الاتحاد

تقارير

معسكرات التعذيب...مأساة منسية في كوريا الشمالية

المعاناة الإنسانية بند غائب في محاولات التفاوض مع بيونج يانج

المعاناة الإنسانية بند غائب في محاولات التفاوض مع بيونج يانج

لقد بدأت تتضح أكثر فأكثر مآسي معسكرات العمل الشاق الكورية الشمالية من خلال الصور التي تبث عنها وبعض القصص التي رواها بعض ضحايا تلك المعسكرات.

فقد نشرت مؤخراً إفادات عدد من الناجين وكذلك شهادات بعض الحراس بمبادرة من جمعية الحقوقيين الكوريين، وهي عبارة عن قصص تصور تفاصيل الحياة اليومية لـ200 ألف من السجناء السياسيين في كوريا الشمالية. وبسبب اعتمادهم على وجبة غذائية لا تزيد عن الذرة الشامية والملح، فقد لوحظ أن أسنانهم تتساقط بينما يتغير لون اللثة إلى الأسود، وكذلك تضعف عظامهم وتتقوس ظهورهم بمرور الوقت في منطقة الخصر. ويعمل معظم هؤلاء بين 12-15 ساعة يومياً حتى يموت الواحد منهم تحت تأثير الأمراض المرتبطة بسوء التغذية. ولا يسمح لأحد مهما كان أن يزور أياً من هؤلاء السجناء، وهو ما يعني صعوبة التحقق المستقل من مدى صحة روايات وإفادات بعض السجناء الناجين. بيد أن صوراً فوتوغرافية شديدة الوضوح تم التقاطها عبر الأقمار الاصطناعية ويمكن لكل مستخدم لشبكة الإنترنت رؤيتها بكل وضوح، تكشف عن وجود معسكرات تعذيب شاسعة أقيمت في جبال كوريا الشمالية. وتؤكد هذه الصور القصص التي رواها السجناء الناجون، حيث تظهر مداخل لمناجم قال الناجون إنهم عملوا فيها عبيداً أثناء فترة سجنهم. إلى ذلك ذكر بعض الحراس السابقين أن السجناء غير المتعاونين عادة ما يعذبون إلى حد الموت، بينما تنظم مواكب الإعدامات التي يرغم بقية السجناء على مشاهدتها. وتحيط بهذه المعسكرات أبراج الرقابة الأمنية المشددة بينما سيجت جدرانها بأسلاك مكهربة يستحيل الهروب منها حسبما أظهرته الصور الفوتوغرافية. ففي بلادنا يوجد فعلا هذا الشكل من أشكال العبودية الذي نراه أمام عيوننا الآن عبر الصور الملتقطة بواسطة الأقمار الاصطناعية. هكذا قال «آن ميونج شول» الحارس السابق في تلك المعسكرات، وقد هرب إلى كوريا الجنوبية بعد انشقاقه عن الحزب الحاكم في بيونج يانج. ومضى «شول» إلى القول إنه لن يكون في وسع الجماعات الناشطة في مجال حقوق الإنسان وقف هذه الفظائع الجارية في كوريا الشمالية. كما لن تستطيع سيول وقفها. إذاً فإن الدولة الوحيدة التي يمكنها التصدي لبيونج يانج هي الولايات المتحدة الأميركية، التي يتعين عليها طرح ملف هذه المعسكرات في طاولة التفاوض بين واشنطن وبيونج يانج. ولكن الذي حدث أنه لم يناقش أمر هذه المعسكرات في الاجتماعات واللقاءات التي جمعت بين الدبلوماسيين الأميركيين والمسؤولين الكوريين الشماليين. فعن طريق اختباراتها المتكررة لأسلحتها النووية غير الشرعية، وإطلاقها للصواريخ البعيدة المدى وغيرها، تمكنت حكومة الزعيم كيم جونج إيل من خلق بيئة خطر أمني مستديم في منطقة شبه الجزيرة الكورية، إلى جانب نجاحها في إبعاد القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان من طاولة التفاوض والحوار معها. هذا ما أكده «ديفيد ستروب» –من كبار مسؤولي مكتب الشؤون الكورية بوزارة الخارجية الأميركية في عهد إدارتي بوش الأب وكلينتون- بقوله: ليس ممكناً بعد التفاوض مع مسؤولي بيونج يانج حول معسكرات العمل الشاق. كما أنه لم تعقد أي اجتماعات ثنائية شبيهة منذ تسلم إدارة أوباما لمهامها في البيت الأبيض اعتباراً من شهر يناير من العام الحالي. واستطرد «ستروب» إلى القول: فكلما حاول أحدنا إثارة موضوع المعسكرات ترى مسؤولي بيونج يانج يستشيطون غضباً ويجن جنونهم. يذكر أن «ستروب» يعمل حالياً مديراً مشاركاً لبرنامج الدراسات الكورية بجامعة ستانفورد. يجب القول أيضاً إن معسكرات التعذيب الكورية الشمالية هذه لم تحظ باهتمام الجمهور الأميركي بعد، على رغم سهولة استدعاء الصور المبثوثة عنها عبر الشبكة الإلكترونية، فيما لو استخدم المبحر في الشبكة محرك Google Earth ، وعلى رغم وجود المعسكرات هذه منذ ما يزيد على نصف القرن، ما يعني أن عمرها يعادل عمر معسكرات التعذيب النازية بحوالي 12 مرة، ومرتين قياساً إلى معسكرات التعذيب السوفييتية. ولا تتيح الطبيعة السرية لتلك المعسكرات إمكانية التحقق من عدد من قضى نحبهم فيها، إلا إن الحكومات الغربية وكذلك المنظمات والجمعيات الناشطة في مجال حقوق الإنسان، تقدر عدد قتلى المعسكرات ببضع مئات من الآلاف. هذا وتنفي كوريا الشمالية رسمياً وجود ما تسميه بمعسكرات العمل الشاق المزعومة. ومن بين إجراءات السرية المطلقة المفروضة على كل ما يجري في كوريا الشمالية، تلجأ السلطات الأمنية والاستخباراتية إلى فرض قيود مشددة على تحركات السياح الأجانب القلائل الذين تسمح بدخول أراضيها. ولذلك فهي تردع بشدة من ينجحون في التسلل إليها. وبهذه المناسبة نذكّر بأن النظام القضائي لبيونج يانج أصدر أحكاماً قاسية بحق الصحفيتين الأميركيتين «لورا لينج» و»إيونا لي» قضت بقضاء كليهما لمدة 12 عاماً من السجن والأعمال الشاقة بسبب إدانتهما بالتسلل غير المشروع إلى أراضي كوريا الشمالية. هذا وقد لاحظت «سوزان شولتي» –ناشطة في مجال حقوق الإنسان في واشنطن، خاصة في جلب ضحايا معسكرات التعذيب الكورية الشمالية إلى أميركا لإجراء الحوارات واللقاءات معهم- أن تلك المعسكرات لم يحدث أن اعتقلت فيها شخصيات بارزة استطاعت أن تلفت الرأي العالمي إليها، على نحو ما هو حادث في بورما وإقليم التبت. ولكن من الواجب لفت نظر العالم إلى الفظائع المرتكبة في معسكرات كوريا الشمالية والدفاع عن المواطنين البسطاء الذين يواجهون مصيراً واحداً هو الموت بعد رحلة طويلة قاسية من التعذيب والتجويع.


بلين هاردن- سيول
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا