الاتحاد

ثقافة

كلام «قوة الشِعر»

محمد المزروعي

محمد المزروعي

على شاطئ بحر أبوظبي، كنت أستكمل قراءة كتاب «قوة الشعر»، للشاعر والناقد الإنجليزي «جايمس فنتن»، نظر صديق إلى العنوان قائلاً: أما يزال هناك شيء اسمه «شِعر»، ألن ينتهي أو يتطور إلى أي تصور آخر غيره، فقلت: لا، إنما سيخضع دائماً إلى استطرادات شكلية، طبقاً لوظيفته التوليدية للغة. فَرَد مُصّرا: بل سينتهي هو وغيره، وهذه هي عادة هذا الصديق تجاه أي شيء، فهو مؤمن إيماناً مُطْلقاً – ومن خلال أزمنة سحيقة قادمة - بأن تحولات الموجودات في الكون آيلة لا محالة إلى تغير في الشكل والوظيفة، بما فيها تحول مغزى وصيغ الوجود الإنساني نفسه، مما يعني أن ما سيُنتج مع الوقت سيكون هو الآخر إلى مآل زائل، وستظهر أحوال وموجودات جديدة كلياً، وهكذا لن تنتهي هذه السلسلة.
ومع الإعجاب بهذه الفكرة، بالنظر إلى الأزمنة السحيقة في القدِم، ومن خلال اكتشافات الهياكل العظمية للديناصورات، ليس علينا إلا أن نُسَّلِم بها، تاركين الأمر للمستقبل. لكنني حاولت تفسير طبيعة اللغة مُرتبطةً بالشِعر، فحتى لو تغيرت لغتنا المتعارف عليها، وتم إنتاج لغة بمواصفات نُطْقٍ آخرى، أو حتى تحولها لوَضعٍ إشاري، أو صامت مُعتمدةً الاتصال عن طريق المخ بمجرد النظر، أو بَث الأفكار من خلال قنوات فائقة القدرة على الإيصال. فإن الِشعر سيظل وسيلة تعبيرية لا غنى عنها. فنظراً لطبيعة تكوين المادة في الوجود من حولنا، مهما اختلفت تحولاتها ظاهراً ومضموناً، يكون الشِعر حاجة مُلحة للتعايش مع الرغبة التوليدية لـ «إبدال حاجة بإزاحة حاجة أخرى»، فهذا القانون هو أحد أهم المُدركات اللغوية لشعرية اللغة، والتي يعمل عليها الشعر، لخلق حقول وظيفية جديدة للمفردة، وتكوين صور على أساسٍ مانحٍ للتمتع والتلذذ بها، وبجسدنا وروحنا، بل وبميتافيزيقيتنا الخالدة في مجرات الكون اللانهائية. إن ارتباط اللغة كعامل لا نهائي من التوليدات وتجدد المفاهيم، بل واختلاقها واخترعاها للحظات شعورية مختلفة، نظراً لقاعدة أخرى رئيسة للغة الشعرية، - ألا وهي السلاسل المتواترة وغير النهائية من صراع الباطن مع الظاهر – يُعد في حد ذاته «شِعر الشِعر»، فما البال بالقصيدة على تنوعاتها الأسلوبية، وما البال ب «الشِعرية» كمطمح للسرد، وللتعبير عن النفس، ومحاولة إيصال ذواتنا إلى الالتذاذ بمنتهاها مع كل آخر مهما كانت طبيعته.

eachpattern@hotmail.com

اقرأ أيضا

باريس يستعيد عوالم «تولوز»