الاتحاد

الإمارات

البذخ في الزواج مباهاة تنافي الدين وسلوك يزيد العنوسة

صندوق الزواج يضطلع بدور مهم في تنظيم دورات وندوات توعية للمقبلين على الزواج (الاتحاد)

صندوق الزواج يضطلع بدور مهم في تنظيم دورات وندوات توعية للمقبلين على الزواج (الاتحاد)

بين فينة وأخرى، تعلو أصوات مواطنة للتحذير من مغبة التمادي في المباهاة بمهور العرائس وتكاليف حفلات الزفاف، ليبلغ المتوسط، بحسب متزوجين حديثاً أو مقبلين على الزواج، 250 ألف درهم، يقترضها كثيرون من البنوك، ليدخل العريس قفص الزوجية مكبلاً بالديون لسنوات وربما لعقود. وتأتي التحذيرات مما لهذا السلوك الاجتماعي المنهي عنه دينياً وعلمياً من آثار اجتماعية وقانونية لعل أبرزها خلل التركيبة السكانية الناجم عن عزوف الشباب المواطنين عن الزواج، وزيادة نسبة العنوسة بين الفتيات، والتي تتراوح بين 60 و 68?، بحسب أرقام عرضت في المجلس الوطني الاتحادي منتصف العام الماضي، قالت إن هناك 175 ألف مواطنة فاتهن قطار الزواج.

يتباهى كثيرون بالمبالغ المهدورة في أعراسهم، في ظاهرة مجتمعية بدأت تتفاقم يوماً بعد يوم، على الرغم من تنبيه رجال الدين والمتخصصين إلى سلبيات هذا السلوك الذي يتسبب في عزوف الشباب عن الزواج، أو إقبالهم على الزواج من غير المواطنات، وبالتالي ارتفاع ظاهرة العنوسة بين المواطنات، فضلاً عن تفشي مشاكل اجتماعية وقانونية أخرى.
وتتسابق الأسر المواطنة في الإسراف والبذخ في حفلات الزواج، والتمادي والمغالاة في المهور، وإقامة ولائم تستمر أسبوعاً كاملاً.
وبحسب مواطنين عازبين، فإن متوسط تكلفة الزفاف في الوقت الحالي يبلغ 250 ألف درهم، مؤكدين أن “أوضاعهم المالية صعبة، وأنهم ضحية لسلوك اجتماعي تحول إلى ظاهرة تكسوها المظاهر الكاذبة، حيث يظل الشاب منهم أسيرا للأقساط البنكية لسنوات طويلة”.
في المقابل، تسعى مؤسسة صندوق الزواج للقيام بدورها في تذليل كل العقبات أمام فئة الشباب المقبلين على الزواج، من خلال محاضرات التوعية، ومنح الصندوق التي تبلغ قيمتها 70 ألف درهم لكل مستفيد، إضافة إلى تنظيمها للأعراس الجماعية في مختلف مدن الدولة، حيث بلغ عدد المستفيدين من هذه الأعراس الجماعية التي نظمها الصندوق خلال العام الماضي 335 مواطناً، فيما بلغ عدد المستفيدين من منح صندوق الزواج للعام الماضي لجميع الدفعات المقدمة 2851 مستفيداً، بمبلغ إجمالي بلغ 170 مليوناً و170 ألف درهم.
الشباب ضحية مظاهر كاذبة
ومن مظاهر الإسراف في حفلات الزواج، تباهي الأسر بإقامة حفلات غنائية، تتضمن تشكيلة مختلفة من الفرق الحربية، والعيالة، إضافة إلى أكثر من فرقة غنائية موسيقية تحيي حفلة العروس التي تتربع وسط “الكوشة” التي يتعدى سعرها أحياناً 50 ألف درهم، تستخدم لساعات معدودة دون أي فائدة لها، سوى أنها ترضي غرور العروس وأسرتها، بحسب بعض المتزوجين الجدد.
وأكد كثير من الشباب أنهم مجبرون على إقامة هذه الحفلات الباذخة لإرضاء ذوي العروس، وليحصلوا على موافقتهم التي لا تتم إلا بعد سلسلة من الشروط، إضافة إلى مراعاة وضعهم الاجتماعي من خلال هذه الحفلات.
وقال الشاب المواطن ناصر الضنحاني إن أحواله المالية تدهورت بعد حفل زفافه الذي تجاوزت تكلفته 320 ألف درهم.
وتابع: “فرحت عندما حدد والد زوجتي المهر بـ 20 ألف درهم وهو المهر الشرعي، ولم يكن في الحسبان ما جاء بعد ذلك، حيث أجبرت على إقامة حفلة الخطوبة التي دفعت فيها 30 ألف درهم، وحفلة ثانية عند عقد القران كلفتني 60 ألف درهم، والثالثة هي حفلة العرس الرئيسية التي كانت خيالية مع العلم أني موظف مبتدئ وبدرجة متواضعة وراتبي أقل من المتوسط، لذا لم أجد مخرجاً سوى الاقتراض من البنك حتى لا يقول أهلها بأني فقير ومن أسرة أقل من مستواهم”.
وأِشار الضنحاني إلى أن “ولائم الطعام كلفتني أكثر من 40 ألف درهم، حيث اشترط ذوو زوجتي نوعية الأكل وذبائح العرس التي يجب أن تكون من النوع المحلي غالي الثمن، والذي يصل سعر الرأس منه إلى 500 درهم، إضافة إلى المأكولات الأخرى والمشروبات، حيث كانت موائد الطعام مقامة لمدة أسبوع كامل”. وزاد: وفوق ذلك أصر ذوو زوجتي على أن تقام حفلة العروس في أكبر صالة للأفراح، وأن تكون الكوشة من محل معين في دبي، واضطررت لاستقدام تصوير ديجيتال وشاشة عرض في الصالة، إضافة إلى أضواء الليزر وفستان الفرح (..)، وبطاقات الدعوة التي يجب أن تكون بحسب تعبيرهم “ستايل” ولا تقل عن خمسة عشر ألف درهم”.
زواج مع وقف التنفيذ
وقال الشاب جاسم أحمد (29 عاما): “عقدت قراني منذ سنتين وما زالت عازباً، لعدم تمكني من جمع مبلغ مناسب يلبي متطلبات حفل الزواج، حيث اشترط علي والدا العروس أن أقيم حفلاً ذا مواصفات خاصة لابنتهما، ويجب أن يكون في أكبر القاعات أو في أحد الفنادق، ولا يقل مستوى الأكل عن خمس نجوم، ولم أستطع الاستدانة من البنك بسبب قرض سابق متراكم علي بسبب أعمال صيانة في منزل والدي”.
وقال عبدالله الحمادي (28 عاماً): “لقد عقدت قراني قبل شهرين تقريباً، وأنا مقبل على حفل الزفاف، إلا أن المهر وشبكة الخطوبة، وعقد القران كلفتني أكثر من 90 ألف درهم، وما بقي أعظم”.وعن الدوافع التي أجبرته على هذا الأمر، قال الحمادي: “لقد ظهرت عادات غريبة في مجتمعنا لم تكن موجودة سابقاً، ولم ينص عليها ديننا الإسلامي”، مستدركاً أن شباب اليوم لا مفر أمامهم من المغالاة في الزفاف، كونه أصبح عرفاً عاماً، وليس هناك شخص يرضى أن يشذ عن القاعدة، كما أن أهل الزوجة لن يقبلوا أن يكون زفاف ابنتهم أقل من نظيراتها أو شقيقاتها.
الشباب ضحية
ورأى راشد النقبي (26 عاما) أن “الشاب هو الضحية لطلبات العروس وأسرتها، حيث لا يجد مفراً من الاقتراض من البنك، لأن معظم شباب المنطقة ليس لهم أي دخل مالي غير الراتب، متسائلاً: كيف للشاب أن يدفع ربع مليون درهم ليتزوج؟”.
وتابع النقبي: “أنا متزوج منذ عام، وأدفع شهرياً من راتبي 4400 درهم للبنك بسبب قرض الزواج، حيث استدنت 280 ألف درهم، وصرفتها في العرس خلال أسبوع إضافة لمنحة صندوق الزواج”.
أما سعود محمد، فقال بحسرة: “من رأى الزينة والإضاءة في حفل زفافي يظن أن العريس نجل ملياردير، لأن الأضواء غطت منزلنا ومنزل العروس والشارع بأكمله، وقد كنت أترجى والدة زوجتي أن توافق على إقامة حفل الزواج في خيمة نستأجرها، ولكنها أصرت على أن يكون الحفل في أكبر فندق خمس نجوم، ولم تراع وضعي المالي، وقالت إن ابنتي ليست أقل من الناس، رغم أن زوجتي كانت مقتنعة بحفل بسيط إلا أن إصرار والدتها أجبرني على الاستدانة”.
ألف ليلة وليلة
وقالت أم راشد (29 عاماً) “إن الفتاة في مجتمعنا تنطبق عليها مقولة (إن الفتاة لا تريد شيئاً من الدنيا إلا الزوج، فإذا حضر الزوج طلبت منه كل ما تريد من الدنيا)”. وتابعت: “مشكلة الفتيات في مجتمعنا أنهن يحاولن أن يجعلن ليلة الزفاف، ليلة من ألف ليلة وليلة، وهذا أمر صعب جداً، لأن الإنسان يجب أن يعيش الواقع، والفتاة يجب أن تحدد مواصفات هذه الليلة حسب إمكانيات زوجها وقدراته المالية، وليس حسب أحلامها”.
وأردفت: “للأسف أعرف بعض الفتيات تكون كوشتها بـ30 ألف درهم والأخرى تشتري فستان زفاف بـ 80 ألفاً، وأخرى تدفع 15 ألفاً ثمناً لألبوم صور الزفاف، فهذا شيء مبالغ فيه جداً، خصوصاً أن معظم الشباب ليس لهم دخل سوى الراتب”.
طبيعي وغير مستهجن
إلا أن بعض الفتيات وأهلهن يرون أن البذخ في حفلات الزفاف يضفي قيمة اجتماعية على الزوجين وذويهما، فضلاً عن أن معظم الشباب في الدولة مقتدرون على تحمل هذه التكاليف.
واعتبرت علياء سيف أن البذخ في حفلات الزفاف طبيعي وليس مستهجناً، وقالت: “أنا فتاة غير مرتبطة للآن، وعندما أتزوج حتماً سأجعل من ليلة زفافي ليلة يتحدث عنها الجميع، لأنها ليلة واحدة في عمر الفتاة، ويجب على الشاب الذي يرغب بالزواج أن يكون مستعداً جيداً لها، لأن الكثير من الشباب يبدأ بالعبث والتبذير منذ أن يعمل، ويقتني أغلى السيارات بمئات الآلاف، وعند الزواج يقول أنا لا أملك شيئاً وأنا أعيش على الراتب فقط”.
حملة توعية
من جهتها، قالت حبيبة الحوسني مدير عام صندوق الزواج إن مؤسسة صندوق الزواج تعمل على إقامة الندوات والبرامج التوعوية الخاصة بتخفيض تكاليف الزواج لجميع فئات المجتمع، كما تعمل على إطلاق الحملات التوعوية التي تحث على هذا الموضوع.
وقالت الحوسني إن الصندوق ينظم حملة موجهة لأولياء الأمور خلال العام الجاري تتركز حول تكاليف الزواج، لأن هذه الشريحة لها دور كبير في متطلبات الزواج وتكاليفه، إلى جانب أن المؤسسة تقدم المنحة المالية وهي من الحلول الإيجابية الراقية لتحفيز الشباب على الزواج من مواطنات.وتحمل الحملة الإعلامية عنوان (تكاليف الزواج ما لها وما عليها) وتهدف إلى زيادة الوعي لدى أولياء الأمور والشباب المواطنين لتغيير العادات السلبية والدخيلة على الموروث الثقافي، والمتعلقة بتكاليف الزواج، ونشر ثقافة تيسير أمور الزواج ونبذ العادات والثقافات السلبية لمواجهة زيادة تكاليف الزواج، وربطه بالدين والوطن والعمل على استثمار الأموال في أمور تعود بالنفع على الزوجين بشكل خاص وعلى الأسرة بشكل عام.
وبينت الحوسني أن تبني مؤسسة صندوق الزواج لفكرة الأعراس الجماعية جاءت من منطلق التخفيف من أعباء تكاليف الزواج، مشيرة إلى أن عدد المستفيدين من الأعراس الجماعية التي نظمها الصندوق خلال عام 2012 بلغ 335 مواطناً، من خلال ثمانية أعراس جماعية أقيمت في أرجاء مختلفة في الدولة.
وبلغ عدد المستفيدين من منح صندوق الزواج للعام الماضي لجميع الدفعات المقدمة 2851 مستفيداً، بمبلغ إجمالي بلغ 170 مليوناً و170 ألف درهم، حيث تم تقديم منحة الزواج ضمن شروط وضوابط معينة، تتعلق بعمر الزوج والزوجة والدخل الشهري.
وحرصت المؤسسة على زيادة سقف الدخل الشهري للمستفيد في نهاية العام الماضي إلى 20 ألف درهم بدلاً من 19 ألف درهم، بهدف زيادة قاعدة المستفيدين من منحة الزواج. ويقدم الصندوق منحة مالية مقدارها 70 ألف درهم تُعطى على دفعتين الدفعة الأولى 40 ألف درهم عند عقد القِران والثانية 30 ألف درهم تُمنح بعد الدخول. كما قامت المؤسسة في هذا العام بتبني إلزامية حضور الفتيات لبرنامج “إعداد”، بهدف تمكينهن من بناء أسر مستقرة وآمنة.
ندوات تثقيفية
أقامت المؤسسة الندوات والمنتديات الحوارية التي تهتم بالمجال التثقيفي والتوعوي للشباب المستهدف من خلال عقد هذه الندوات التي تنمي لدى الشباب روح المشاركة والتجاوب وإبداء الرأي والمبادرة في تثقيف الذات، بهدف نشر الثقافة الأسرية بين الشباب وبما يحقق التوازن والاستقرار الأسري.
وأشارت حبيبة الحوسني إلى نتائج دراسة كشفت أن نسبة وعي الشباب بقواعد تكوين الأسرة السليمة لدى المستفيدين من منحة الصندوق بلغت ما يقارب 73%، وتؤكد هذه النسبة مدى تأثير الجهود التي تبذلها الجهات الاجتماعية لتثقيف الشباب وتزويدهم بالمعارف الحياتية، ومن ضمنها موضوع تكاليف الزواج والعادات السلبية الدخيلة على مجتمع الإمارات والتي تقع نتائجها على عاتق الزوجين بعد الانتهاء من مراسم الزواج.


عالم اجتماع: المبالغة في تكلفة حفلات الزفاف سببها مركب نقص
أكد الدكتور موسى الشلال أستاذ علم الاجتماع في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة الإمارات أن انتشار ظاهرة ارتفاع تكاليف الزواج وما يصاحبها من بذخ وإسراف هو سلوك غير مرغوب به في أي مجتمع، لما له من مردودات سلبية، أهمها زيادة عدد الشباب العازفين عن الزواج، فيؤدي ذلك حتماً إلى زيادة نسبة العنوسة في المجتمع. كما تصاحب عزوف الشباب عن الزواج انحرافات سلوكية غير مرغوب فيها، تنتج عن الغريزة البشرية واحتياجها لممارسة الجنس، وفي حال ممارسة هذه السلوكيات المنحرفة يؤدي ذلك إلى مشكلات مجتمعية خطيرة، مثل زيادة أعداد الأطفال اللقطاء، خصوصاً في ظل سهولة التواصل بين الجنسين بعيدا عن مراقبة الأسرة عبر وسائل الاتصال الحديثة مثل الهواتف المتحركة والإنترنت. وأضاف الدكتور الشلال: “كما أن هذا الإسراف المادي في غير محله يؤدي حتماً إلى مشكلات اقتصادية واجتماعية في المجتمع، لأنه من الممكن أن تستغل هذه الأموال في أمور أخرى أكثر أهمية وأكثر نفعاً، وخصوصاً مع أولئك الشباب ذوي المقدرات المالية المحدودة، والذين يقيمون مظاهر فرح ضخمة لا تتماشى مع قدراتهم المالية، ما يضطرهم إلى الاستدانة من البنوك والدخول في نفق الديون، الذي يعود بآثار سلبية على الأسرة وقد يؤدي إلى تفككها، وذلك لعدم استطاعة الأب تلبية احتياجات الأسرة.
وأكد الشلال أن المبالغة في إقامة حفلات الزواج ليس لها أي مردود إيجابي يذكر، وإنما من يقوم بهذا السلوك وهو غير قادر مادياً، إنما يعوض عقدة نقص بداخله، عبر الظهور بصورة غير حقيقية له أمام المجتمع، وهو ما يطلق عليه في علم النفس (مركب نقص). وعن الحلول المتاحة للتصدي لهذه الظاهرة، قال: “تقوم الدولة بدورها عبر صندوق الزواج الذي يدعم المقبلين على الزواج، كما أن العرس الجماعي من أنجح الحلول المجتمعية لهذه الظاهرة، وذلك لما يصاحبه من انخفاض التكاليف إلى أدنى مستوى، إضافة إلى أن التغطية الإعلامية للحدث غالباً ما ترضي طموح الزوجين بأن يكونا مشاركين في حدث اجتماعي مهم”.

اقرأ أيضا

مجلس حكماء المسلمين يوثق أعمال «المؤتمر العالمي للأخوة الإنسانية»