الاتحاد

تقارير

الانسحاب المسؤول... التزام واجب في العراق

خطاب «بايدن»... هل هو للضغط على الأطراف العراقية لتسريع عملية التوافق الداخلي؟

خطاب «بايدن»... هل هو للضغط على الأطراف العراقية لتسريع عملية التوافق الداخلي؟

خاطب نائب الرئيس الأميركي «جو بايدن»، حين زار العراق في الرابع من يوليو الجاري، الزعماء العراقيين بقوله: «إذا عاد العراق إلى العنف الإثني، فإنه من المستبعد أن تظل الولايات المتحدة ملتزمة»، حسب ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز». كما قال مسؤول أميركي للصحيفة نفسِها إن بايدن استطرد في الكلام وقال: «أولا، لأنه لا مصلحة للشعب الأميركي في القيام بذلك، مثلما أنه لا مصلحة له ولا للرئيس أيضاً».

وربما ينطوي مثل هذا التصريح على معنى تكتيكي لأنه يقول للعراقيين إن قواتهم الأمنية باتت بمفردها وإن عليها أن تعتمد على نفسها، إلا أنه يستعمل الطريقة الخطأ لإرسال هذه الرسالة، وذلك لأنه يقول للمقاتلين إن استهداف المدنيين لن يزيد احتمال تحركٍ عسكري أميركي ضدهم؛ ويمثل خرقاً لما التزم به أوباما من اتباع «انسحابٍ مسؤول» يحتفظ بحق وقف الفظاعات. ولعل الأكثر إثارة للإزعاج أنه يستغل الرأي العام للتملص من مسؤوليتنا لوقف الإبادة الجماعية أو الجرائم ذات الصلة -وهو خطأ ارتكبته الولايات المتحدة من قبل في كمبوديا ورواندا والبوسنة. صحيح أن الوضع الأمني في العراق تحسن كثيراً، إلا أن مدنييه مازالوا يعانون من أعمال القتل نتيجة العنف أكثر من أي منطقة نزاع أخرى، باستثناء سريلانكا ربما حيث تصاعدت أعمال العنف بقوة هذا الربيع، وإنْ كانت معدلات القتلى غير معروفة. ففي متوسط المعدل الشهري للقتلى المدنيين المباشرين خلال الربع الأول من 2009 هناك 258 حالة، كما تقول منظمات مختصة، وهو عدد يتجاوز المعدلات المعروفة بالنسبة لحالات القتل المدنية المباشرة نتيجة الحرب خلال الفترة نفسها في أفغانستان وباكستان والصومال وجمهورية الكونجو الديمقراطية ودارفور. بيد أن الجانب الأكثر إثارة للقلق في تصريحات نائب الرئيس ربما يكون الطريقة التي استغل بها الرأي العام ذريعةً للتملص من مسؤولية المساعدة على وقف الفظاعات الجماعية. وهذا الرفض المسبق للالتزام بوقف الفظاعات في العراق يذكّرنا في الواقع بعدد من الحالات التي كان يُعتقد فيها أن وقفها أمر لا ينسجم مع الاعتبارات السياسية. وبالنظر إلى التاريخ الحديث قد نستخلص الدرس. فبعد حرب طويلة ومكلفة في فيتنام مثلا، كان يُعتقد أن الأميركيين ليست لديهم القوة لمساعدة الأشخاص في حقول القتل في كمبوديا حيث قُتل مئات الآلاف عمداً. ثم جاء أيضاً إسقاط مروحية «بلاك هوك» عام 1993 خلال المهمة الأميركية في الصومال ليجعل التحرك خلال العام التالي من أجل إنقاذ ما يقارب مليون نسمة في رواندا أمراً غير شعبي من الناحية السياسية، قبل أن يتذرع مسؤولو إدارة كلينتون لاحقاً بالرأي العام لتفسير عدم التحرك، مشيرين إلى أن الشعب الأميركي لم يقم بما يكفي من «الضجيج». وبالتالي، فلا غرو أن يجعل تاريخُنا المعاصر الحديثَ عن حماية المدنيين من الفظاعات الجماعية أمراً أكثر صعوبة. والواقع أن استطلاعات الرأي تُظهر أن الأميركيين في الواقع أكثر استعداداً للتدخل في حالات نشوب الإبادة الجماعية والفظاعات الجماعية مما يعتقد زعماؤهم. صحيح أن حالة العراق خاصة؛ ولعل بايدن محق ربما بخصوص اهتمام الأميركي العادي بالعراق حيث وجد استطلاع رأي أجرته قناة «سي. إن. إن» ومؤسسة «أوبينيون ريسرتش كورب» في يونيو الماضي أن 63 في المئة من الأميركيين متفقون أن على الولايات المتحدة «ألا تعيد قواتٍ محارِبة إلى العراق» في حال «زيادة مهمة في عدد الهجمات التي شنها المتمردون على المواطنين العراقيين». غير أن إعادة الالتزام في العراق من أجل وقف الفظاعات لن تكون أمراً مستحيلًا سياسياً، مثلما أن الرأي العام غير ثابت وقابل للتغير بخصوص هذا الموضوع.فقد وجد استطلاع الرأي نفسه الذي أجرته «سي. إن. إن» أن 35 في المئة من الأميركيين يتفقون على أن على الولايات المتحدة أن تكون مستعدة للالتزام بقواتها المحاربة في حال تصاعد العنف ضد المدنيين. وعليه، فالأمر من الناحية الجوهرية يتعلق بمسألة الزعامة: إذا كانت الظروف في العراق تقتضي ذلك، فعلى الرئيس أن يقودنا نحو مسارٍ مسؤول قد يكون في البداية غير شعبي. وخلال الفترة الانتقالية، كتبت إدارة أوباما على موقعها على الإنترنت: change.gov «إنهما (باراك أوباما وجو بايدن) سيحتفظان، مع شركائنا الدوليين، بحق التدخل عسكرياً من أجل وقف إبادة جماعية ممكنة في العراق». وقد مثلت هذه الكلمات تطميناً وضمانة على أن أوباما مستعد لوقف الفظاعات الجماعية في حال حدوث أسوأ السيناريوهات. والواقع أننا ندرك أن حرب العراق تفتقر إلى التأييد الشعبي وأن الانخراط الأميركي لم يكن دائماً صالحاً؛ غير أنه لا يمكن أن نسمح للسياسة بأن تعمينا وتحجب عنا المسؤوليات التي قد تظهر خلال الأشهر أو السنوات المقبلة. فعلى غرار عدم التحرك الأميركي في كمبوديا ورواندا، فإن عدم التحرك لاعتبارات سياسية من أجل وقف فظاعات جماعية قد تحدث في العراق مستقبلا أمر سيجلب لنا الخزي والعار.


مارك هانس
رئيس منظمة «شبكة التدخل في حالة الإبادة الجماعية»

تشاد هازليت
مدير الحماية في المنظمة نفسها
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا