تقارير

الاتحاد

إغلاق جوانتانامو... وعد أوباما المنكوث!

يبدو أن لحظة النكوص عن الوعد بشأن إغلاق معتقل جوانتانامو كانت بالنسبة لأوباما فرصة أخرى لتعلم الفرق بين الوعود والواقع، فقد بدأ حملته الانتخابية بتعهد واضح التزم فيه أمام الملأ بإقفال المعتقل سيئ السمعة في غضون عام، ولكن ما كادت تمر بضعة أشهر حتى أدرك أن ذلك ليس ممكناً لينتهي به المطاف بتكريس سياسة بوش في مجال الاعتقال، وذلك على رغم كل التحفظات التي أثارها أوباما نفسه حولها.
وهكذا بإعلان أوباما يوم الإثنين الماضي استئناف المحاكمات العسكرية في جوانتانامو سارع المحافظون إلى تبني نبرتهم الشامتة "لقد قلنا لكم هذا"، فيما شعرت القاعدة الليبرالية التي تدعم أوباما بمزيد من الإحباط وخيبة الأمل، ولكن كان لابد للإدارة من توضيح الأمر للجمهور وشحذ عقول مسؤوليها لإيجاد المبررات اللازمة لإقناع الناس والمراقبين، ومن أجل التوضيح والإجابة عن العديد من التساؤلات العالقة عقد محامو البيت الأبيض وكل المستشارين القانونيين في جميع الجهاز التنفيذي لقاء صحفيّاً عبر الفيديو لشرح ما استشكل على وسائل الإعلام.
وقد طلب من الصحفيين عدم ذكر أسماء المحامين، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى المهمة التلفيقية التي أنيطت بهم، وكان الهدف هو إقناع الجميع بأن سياسة أوباما الجديدة في مجال الاعتقال على خلفية الإرهاب تنسجم تماماً مع تعهداته السابقة ولا تناقضها في الجوهر. والحقيقة أن المهمة كانت صعبة للغاية فالرئيس بقراره الأخير لم يكتف فقط بنكث أحد وعوده الرئيسية بإغلاق جوانتانامو في بحر عام واحد، بل ناقض تصريحه السابق أيضاً بأن أية سياسة للاعتقال "لا يمكن أن تستند إلى ما أراه أنا أو الجهاز التنفيذي فقط".
والحال أن مرسومه الرئاسي قام تماماً بالعكس أي الاحتكام إلى قرار رئاسي، وهو بالضبط ما كان يلجأ إليه بوش عندما كان يتعذر عليه إقناع الكونجرس فيصدر مراسيم رئاسية، وهي وإن كان يتيحها له الدستور، إلا أنها لا تعبر عن روح الوفاق والإنصات إلى الأغلبية في الكونجرس.
وعندما بدأت حصة الأسئلة تقدم مراسل جريدة "لوموند" الفرنسية سائلاً: "ما الفرق بينكم وبين إدارة بوش إذا كان الاعتقال بدون محاكمة سيستمر مع إدارة أوباما؟"، فأتى الجواب عن هذا السؤال الجيد مغرقاً في الأبعاد التقنية حيث قال أحد المحامين الذين لا نستطيع الكشف عن هويتهم: "يكمن الفرق في أننا اليوم نتوفر على عمليــة أكثر دقة في التمثيل... وهناك فرصة للتمثيل الشفهي أمام هيئة المحكمة"، غير أن الجواب لم يشفِ غليل "جان كروفورد" من محطة "سي. بي. إس" فوجه السؤال بطريقة أخرى: "مع الفرق بين الأشياء السيئة التي كانت تحصل تحت إدارة بوش وما تنوون اليوم القيام به بموجب القرار الرئاسي الجديد؟"، فرد المحامون الذين طلب عدم الإفصاح عن هوياتهم بأن القضايا ستخضع لمراجعة كل ستة أشهر بدل كل سنة، كما تحدثوا عن "النية الموجودة في احترام المادة 75 من البروتوكول الإضافي".
ومع ذلك لم يقتنع "يوشي دريزن" من دورية "ناشيونال" معبراً عن شكوك تساوره بهذا الشأن قائلاً: "يبدو أن ما يحدث الآن مع صدور المرسوم الرئاسي هو فعليّاً مصادقة للوضع القائم الذي أسسته إدارة بوش دون تغيير"، ومرة أخرى حاول المحامون دفع تهمة تنصل إدارة أوباما من التزاماتها السابقة بالتأكيد المرة تلو المرة بأن القانون الجديد إنما "يندرج في إطار خطاب أوباما في مقر الأرشيف الوطني، الذي تعهد فيه بإغلاق معتقل جوانتانامو".
وبإشارتهم إلى الأرشيف الوطني كان المحامون يحيلون على خطاب أوباما الذي ألقاه في مايو 2009 وقال فيه بالحرف "بدلاً من الحفاظ على أمننا وسلامتنا فقد أضعف معتقل جوانتانامو الأمن القومي الأميركي، وأصبح بمثابة دعوة للتعبئة بالنسبة لأعدائنا... وبجميع المقاييس تتجاوز تكلفة إبقائه مفتوحاً كل التعقيدات المرتبطة بإغلاقه، ولهذا طالبت على مدى حملتي الانتخابية بضرورة إغلاقه، وهو ما دفعني إلى المطالبة بإغلاقه في غضون عام واحد".
وفي ذلك الخطاب أيضاً قال أوباما إن سياسة الاعتقال "لا يمكن أن تستند إلى قراري أنا أو قرار أي رجل واحد، وعندما نرى أن الولايات المتحدة في حاجة إلى اعتقال أفراد لمنعهم من تنفيذ هجمات ضد أميركا فإننا سنقوم بذلك ضمن إطار يشرك السلطتين القضائية والتشريعية في ممارسة الرقابة، ولذا بخصوص هذا الموضوع ستعمل إدارتي بتنسيق كامل مع الكونجرس لبلورة إطار قانوني"، بيد أن إعلان أوباما الأخير يوم الإثنين الماضي الذي حدد فيه استمرار جوانتانامو والرجوع إلى المحاكم العسكرية هو اعتراف من الرئيس بأن سقف التوقعات كان لديه عاليّاً جداً خلال حملته الانتخابية وفي فترة الأيام الأولى لولايته الرئاسية، وهو ما عبر عنه "بنيامين ويتس"، الزميل السابق في "واشنطن بوست" والباحث الحالي في معهد "بروكينجز" المتخصص في سياسة الاعتقال حيث يقول: "كل ما قام به الرئيس حاليّاً هو تقنين العملية نفسها التي تصور العديد في قاعدته السياسية أنه سيتخلص منها"، ولكن الأكثر استعصاء على الفهم هو عدم إشراك أوباما للكونجرس في صياغة قانونه الجديد حول الاعتقال كما تعهد بذلك عندما جادل بأن أي إجراءات لن تحظى بالشرعية "ما لم تخضع للإشراف القضائي والتشريعي".

دانا ميلبانك
محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس"

اقرأ أيضا