تقارير

الاتحاد

عودة الشرطة... بداية استقرار الشارع المصري

استجابة للمخاوف الشعبية المتنامية لدى الرأي العام من انعدام القانون وانتشار العنف الطائفي حث القادة السياسيون في مصر يوم الخميس الماضي جهاز الشرطة على العودة بأسرع ما يمكن إلى شوارع القاهرة، محذرين من أن غياب الشرطة وتخليها عن القيام بمهامها في حفظ الأمن يهدد الديمقراطية الوليدة في البلاد.
لكن الشرطة التي اقترنت غالباً في أذهان المصريين بالفساد وسوء استخدام السلطة اختفت تماماً عن الساحة في الفترة الأخيرة ولم يعد لها وجود ملموس لدى المواطنين ما عدا شرطة المرور التي نزلت إلى الشوارع لتنظيم السير.
وفيما فضل بعض ضباط الشرطة التواري عن الأنظار خوفاً من انتقام محتمل للأهالي ومن ردود فعل سلبية من المواطنين الذين عانوا الأمرين من تغول جهاز الشرطة، فإن البعض الآخر يمثل حالياً أمام المحاكم بسبب الانتهاكات التي مورست في السابق. هذا في الوقت الذي فضل فيه البعض الآخر من رجال وضباط الشرطة الانتظار في بيوتهم حتى يتبينوا الأمر، والمشكلة أن غياب الشرطة عن مدينة مثل القاهرة يصل تعداد سكانها إلى حوالي 18 مليون نسمة أدى إلى تصاعد مقلق في عمليات الاختطاف والسرقة والنهب والهجمات المسلحة، لا سيما في الأيام الأخيرة.
ومع أن المواطنين يرحبون بعودة الشرطة والمحققين الذين يتولون أموراً خدمية بالأساس، وهو ما بدأ بالفعل بعد رجوع كوادر أمنية إلى ممارسة عملها يوم الخميس الماضي، يبقى السؤال الشائك حول الشرطة السرية والأمن الداخلي التي كان يعتمد عليها نظام مبارك لإخماد الاضطرابات الاجتماعية وتأبيد حكمه.
وفي محاولة لإصلاح جهاز الشرطة تعهد وزير الداخلية الجديد، منصور العيسوي، يوم الخميس الماضي بأنه سيتم إعادة هيكلة وتأهيل أمن الدولة الذي يستاء منه معظم المصريين بسبب ارتباطه بممارسة التعذيب وقتل المواطنين.
وفي هذا الإطار نقلت وسائل الإعلام عن وزير الداخلية قوله "لقد تحدثت عن الحاجة إلى تقليص دور جهاز أمن الدولة ليركز أكثر على محاربة الإرهاب"، واصفاً مجمل أجهزة الأمن الداخلي للدولة بأنها في "إجازة"، وفي نفس الإطار أعلن رئيس الحكومة، عصام شرف، في صفحته على الفيسبوك يوم الأربعاء الماضي أن وزارته ستعمل على صياغة تشريعات جديدة تسرع من عودة الشرطة إلى الشارع واضطلاعها بدورها في حماية المواطنين، رغم أن مثل هذا القرار يتعين أولاً المصادقة عليه من قبل المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وجاء في بيان رئيس الحكومة المدنية أنها تعترف "بأهمية الدور الوطني الذي تضطلع به الشرطة في توفير الأمن والحماية للمواطنين، لذا قررت الحكومة التعجيل بعودة الشرطة بكامل قواتها لاستئناف واجبها في حماية الأمة والمواطنين"، وفي لقاء صحفي مع نبيل لوقا بدوي، اللواء السابق في الأمن الذي يدرس حالياً في أكاديمية الشرطة قال إن قوات الأمن محبطة بسبب سمعتها السيئة وعليها اليوم أن تعيد كسب ثقة الشعب، قائلاً: "إن دور الشرطة هو القطع مع الممارسات السابقة بما فيها إذلال الناس"، مضيفاً "نعم هناك من حاد عن الطريق في جهاز الشرطة، ويمكن محاكمتهم، لكن من غير الإنصاف التعامل مع الجهاز بأكمله على أنه فاسد".
وفي غضون ذلك ألقى بعض السياسيين باللوم على عناصر تابعة لنظام مبارك لضلوعهم في تأجيج المواجهات الدامية بين المسيحيين والمسلمين التي أوقعت 13 قتيلاً خلال الأسبوع الجاري، وهو ما حدا بالمسؤولين إلى التعامل بقسوة مع المجرمين وتشديد العقوبات ضدهم وسط تشكك البعض من انتمائهم إلى نظام مبارك، ففي مؤتمر صحفي عقده الأمين العام للجامعة العربية، عمرو موسى، يوم الخميس الماضي أشار إلى وجود أياد خفية وراء الاحتقان الطائفي الذي ظهر مؤخراً والمواجهات التي أعقبته، قائلًا "إن المحاولات الجارية حالياً لإحياء الطائفية بعد الوحدة التي شهدناها بين المسلمين والمسيحيين خلال الثورة تثير العديد من الشكوك حول بعض الأجهزة التي تسعى إلى تعطيل الثورة"، وهو ما أكده أيضاً المسؤول في جماعة الإخوان المسلمين، عصام العريان، في لقاء صحفي عندما أنحى باللائمة على عناصر "موالية لأجهزة المخابرات"، متهماً مجرمين يمولهم بعض عناصر في النظام السابق بالوقوف وراء الهجمات التي تعرض لها المسيحيون ليلة الثلاثاء الماضي وصبيحة الأربعاء، حيث أكد "العريان" أن تلك العناصر "تعمل ضد الثورة"، مشيراً إلى أن جماعته تنأى بنفسها عن الإسلاميين المتطرفين الذين تورطوا في المواجهات الأخيرة والذين يقال إنهم ينتمون إلى التيار السلفي، مؤكداً ذلك بوجود تيارات تحركها أجهزة الشرطة للتحريض على العنف الطائفي وإشاعة الفوضى. ولم يختلف مع هذا الطرح "عمرو عبد المتعال"، المحامي المقيم في القاهرة، الذي اعتبر أن مثل هذه النظرية قائمة قائلا "هناك عناصر لها مصلحة مع النظام السابق، وهم يستخدمون الفزاعة القديمة التي تخير الناس بين الأمن والاستقرار وبين الفوضى، كما يسخرون الخوف لإخضاع الناس والانقلاب على الثورة".

ريتشارد ليبي- القاهرة

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"

اقرأ أيضا