الاتحاد

تقارير

غضب ضد «الإخوان»... يجتاح الدلتا والقناة

كريستن تشيك
المنصورة - مصر


تحمل هذه المدينة الواقعة وسط منطقة دلتا النيل المصرية آثار احتجاجات تحولت إلى اشتباكات مع الشرطة، حيث تنتشر الحجارة والزجاج المكسور وبقايا الإطارات المحروقة عبر الشارع. كما أن رائحة الغازات المسيلة للدموع مازالت عالقة في الهواء، والأولاد يتسابقون على جمع علب الغازات المسيلة للدموع الفارغة والتي كتب عليها «صنع في الولايات المتحدة».
مثل هذا المشهد أضحى مألوفاً في العاصمة المصرية القاهرة خلال العامين الأخيرين منذ أن أدت انتفاضة شعبية إلى خلع الرئيس السابق مبارك. لكن الاضطرابات أخذت تمتد الآن إلى مدن قناة السويس ومنطقة دلتا النيل الخصبة شمال القاهرة.
ولئن كانت السلطات كثيراً ما وصفت الاحتجاجات في القاهرة باعتبارها أعمالا معزولة من صنع نخب فقدت التواصل مع القواعد الشعبية أو من عمل «البلطجية»، فإن المظاهرات في المدن عبر القلب الصناعي للبلاد تشير إلى غضب أكبر قد ينذر بمتاعب مقبلة لمحمد مرسي الذي انتخب رئيساً العام الماضي وبات يشكل هدفاً للاحتجاجات خلال الأشهر الأخيرة. ففي المنصورة، وهي من مدن دلتا النيل ويبلغ عدد سكانها نحو 500 ألف نسمة، يتهم المحتجون أعضاء «الإخوان المسلمين» بمهاجمتهم إلى جانب الشرطة، ويتهمون مرسي باستعمال الشرطة كأداة للقمع، تماماً كما كان يفعل سلفه مبارك. وقد ازداد غضبهم ليلة الجمعة من الأسبوع الماضي بعد أن قُتل رجل من سكان المدينة عندما دعسته مركبة للشرطة.
ويشعر النشطاء بالغضب بشكل خاص لأن «الإخوان»، الذين كانوا جماعة محظورة ومقموعة في عهد مبارك، باتوا يعملون الآن إلى جانب قوة الشرطة نفسها التي كانت تقوم باعتقالهم ولم تخضع لأي إصلاح حقيقي منذ ثورة 25 يناير.
وقال الناشط إبراهيم فضلوم، يوم السبت الماضي، بينما كان يردد حشدٌ هتافات ضد الرئيس خلال جنازة الرجل: «إن شرعية مرسي سقطت». وكان حشد من الناس قد تجمعوا خارج مسجد كبير بينما حُمل جثمان الرجل الملفوف بالعلم إلى المقبرة ليوارى الثرى. وقال فضلوم: «إن مرسي يريد أخونة البلاد بأكملها»، مضيفاً: «لكننا لا نعترف به كرئيس ونطالب بتنحيه. بل ينبغي أن يحاكم تماماً على غرار مبارك، لأنه قتل الأشخاص الذين صوتوا له».
غير أن مدن قناة السويس عرفت اضطرابات أكثر شدة وخطورة، حيث اشتبكت قوات الأمن مع المحتجين لليوم الثالث يوم الثلاثاء في بور سعيد. وكانت هذه المدينة قد شهدت موجات متتالية من الاحتجاجات منذ أن حكمت محكمة على 21 من سكان المدينة بالإعدام في يناير الماضي. وقد خرجت المدينة بشكل عام عن سيطرة الشرطة منذ أكثر من شهر، بينما يتولى الجيش حماية مباني الدولة ومؤسساتها. وأفاد شهود هناك بأن الجيش والشرطة اشتبكا خلال الأيام الأخيرة، وهو تصعيد كبير للوضع؛ ذلك أن الاشتباكات سابقاً كانت بين السكان والشرطة فقط. ويوم الأحد الماضي قُتل خمسة أشخاص، بينهم شرطيان.
احتجاجات المنصورة بدأت قبل أكثر من أسبوع، جزئياً من أجل التضامن مع بور سعيد، وجزئياً بسبب الغضب مما يقول المحتجون إنها محاولة من مرسي للسيطرة على مؤسسات الدولة، بدلا من تطبيق الإصلاحات الموعودة. وقد بدأ السكان الاحتجاجات في مبنى حكومي محلي، آملين في إقناع الموظفين بالمغادرة والإضراب عن العمل.
لكن منتقديهم يقولون إنهم حاولوا إرغام الموظفين الحكوميين على الانضمام إلى الإضراب عبر إغلاق طرق الوصول إلى المبنى. هذا في حين يقول المحتجون إن «ميليشيات» الإخوان المسلمين هاجمتهم بالحجارة والهراوات خارج المبنى الحكومي، على نحو يشبه ما قاموا به في القاهرة في ديسمبر، عندما قام بعض الأعضاء بمهاجمة مظاهرة أمام قصر الاتحادية على ما يفترض.
وقال عدد من الشهود إنهم ميزوا أعضاءً في «الإخوان» من بين الأشخاص الذين هاجموا المظاهرة أو كانوا يوجهون الهجمات، بينما يقول آخرون إن المهاجمين أعضاء في «الإخوان» نظراً لمظهرهم. لكن أي طرف لم يقدم دليلا على اتهاماته.
وفي هذا الإطار، يقول محمد طاهر، الصحفي بجريدة «الوفد» في المنصورة، إنه كان يلتقط صوراً ويصور مقاطع فيديو للمظاهرة يوم الاثنين عندما رأى زعماء محليين في «الإخوان» يوجهون حشداً من الرجال لمهاجمة المظاهرة. وقال إن بعضهم هاجموه وأخذوا منه كاميراته. ويضع طاهر ذراعه المكسورة بسبب الهجوم في جبيرة من الجبس.
الاستعمال المفرط للقوة من قبل شرطة المنصورة زاد من تظلمات السكان وأجج الاضطرابات أكثر، في ما بات نسقاً مألوفاً في مصر هذه الأيام. وموت حسام الدين عبدالله عبدالعزيز خاطر، الرجل الذي دعسته الشرطة وقتلته في المنصورة، لم يكن استثناءً حيث جذب تشييع جثمانه من المستشفى إلى المقبرة يوم السبت الماضي حشداً كبيراً هائجاً.
وكان خاطر يعمل في مصنع مجاور حيث كان يجني نحو 22 دولاراً في اليوم، وكان يكافح من أجل ضمان قوت عائلته، ولم يكن يشارك في أي مظاهرات، بل كان يشتري الخبز بالقرب من الموقع الذي قتل فيه، كما يقول عمه عاطف إبراهيم، والذي أضاف بعد أن طلب من رجال واقفين حوله إحضار لوح خشبي ليحملوا عليه الجثمان: «كان رجلا مكداً ويعمل بجد. لكنه في نظر السلطة مجرد بلطجي. فأي شخص يطلق عليه النار هو بلطجي في نظر الحكومة».
ويذكر هنا أن الحكومة كثيراً ما تتهم «بلطجية» مأجورين بالتسلل إلى الاحتجاجات أو القيام بها. ويقول إبراهيم عن نظام الحكم الحالي: «هذا يكفي!»، مضيفاً: «لقد فشل فشلا ذريعاً. وإذا أكمل ولايته، فسيقتلنا جميعاً. فهل هذا جزء من مشروع النهضة؟»، في إشارة إلى برنامج مرسي السياسي الذي وعد بتنمية مصر.
تفرق الحشد بينما خرجت زوجة خاطر من المشرحة متكئة على بعض الأقارب وهي تبكي وتنتحب. وحمل أحدهم ابنته البالغة عاماً ونصف العام، بشعرها المجدول ووجها المبلل بالدموع.
وفي مكتب «الإخوان المسلمين» بالمنصورة، لا يوجد خارج المبنى ما يدل على وجود المكتب. ويقول رجل من أعضاء الجماعة: «في كل مرة نعلق لافتة، يقومون بتمزيقها».
المتحدث باسم «الإخوان» في المدينة، صبحي عطية، ينفي أن يكون أعضاء الجماعة هاجموا المتظاهرين، ويقول إن أغلبية سكان المنصورة يرفضون الاحتجاجات لأنها تضر بالاقتصاد، مضيفاً أنه عندما حاول المحتجون إغلاق مبنى حكومي باستعمال القوة، حاول مواطنون عاديون منعهم.
عطية يصور المحتجين على أنهم جزء من استراتيجية أوسع تروم تخريب رئاسة مرسي، ويعتقد أن صفوف المحتجين كانت تضم «بلطجية» مأجورين وأعضاء من النظام القديم. كما حمَّل مسؤولية العنف للمعارضة، ودافع عن الشرطة قائلا إنها اكتفت بالرد على المظاهرات العنيفة بالغازات المسيلة للدموع، وليس الرصاص، وإن العديد من أفرادها تعرضوا لإصابات، وإن مركبة الشرطة صدمت خاطر عن طريق الخطأ.
وبينما أرخى الظلام سدوله على المنصورة يوم السبت الماضي، اندلعت اشتباكات مع الشرطة من جديد؛ حيث قام شبان محتجون بإلقاء الزجاجات الحارقة على المبنى الذي كانت تتواجد فيه الشرطة، على الجانب الآخر من الشارع حيث مقر «التيار الشعبي»، وهي حركة معارضة أسسها المرشح الرئاسي السابق حمدين صباحي. ثم قامت الشرطة بالرد على ذلك بالغازات المسيلة للدموع. وكان مقر «التيار الشعبي» يعج بالحركة في وقت كان يدخله العشرات من الشباب ويخرجون منه. وكانت رائحة الغازات المسيلة للدموع عالقة بقوة في الهواء.
وبينما كان صوت إطلاق الشرطة لعبوات الغازات المسيلة للدموع في الخارج يسمع، جلس زعيم الحركة في المدينة، عبد المجيد راشد، إلى مكتب بال وراح يشرح تظلمات المحتجين. وقال إن خطوات مرسي الرامية لفرض السيطرة على مؤسسات الحكومة وتجاهل مطالب الانتفاضة جعلت الناس ينقلبون عليه.
ويشدد راشد على أن المشاركة الآن في نظام سياسي يهيمن عليه «الإخوان المسلمون» لن تحقق التغييرات التي ينشدها الشعب. وقال: «ليس هناك حل آخر غير الشارع، لأنهم أغلقوا كل الحلول السياسية!».

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا