الاتحاد

تقارير

تجربة داتشو... درس للبوسنة

"عندما ينظر المرء إلى ما تستطيع يد وعقل إنسانيان فعله لإنسان آخر، فإن المرء يفقد القدرة على الكلام"، هكذا قال ميرصاد دوراتوفيتش، وهو أحد الناجين من مراكز الاعتقال في البوسنة زمن الحرب هناك، أثناء وقوفه على أرضية نصب تذكاري في داتشو، وهو مركز اعتقال يعود إلى العهد النازي.
دوراتوفيتش، رئيس "برييدور 92"، وهي منظمة لمعتقلين سابقين يناضلون من أجل بناء نصب تذكارية في موقع معسكرات الاعتقال السابقة في البوسنة، وقد كان من بين مجموعة من الناجين الذين زاروا داتشو الشهر الماضي.
وقد أتاحت هذه الزيارة للناجين البوسنيين فرصة الالتقاء مع ناجين آخرين من معسكرات الاعتقال الألمانية ونشطاء حقوق الإنسان ومناقشة المشاكل التي تتعلق ببناء نصب تذكارية في الأماكن التي كانت في مرحلة ما مسرحاً لمعاناة إنسانية جماعية رهيبة.
في عام 1992، وفي معسكرات أومارسكا وكيراتيرم وترنوبوليي الخاضعة لإدارة صرب البوسنة بالقرب من برييدور، كان الآلاف من البوسنيين والكروات محتجزين في ظروف غير إنسانية، وكان الكثير منهم يتعرضون للمعاناة والتعذيب أو القتل.
غير أنه في ما عدا لوحة صغيرة في كيراتيرم، فإن هذه الأماكن غير معلَّمة بأي طريقة، وذلك بسبب مقاومة سلطات صرب البوسنة المحلية. ويقول دوراتوفيتش إن الزيارة إلى داتشو تحيي ذكريات اعتقاله من قبل الصرب.
فقد كان عمره لا يتجاوز السابعة عشرة عندما اعتقل من قبل القوات الصربية في بداية الحرب، واحتجز في أومارسكا وترنوبوليي. كما أن خمسة عشر عضواً من عائلته اختفوا أو قُتلوا دون أي ذنب اقترفوه.
داتشو، الذي يعد أول مخيم اعتقال نازي، إذ أنشئ في عام 1933، كان بمثابة نموذج لمعسكرات الإبادة اللاحقة.
وقد كان أكثر من 200 ألف سجين من 30 بلداً معتقلين هناك خلال الحرب، 30 ألفاً منهم على الأقل قُتلوا أو ماتوا جراء الأمراض التي أصيبوا بها هناك وبقوا من دون علاج. هذا في حين ماتت آلاف إضافية أخرى خلال ما يسمى بمسيرة الموت في أبريل 1945، عندما قام النازيون بإخلاء المعسكر.
وبإمكان الزوار اليوم أن يروا في الموقع لوحة كتب عليها: "لن يحدث ذلك مرة أخرى".
غير أن إدين راموليتش قال خلال هذه الزيارة: "إنهم يقولون لن يحدث ذلك مرة أخرى، ومع ذلك فإن الشيء نفسه حدث في بلدنا وفي أماكن أخرى عبر العالم".
إيكهارد كنوبلوتش، الذي يعتبر أحد القوى المحركة وراء حملة من أجل تذكر الأشخاص الذين قُتلوا خلال حرب البوسنة، قال إن النصب التذكارية وحدها لن تساعد الناس على مواجهة ماضيهم، مشيراً إلى أنه في 1989 فقط "بدأ الناس الذين نجوا من فظاعات داتشو يعودون إلى هذا المكان.
وعلى الرغم من أنه كان من المؤلم بالنسبة لهم أن يتحدثوا حول تجاربهم في معسكرات الاعتقال، إلا أن قصصهم جعلت هذه اللحظات تصبح أكثر من مجرد كتل إسمنتية. حينها فقط اكتسب هذا المكان روحا".
ومن جانبها، توافق المديرة السابقة للنصب التذكاري في داتشو، باربرا ديستل، على أن اللقاءات مع الناجين تعد تذكيراً مهماً بجرائم الماضي، ولاسيما بالنسبة للشباب الذين عليهم العمل ما وسعهم ذلك من أجل تجنيب مجتمعاتهم خوض تجارب مماثلة.
أما إيرفن بلازيفتش، وهو عضو من جمعية "أوبتميستي" البوسنية، فقد لفت الأنظار إلى أن إنشاء نصب تذكاري في يوغسلافيا السابقة يواجه تحديات مختلفة جداً عن تلك التي كانت موجودة في ألمانيا ما بعد الحرب، إذ يقول بهذا الخصوص: "في البوسنة لم يكن ثمة جانب منهزم... وذاك هو السبب الرئيسي وراء الصعوبة الظاهرة في تعليم وتمييز الأماكن التي ارتكبت فيها جرائم حرب على نطاق واسع.
والعادة دائماً، فإن المنتصر هو الذي يحدد الشروط والقواعد، وهو الذي لديه القوة لفرض نصب تذكارية في أراضي الجانب المنهزم في الحرب؛ لكن في البوسنة ليس لدينا مثل هذا الوضع الذي تتفاوت فيه إطراف القوة إلى الحد الذي يسمح لأحدها بفرض إرادته على الطرف الآخر".
والجدير بالذكر في هذا السياق أن اتفاقية دايتون للسلام، والتي تمت برعاية أميركية، أنهت حرب البوسنة في عام 1995، فأوقفت أعمال العنف، لكنها قسمت البلد إلى قسمين؛ جمهورية صرب البوسنة والاتحاد البوسني الكرواتي. وتقوم السلطات في كلا الكيانين بإنشاء نصب تذكارية للضحايا الذين ليسوا من أبناء المجموعة الإثنية التي تنتمي إليها.
هذا وقد قدمت الزيارة للبوسنيين فكرة حول الوقت اللازم لإنشاء نصب تذكاري مناسب؛ حيث احتاج الألمان إلى 20 عاماً لإنشاء نصب.
وفي هذا الإطار، يقول نيكولاس مول، وهو مؤرخ في مركز مالرو سراييفو وأحد المنظمين للزيارة إلى داتشو، "إن العديد من سكان داتشو لديهم مشكلة مع حقيقة أن معسكر اعتقال سابق يوجد في حيهم"، مضيفاً: "إنه تذكير مستمر لهم بالفظاعات التي كانت تحدث وراء هذه الأسوار على مدى 12 عاماً وبأن المدينة وسكانها لم يفعلوا أي شيء لوقف ذلك".

أجدين كمبر - ألمانيا

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "إم سي تي إنترناشيونال"

اقرأ أيضا