعني وبالعربي الفصيح يحاول التفلت والهروب من التلفظ المباشر بكلمة آسف مهما كان·
ثقافة غائبة
ترى ما رأي الطب النفسي في مفهوم ثقافة الاعتذار؟
وماذا يقول خبراء النفس والاجتماع لمن يكابر في عدم الاعتذار للطرف الآخر عندما يخطئ في حقه؟
إن الاعتذار مطلب أساسي لدوام أي علاقة زوجية، وكلمة آسف غالباً ما تصفي الأجواء وتفتح الأبواب أمام التعاطف والتواصل، يقول الدكتور سمير غويبة (اختصاصي طب الأسرة): ما زال الرجل الشرقي يعتقد أن الاعتذار للمرأة هو نوع من الذل والمهانة وتقليل لكرامته ورجولته وهذه هي طبيعة سي السيد المتشدد· ولا بد من تغيير هذه النظرة إلى مفهوم الاعتذار عن الخطأ والعمل على نشر ثقافة تعزز هذه الفضيلة لدى المجتمع، فالاعتذار مطلوب ليس بين الأزواج فقط، بل بين البشر جميعاً، وكل من يخطئ لا بد له من الاعتذار، بل العكس تماماً، يفترض أن ينتفي الحرج بين الزوج وزوجته لأن العلاقة بينهما أكبر من المكابرة ما داما يتشاركان في الحياة، والشخص الذي يرفض الاعتذار سواء كان رجلاً أو امرأة يعتبر شخصا بغيضاً ومريضاً نفسياً، كما أن من الخطأ الاعتقاد بأن الرجل يسقط من عين زوجته عندما يعتذر، بل العكس هو الصحيح، حيث ترتفع مكانته لديها، وتتعزز منزلته في قلبها لما يشعرها من احترام لنفسها وما تحظى به من احترام في داخله في الوقت نفسه، كما أن الرجل نفسه يصبح قدوة للزوجة فلا تتوانى هي عن الاعتذار عندما تخطئ ولا تكابر في حال ارتكبت خطأ ما في حقه·
عناد بلا معنى!
ويتساءل الدكتور سمير عويبة: كم من المشاكل التي اشتعلت نيرانها بسبب عناد الأزواج وبالأخص امتناع الزوج عن الاعتذار لزوجته مما أثر على دفة الحياة الزوجية وانتهت العلاقة بالانفصال وضياع الأبناء؟ لماذا يصر الكثير من الرجال على المكابرة وعدم الاعتذار؟ لماذا لا يقولها الرجل الشرقي: آسف يا زوجتي وشريكة عمري ومنك السماحة؟
إن هذه الكلمة التي يراها الرجال ثقيلة عليهم ويصعب النطق بها مهمة جداً لدى النساء، وهي كفيلة بإعادة العلاقة الزوجية إلى سابق عهدها، كما أن أغلب النساء يستطعن أن يطوين الصفحات المؤلمة من حياتهن ويفتحن صفحة جديدة·
ولا بد لاستمرار الحياة الزوجية وتحقيق السعادة أن تكون هناك بعض التنازلات من أجل استمرار العلاقة بين الرجل والمرأة، كما أن هناك الكثير من الأساليب التي تجعلك تعتذر للزوجة بطريقة غير مباشرة؛ كدعوة على العشاء، أو باقة ورد، أو هدية بسيطة يعبر بها الرجل عن اعتذاره، وهذا كفيل بنسيان الحقد والكراهية التي قد تنشأ في أعماق كل منهما للآخر·
وبعد·· لن نذهب بعيداً في الحلم ونطلب من الرجل أن يترك وراءه هذا الإرث التاريخي كله، ويعترف بأهمية التحلي بخلق جميل وأدب راقٍ هو الاعتراف بالخطأ، ولن نشطح في الأمنيات فنتمنى أن تكون لدى جميع الرجال شجاعة نادرة مثل شجاعة أحد الأزواج (وهو بالمناسبة عربي) قام بنشر إعلان اعتذاري في الصفحة الأولى، يطلب من زوجته نبذ الخلافات ونسيان الماضي لأنه يشعر بافتقاده لها ويريد أن يعبر لها عن مدى حبه وإخلاصه وصدقه في حياته معها، فلم يجد وسيلة أفضل لاسترضاء زوجته من الاعتذار العلني على صفحات الجرائد·· لن نحلم بهذا أو نصفه، بل فقط، كل ما تحلم به الزوجة أن تشعر بمكانتها في قلب زوجها، وأهمية رضاها في أعماقه، وهو إحساس جميل لن يكلف الزوج سوى كلمة صغيرة لا تحمل في داخلها أياً من أوهام خدش الكرامة، أو الانتقاص من الرجولة التي تسود لدى أغلب مجتمعاتنا ورجالنا، في حين أنها خلق جميل علينا أن نتحلى به جميعاً، رجالاً ونساء، وبه نبني علاقات أسرية وزوجية جميلة وغنية قائمة على المحبة واحترام الآخر، وإلا أين كرامة المرأة إذن عندما تعتذر؟!!
أليست كرامة المرأة كرامة للرجل؟
وأي حياة زوجية، وأي سعادة تلك التي يمكن أن تنشأ في حال ظلت العلاقة قائمة على شعور الزوج بالتفوق والمرأة بالدونية وبأنها لا تستحق من زوجها وشريك حياتها الذي وهبته كل ما لديها حتى كلمة واحدة: آسف حبيبتي·

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©