الاتحاد

تقارير

سباق الشعوب: دروس من تونس ومصر

على مدى شهرين ونصف تزايد الاهتمام بشكل كبير وواضح بالتحولات التي تعرفها المنطقة العربية. وتعددت الآراء والاستنتاجات حول هذه الظاهرة في ظل عالم يشهد تطوراً عميقاً ومتسارعاً، وطرح العديد من التساؤلات حول ما إذا كانت الدول العربية كلها معنية بهذا التحول. ولا أود تفويت هذه الفرصة لإبداء الرأي فيما يحصل حولنا ولاستخلاص الدروس من التجربتين الرائدتين. فلا أحد يختلف حول كون العالم العربي، ومنذ زمن بعيد، يمر بفترة عصيبة تتزامن المصالح الأجنبية المتزايدة فيها مع انهيار الإرادة المستقلة ووجود الفساد والظلم الداخلي. لقد توهم بعض الحكام العرب أنهم يؤدون خدمات جليلة للقوى الأجنبية المهيمنة، والتي بدورها عليها أن توفر لهم الغطاء والدعم، أما الشعوب فقوانين الطوارئ والإرهاب والدساتير التأليهية كفيلة بترويضهم.
وهذا الشعب الذي أبعد واستبعد وقف ينظر صامتاً ومتأملاً إلى حكومات شكلية لا تحكم، وبرلمانات مزورة لا تراقب، وقضاء منقوص لا يعدل... ينظر إلى هذا المشهد وهو يدرك أن السلطة والثروة متمركزة في أيدي نخبة تتحرك حولها مجموعات من رجال الأعمال. ويتفرع عن هذه الدائرة الضيقة، أعيان وإقطاعيون وأقلام مأجورة وكبار رجال الأمن والمخابرات، وأسماء حزبية... اُنظر إلى الثروة ومن يستحوذ عليها تتعرف سريعاً على النظام السياسي السائد، فالثروة هي غاية استبداد الطاغية. والشيء الوحيد الذي لا يستوعبه الدكتاتوريون هو صمت الشعب، فالشعب على حد قول ديكارت عندما يصمت فهذا يعني أنه يستجمع عناصر حركته، فصمت الشعوب صمت مخادع.
لقد أثبتت الثورتان، التونسية والمصرية، أن هذه الشعوب كانت تغلي فوق صفيح ساخن وتعيش مرحلة ما قبل العاصفة، العاصفة التي دمرت سفينة القبطانين، وهناك سفن عربية أخرى تبدو كبيرة ومتعالية، لكنها تسير بمحركات إما انتهت صلاحيتها أو تدور في هياكل غير مزيتة. وسياسة الدول كملاحة السفن؛ تحتاج إلى قبطان محنك له تجربة غنية في فن الملاحة، لكن السفينة تحتاج هي الأخرى ليس فقط إلى محرك قوي بل إلى قدر كبير من الانتظام من ناحية تزييت وتشحيم المحركات.
ومع غرق كل سفينة تلوح لنا في الأفق سفينة جديدة تشق طريقها بثبات. ورغم أنها مصنوعة على عجل وتتقاذفها الأمواج، لكن الشيء المؤكد أنها لن تغرق وسوف ترسو على الشاطئ في النهاية.
وليس هناك شعب عربي يرضى على نفسه أن يكون آخر من التحق بأسطول الحرية.
ولكي تتمكن الشعوب العربية من كسب السباق، عليها أن تستخلص الدروس والعبر من ثورتي تونس ومصر، وقد ارتأينا أن نقدمها كالأتي:
الدرس الأول: عندما خرجت الناس في تونس ومصر إلى الشارع كان لديهم إحساس عميق بأن كرامتهم وحريتهم لم تحترم قط. ولم يكونوا متأكدين من أن انتفاضتهم سوف تحدث كل هذا التغيير. لكنهم أصبحوا الآن على يقين بأن الأوضاع التي كانوا مذعنين لها أصبحت من الماضي. والدرس الذي يجب أن يستوعبه الكثيرون حالياً هو أن الشعوب لا تريد إلا الحرية والديمقراطية التي تستدعي أن نترك الفرد يردد بطلاقة ومن دون وصاية وتوجيه: أنا أفكر إذن أنا موجود، لا أن نحجر عليه ونلزمه بالتخلي عن حريته الفردية ليهتف للزعيم مطيعاً.
الدرس الثاني: ما يلفت الانتباه في الاحتجاجات الأخيرة التي عرفتها كل من تونس ومصر، هو دور الشارع العربي في صنع التغيير. فهو بكل المقاييس قوة حقيقية. والسؤال حول المفهوم الجديد للشارع العربي يتحدد من خلال فهم كيف تم هذا التغيير وما هي الوسائل الجديدة المتبعة؟ فالشارع العربي أصبح قوة تعبر عن إرادتها ولا أحد يدعي أنه يمثله، فهو ليس ملكاً لأحد أو فئة بعينها. فالشارع يرفض جل الأنظمة الحاكمة وجل الأحزاب القائمة أياً كان لونها، وهذا ما شاهدناه في تونس ومصر. فهذا الشارع الذي وقف وهو يتلقى لكمات الحكومات الاستبدادية، ولغط الأحزاب، قال كلمته وأظهر قوته، وإن كان لم يستخدم بعد كل عضلاته. فالحركة الاحتجاجية في مصر تتغذى من كل المآسي والظلم الذي أذاقه مبارك لشعبه. ولو كان الأمر محصوراً فقط على "الإخوان" لما تأخر النظام في استخدام قانون الطوارئ وأذرعه الطويلة.
و"الأمن المركزي" الذي اعتبر دائماً خط دفاع أول للسلطة، للبطش بكوادر وقواعد الجماعة. لقد واجه مبارك نوعاً جديداً من المعارضة غير المعتادة، واجه شباباً سئموا من حياة الذل والمهانة وهم يرون الفساد وقد أصبح له عقل يفكر ولسان ينطق.
الدرس الثالث: لم يعد بإمكان الشعوب العربية البقاء هكذا خانعة إلى ما لا نهاية لأنظمة حكم تتعدد أشكالها لكنها تستند إلى شرعية تنتمي إلى أزمنة قديمة. إن ما حدث في تونس سببه الرئيسي تأجيل وتأخير عملية الإصلاح. تونس ومصر من بين الدول العربية التي أدارت ظهرها للعالم. فعملية الإصلاح السياسي فيها ليست فقط مؤجلة بل معطلة، ويحكمها التردد والتناقض والشكلية وانعدام الإرادة الجادة. إن الإصلاح الذي انطلق في جل الدول العربية منذ عقدين من الزمن وعلقت عليه آمال كبيرة لم يسفر عن نتائج حقيقية. ففي بعض الدول العربية تحولت جمهوريات إلى ملكيات، وأصبح متداولاً مصطلح التوريث، وهذا تراجع كبير إلى الوراء. لقد عمدت الأنظمة -سعياً منها لتلميع صورتها أمام العالم- إلى إدخال إصلاحات يكون تأثيرها دائماً لصالح النخب الحاكمة، كما هو الشأن في مصر. وهذه الإصلاحات لا تساهم في بناء المؤسسات الديمقراطية الحقيقية عبر إعادة توزيع السلطة ولكن، في أفضل الحالات، تسعى إلى معالجة ملفات معزولة وإحداث ترميمات على بعض الملفات، كالقضايا المرتبطة بشكل الانتخابات أو تركيبة البرلمان. فالنظام المصري كان دائماً يرفض الحديث عن أية إصلاحات أياً كان نوعها وشكلها، باستثناء الترميمات الشكلية التي أدخلها على الدستور عام 2005 والتي بموجبها أصبح رئيس الجمهورية ينتخب مباشرة ضمن أكثر من مرشح، وليس باستفتاء شكلي. والرسالة هنا يجب أن تصل إلى كل من يهمه الأمر، فتأجيل عملية الإصلاح التي تأخرت كثيراً عن زمنها التاريخي، من شأنه أن يراكم المشاكل التي علينا مواجهتها في يوم من الأيام، ومخطئ من يظن أنه في منأى عن ما يجري من حوله وأن ما حصل في تونس هو شيء معزول ومرتبط بالحالة التونسية.
الدرس الرابع: الحاكم المستبد لا يتمتع بنفسية مستقرة، يقمع ويقسو ليغطي عن عجزه، وقد يلجأ في بعض الأحيان إلى إشاعة الفوضى وتدبير الانفجارات لإيهام الناس أنه وحده القادر على حمايتهم، وفي نفس الوقت يتخذ من هذه الأحداث ذريعة للاستئثار بالحكم والزج بخصومه في السجون. والمستبد لا يعي جيداً أن العالم تحول إلى قرية صغيرة.
الدرس الخامس: إن الرئيسين التونسي والمصري السابقين، لم يفهما شعبيهما إلا ساعات قبل النهاية، لسبب بسيط يتمثل في أن قنوات الاتصال مع شعبهم كانت تتم عبر خدمهم وأصهارهم ومقربيهم. بن علي في خطابه الأخير قبل أن يمتطي الطائرة تاركاً بلاده خلفه، حمّل مسؤولية ما حصل إلى بطانة السوء التي أخفت عنه حقائق الأمور وزودته بمعلومات خاطئة، وكان بذلك يحاول إقناع الشعب بأنه غير مسؤول عن التجاوزات وعن الظلم الذي يتعرض له المواطن العادي بشكل منهجي أمام بوابات وشبابيك الإدارات. إن الحاشية تكذب إذن وتنافق والحاكم لا يعرف، وهذا تبسيط مبالغ فيه للأمور. فكيف لا يعرف وهو من عمم ثقافة الخوف والإرهاب، فأي نقد أو إبداء رأي مخالف أو حتى مجرد تساؤل، هو ذنب لا يغتفر. الحاكم العربي يصور نفسه على أنه مصدر الحكمة وصاحب القرار الصائب، ومن ثم فعلى كل المواطنين أن يوكلوا أمورهم إليه، فهو الذي يفكر بالنيابة عنهم، وهو الذي يقرر مصلحتهم بدلاً عنهم، وهو الوحيد القادر على اتخاذ القرارات الصائبة، وإن تُركت العامة، أي الشعب، لتقرر من دونه فلن يكون بمقدورها فعل أي شيء.
الدرس السادس: أظهرت الأحداث الأخيرة أن الهوة السحيقة بين الحكام وشعوبهم أدت إلى انعدام تام للثقة بينهم. فالشعب في مصر لم يعد يثق في مبارك وحاشيته، رغم الوعود التي قدمها في خطابه الأخير. فهو الذي تعهد في خطابه الأول أمام البرلمان عام 1981 بعد انتخابه رئيساً، بأن يحكم لفترة واحدة، لكنه استمر في الحكم أربع فترات رئاسية والخامسة تنتهي نهاية عام 2011. أما الفترة السادسة فكل الإشارات كانت تعطي الانطباع بأنه كان يريدها لابنه جمال، فيما عرف عند المعارضة بفضيحة التوريث. هذه العملية بدأ الاستعداد لها بمصادرة مجلس الشعب وإحكام سيطرة حزب الرئيس على تركيبته في انتخابات أقل ما يقال عنها إنها مسرحية هزلية.
الدرس السابع: الثورتان معاً واجهتا نظامين من الأنظمة البوليسية التسلطية، مع فارق واحد هو أن النظام المصري كان نظاماً استبدادياً دون أن يكون تنموياً. لذا فقد كانت ثورة مصر تواجه نظاماً يقدم نفسه دائماً على أنه مطيع للغرب، وأن خسارة هذا الحليف يمكن أن تكون لها تداعيات خطيرة على المنطقة برمتها. وهذا مسؤول في السلطة الفلسطينية يتحدث منزعجاً: "إذا رحل النظام في مصر رحلنا جميعاً، ولن يبقى وجود للسلطة الفلسطينية". كان النظام المصري، منذ بداية الاحتجاجات، موضوع تحت المجهر الدولي وخصوصاً الأميركي، فهناك غرفة عمليات في البيت الأبيض يرأسها أوباما شخصياً، وتضم كلا من نائبه وبعض أعضاء مجلس الأمن القومي، يتابعون لحظة بلحظة مجريات الأحداث في مصر. وفي غضون أسبوع ألقى أوباما ووزيرة خارجيته ما لا يقل عن 10 خطابات تدعو الأطراف المعنية إلى ضبط النفس، وكأننا في حرب مفتوحة، تارة تطالب السلطات المصرية بالتعامل بإيجابية مع مطالب المحتجين وتارة تناشد المعارضة بفتح حوار مع السلطة. ومن يتابع القلق الذي يساور البيت الأبيض يظن أن الثورة تشتعل في إحدى الولايات الأميركية، خصوصاً بعدما أصبح الأميركيون مقتنعين بأن مبارك لم يعد قادراً على السيطرة وإدارة الأزمة.
الدرس الثامن: الغرب يعي جيداً أن استقرار المنطقة العربية رهين بإدخال إصلاحات جذرية على واقعها الاقتصادي والثقافي والسياسي. فمحاربة الإرهاب تمر بتجفيف منابعه وخلق الأجواء الملائمة للقضاء عليه، إذ ثمة علاقة رفيعة بين الطغيان والاستبداد وبين ظاهرة الإرهاب كما قالت كونداليزا رايس. ونعلم جميعاً أن أكثر تيارات الفكر الجهادي تطرفاً إنما تبلورت أفكارها الأساسية داخل السجون وفي غياهب المعتقلات. لذلك ينبغي مقاربة هذه الظاهرة ومعالجتها بشكل موضوعي ووفق رؤية علمية عميقة. الدرس التاسع: لقد سقطت معظم التبريرات التي تساق لإضفاء الشرعية على بعض أنظمة الحكم الاستبدادية في العالم العربي. فهناك من كان يظن أن هذه الأنظمة ضرورية لبناء وتطوير طبقة متوسطة كفيلة. بل ذهب آخرون إلى أن الاستبداد ظاهرة شرقية عربية متأصلة، على اعتبار أن الشخصية العربية تتميز بسمات الاعتمادية والسلبية والعدوانية الاستهوائية. وهناك من ذهب إلى أن الديمقراطية باهظة الثمن وأن هذه الدول لا تستطيع أن تؤدي فاتورتها، لذلك ينبغي أن تكون الأولوية للتنمية، بمعنى أن الديمقراطية والتخلف لا يتجانسان. ولكن تبين أن هذا الاستبداد كان فقط غطاءً للنهب والسلب. فبن علي، وبعد فضيحة الدولارات والماس، يمكن متابعته بتهمة واحدة، هي السطو المسلح على شعب تونس.
الدرس العاشر: من كان يظن أن التراجع عن الزيادة في الأسعار سوف يضع حداً لغضبة الشارع فهو واهم. فحينما انتفضت الشعوب العربية كانت لا تريد إلا شيئاً واحداً هو دولة تحميها ومجتمعاً يعترف بها. والمواطنة التي لا تعني شيئاً للطغاة، ليست هي فقط خبزاً وسكراً وحليباً، وإنما هي انتماء ومشاركة وتقاسم وتكافؤ للفرص وإحساس بأن الوطن هو وطن لأهله جميعاً، يساهمون في بنائه وينعمون بخيراته. المواطنة تعني أن يساهم الفرد على نفس القدر والأهمية مع الآخرين. إن مجموعة بشرية ما تتقدم وتسمو عندما يضحي ويساهم قادتها بنفس القدر الذي يساهم به الآخرون. المواطنة هي وطن وأفراد وحكومات ومنظمات مدنية... المواطنة تستلزم وجود حكومة دستورية ديمقراطية يختارها الأفراد والمجموعات من خيرة أبنائه. والمسؤولية يجب أن يتحملها القوي الأمين، كما جاء في الحديث النبوي الشريف، لا المخادع الضعيف المتخاذل.
في أوائل القرن الماضي كتب قاسم أمين يقول: الحرية الحقيقية تحتمل إبداء كل رأي ونشر كل مذهب وترويج كل فكر، في البلاد الحرة قد يجاهر الإنسان بأن لا وطن له، ويطعن على شرائع قومه وآدابهم وعاداتهم ويهزأ بالمبادئ التي تقوم عليها حياتهم العائلية والاجتماعية. كم من الزمن يمر قبل أن نبلغ هذه الدرجة من الحرية؟

محمد الزناتي
كاتب من المغرب

ينشر بترتيب مع مشروع «منبر الحرية»

اقرأ أيضا