الاتحاد

الزيارة التالية


جذبت ليلى ثوب والدها بإتجاهها قائلة: أبي أود أن تشتري لي تلك الشريطة الحمراء الجميلة، فأجاب الوالد: حاضر يا حبيبتي، اشترى لها والدها كل ما تتمناه وما لم يخطر ببالها أيضاً، لقد كانت ملابسها وأحذيتها حمراء اللون، ازدحم الناس تلك الليلة في السوق··· يتسابقون لشراء الحاجيات وتلبية نداءات الطفولة من أجل زرع البسمة في قلوب أبنائهم متناسين كل نصب بل مستمتعين بالتسوق وتصحبهم الابتسامة، في السوق، ترى الأطفال متشبثين بأثواب آبائهم وأمهاتهم·· يتحركون بفرحة·· ويستجيبون بعفوية لانفعالاتهم فهذا يعبر عن فرحة بتقبيل أمه وذاك يضم ثوبه الجديد الى صدره وآخر لا يود أن يودع لعبته بل يود أن يمسكها بيده، وغيره يبكي لأنه يريد تلك اللعبة الى غير ذلك من المشاهد المعبرة· قامت ليلى في صبيحة ذاك اليوم اللؤلؤي بارتداء ملابسها ذات اللون الأحمر وذلك بعد أن أيقظتها والدتها في الصباح الباكر ودعتها لتستحم، ثم قامت أمها بتسريح شعرها ووضع الشرائط ذات اللون الأحمر ثم عطرتها من عطر خاص وكان لون زجاجته حمراء كذلك، وكم كانت الفرحة تغمر فؤاد الصغيرة التي قامت بتقبيل أمها تعبيراً عن سعادتها مستعدة للخروج لملاقاة صديقاتها الصغيرات الحالمات، التقت الصغيرات مع بعضهن، لعبن بالألعاب، وخرجن برفقة أحلامهن ليستمتعن بهذا اليوم·
عادت ليلى إلى بيتها بعد يوم لم تتمن أن ينتهي لأنها ما زالت مفعمة بالحيوية والنشاط، يوم حافل بالقبلات والهدايا واللعب والحب، يوم ليس كباقي أيام السنة فهو مميز بطعم مختلف ولون يشع حيوية وسعادة، إنه العيد السعيد الذي جاء بعد انتظار قد طال ليطل على ليلى الصغيرة المدللة، العيد الذي يحلم به كل طفل ويظل يتردد اليه كطيف ناعم هادىء ومرح، طيف لونه أحمر وأصفر وبرتقالي ووردي، طيف تحضنه العيدية وتبتسم له الوجوه، ويحيطنا بأهازيج تراثية تعبرعن الفرح بقدومه، طيف يردد تلك المقولة باستمرار: عيدكم مبارك وعساكم من عواده·
وفي المقابل من ذلك، الطفلة سعاد، طفلة في عمر الزهور ينبض فؤادها وكل جزء من جسدها بالحيوية والنشاط والتوق نعم التوق الى اللعب، الى الاستمتاع كبقية الأطفال بطعم الحلوى عندما يكون مع الرفاق، الى الجري مع الريح الى الحلم المستحيل والبحث عن المغامرة والتحليق فوق هامات السحاب، والتزحلق على قوس قزح، والشوق الى عالم مخلوق من الملاهي، مملوء بالأطفال واللعب والحلوى، والعروسة المميزة على القلب، الى السعادة التي لا تتأتى إلا بممارسة الطفلة اللهو منذ الصباح وحتى المساء بلا منغصات قد تطفو لتعكر صفو النفس، ولكن هذه الحيوية مكبلة بكرسي ذي عجلات موضوع في مستشفى خاصة بذلك، نعم إنها هنالك ترقب وتتمنى أن تكون طفلة عادية في يوم من الأيام، ان منتهى مرام سعاد هو زيارة من أحدهم وتربيتة على كتف، وغاية اسمها الأمل في غد مشرق مليء بالمفاجآت التي قد تأتي محملة بكل ما تأمل هي وأصحابها في ذاك المكان الذي أضحى بستاناً عند البعض الذين يجدون كل ما يحلمون، فأحلامهم بسيطة وأمنياتهم صغيرة، وقفص عن البعض الآخر ممن يتمنون الحرية بحذافيرها·
إنها طفلة نعم هي كذلك مفعمة بكل ما في الطفولة من معان، تمتلك ملكة من الخيال الخصب الذي يلح عليها في كل الأوقات فتغرق فيه حتى التيه لتصل الى عالم تأمل أن تعيشه في يوم بعد أن تتعافى! إنها هنالك يرتعش فؤادها عندما تسمع كلمة أمل، وتصاب بالسواد وذبول القلب عندما ينتهي الى مسامعها كلمة يأس، إنها ما تزال تأمل أن يأتي ذاك اليوم الذي تتحرر مما هي فيه من القيود التي تكبل حياتها ومن الألم الذي يحتويها، إنها ترغب أن تتطهر من ذكرياتها مع القيود المزمنة في حضن القفص الأبدي الذي وجدت نفسها تحيا بداخله بل انه يستوطن داخلها ويحولها في لحظة من اللحظات الى بيت مهجور مدمر تعيث فيه الأوهام والكوابيس·
تضحك سعاد وتبتسم كبقية الأطفال حينما تزورها سلمى، سلمى تلك المرأة الطيبة القلب، إنها طيبة في نظر سعاد لأن سلمى تمنح جزءاً من وقتها لسعاد، فهي تزورها وتحضر لها الحلوى وتحاول أن تزرع البسمة على محياها، تحضر لها الهدايا أيام الأعياد والمناسبات، وتنتهز الفرصة تلو الأخرى لكي ترى سعاد، سلمى انسانة تحب الخير والعمل الانساني، يا لها من لحظات من السعادة تلك التي تقضيها سعاد بصحبة سلمى أو بصحبة من جاء يزورها ليحول حياتها الى مجموعة من الأمل الذي يتردد في الصدر كحلم رائع حتى الزيارة التالية·
كلمة:من أحب الأعمال الى الله سرور تدخله على قلب مسلم انطلاقاً من هذا المعنى الروحاني قمت بتوفيق من الله بصحبة مجموعة من زميلات الدراسة بزيارة الى أحد مستشفيات الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة والمسنين الأمر الذي أوحى لي بفكرة هذه المقارنة وهي من وحي الخاطر، هناك خلف أبواب المستشفى من تسعده ابتسامة حنون أو لمسة مشفق، إن الزيارة مفتوحة للجميع وهي ترقق القلب وتجعلنا أحرى ألا نزدري نعم الله علينا· فهل من ملبي· وهل من زائر تالٍ؟
موزة السويدي
أبوظبي

اقرأ أيضا