الاتحاد

تقارير

مكافحة المخدرات... حرب أفغانستان الأخرى

تنفذ الولايات المتحدة حالياً عملية نشر للعشرات من عناصرها التابعين لإدارة مكافحة المخدرات في أفغانستان فيما يشبه خطة جديدة لـ «زيادة» عدد القوات الأميركية، الهدف منها ملاحقة شبكات تجار المخدرات التي يقول المسؤولون إنها تغذي وبشكل مستمر متمردي «طالبان» وتعرقل جهود الحكومة الأفغانية، وتعد هذه الخطوة الرامية إلى فتح جبهة ثانية في أفغانستان اعترافاً آخر من واشنطن بأن معركة الأمن في تلك البلاد لا يمكن حسمها عن طريق القوة العسكرية وحدها. فعلى مدى الثماني سنوات الماضية ركزت إدارة بوش السابقة في جهودها للقضاء على تجارة المخدرات على تدمير الحقول الشاسعة لزراعة الخشخاش التي كانت على الدوام مصدراً رئيسياً لتجارة الهروين عبر العالم، لاسيما بعد هجمات 11 سبتمبر، حيث ارتفعت حصة أفغانستان في سوق الهروين العالمية إلى 93 في المئة حسب المكتب الأميركي لمكافحة المخدرات والجريمة. ولكن إدارة أوباما ترى أن هذه الاستراتيجية دفعت بالعديد من المزارعين ورجال القبائل من ذوي النفوذ إلى مساندة تمرد «طالبان»، وهو رأي تشاطره الحكومة الأفغانية وبعض حلفاء أميركا في حلف شمال الأطلسي، ولذا تعمل الولايات المتحدة اليوم على تغيير حملتها لمكافحة التمرد، بحيث لا تكتفي بإرسال المزيد من الجنود إلى أرض المعركة، بل تعتمد أيضاً على دعم عملية إعادة الإعمار وتشجيع المزارعين، الذين طالما استفادوا من زراعة الخشخاش، على تبني محاصيل بديلة. وتستهدف جهود عناصر المكافحة العشرات من متزعمي شبكات تجارة المخدرات التي تنتج كميات كبيرة من الحشيش والأفيون والمورفين والهروين ينتهي المطاف بالبعض منها في الولايات المتحدة نفسها. وينتمي قادة شبكات المخدرات إما إلى «طالبان» أو إلى بعض القبائل النافذة التي تحالفت معها، وهم يتلقون مساعدة من الشبكات الدولية بعدما انتعشت في العقود الأخيرة وانتشرت في العديد من البلدان مثل أفغانستان وباكستان وإيران وتركيا وغيرها. وخلال لقاءات عديدة عبر العديد من المسؤولين الأميركيين الحاليين، أو السابقين، في إدارة مكافحة المخدرات عن مخاوفهم من تنامي الروابط والصلات بين تجار المخدرات والمتمردين في ظل ضعف واضح في فاعلية الحكومة الأفغانية وعدم اهتمامها بالتصدي للمشكلة وأخذها على محمل الجد. ويقول «بروس ريدل»، الذي ترأس فريق أوباما لمراجعة سياسته تجاه أفغانستان، إنه في الوقت الذي خصصت فيه الولايات المتحدة مساعدات مالية تقدر بمئات الملايين من الدولارات لدعم شرطة أفغانستان وأجهزتها الأمنية كانت بعض تلك القوى الأمنية نفسها، يتلقى أحياناً رشاوى على أعلى المستويات، من تجار المخدرات الذين يفترض فيها محاربتهم. ويضيف «ريدل» الذي تقاعد من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في عام 2006 بعد قضائه لثلاثة عقود، ناصحاً الإدارات الأميركية المتعاقبة حول القضايا الأمنية المرتبطة بجنوب آسيا: «لقد تعرض مجمل مجهودتنا لتعزيز الأمن للتقويض من قبل وزارة الداخلية»، معتبراً في الوقت نفسه أن وزير الداخلية الحالي، «محمد حنيف أتمار»، رجل نزيه ونواياه جيدة، لكن حياته معرضة للخطر نتيجة ذلك. ويؤكد «ريدل» الذي يعمل حالياً كباحث بارز في مركز «سبان لسياسة الشرق الأوسط» التابع لمؤسسة بروكينجز قائلا: «لو استطعنا إبقاءه على قيد الحياة فإنه سيقوم بعمل جيد، ولكن لديه العديد من الأعداء». وحسب تقديرات الاستخبارات الأميركية والمعلومات التي توفرها الأمم المتحدة يدفع تجار المخدرات في ظل سيطرة «طالبان» على مساحات شاسعة من أفغانستان مبالغ مالية طائلة إلى المتمردين تصل إلى 500 مليون دولار في العام وذلك مقابل حماية حقول الخشخاش والسماح بزراعته، فضلا عن تسهيل تهريب المخدرات وإقامة مختبرات متطورة لمعالجتها وفتح أسواق لها في أفغانستان والدول المجاورة. وعلى غرار ما يجري في أفغانستان تنتعش تجارة المخدرات في المناطق القبلية الباكستانية الواقعة في الشمال الغربي للبلاد، والتي تزود بدورها «طالبان» باكستان بالدعم المالي الذي ربما يصل إلى «القاعدة» نفسها؛ ورداً على هذا الوضع الخطير الذي تتحالف فيه تجارة المخدرات مع «طالبان» قررت الإدارة الأميركية رفع عدد عناصر إدارة مكافحة المخدرات من 13 إلى 68 بحلول شهر سبتمبر المقبل على أن يرتفع ذلك الرقم إلى 81 في عام 2010 ناهيك عن باكستان التي ستستقبل هي الأخرى عناصر من نفس الإدارة. وفي هذا السياق صرح «ريتشارد هولبروك» المبعوث الأميركي الخاص لأفغانستان وباكستان في شهر يونيو الماضي أمام الكونجرس أن إدارة أوباما بصدد تحويل الموارد التي خصصها المشرعون الأميركيون للقضاء على الأفيون لخدمة الاستراتيجية الجديدة والمتمثلة على حد قوله في «المنع وفرض سيادة القانون وملاحقة زعماء الشبكات والمسؤولين الفاسدين في الحكومة الأفغانية». وستسعى وكالة مكافحة المخدرات في إطار جهودها المتواصلة إلى زرع مُخبرين والقيام بعمليات تمويه للإيقاع بالحلقات الرئيسية للشبكات، وستساعدهم في مهامهم قوات الجيش الأميركي، لاسيما في ساحات المعارك جنوب البلاد، وهذا ما يوضحه «توماس هاريجان»، مدير العمليات بإدارة مكافحة المخدرات حيث يقول: «إن هناك العديد من الثغرات في أفغانستان تتعلق بالحصول على المعلومات الاستخبارية، ولذا سنقوم نحن بسد هذه الثغرات والحصول على المعلومات من خلال استجواب التجار والمهربين الذين توقفهم دوريات الجيش». وقد أشاد العديد من مسؤولي مكافحة المخدرات، الحاليون منهم أو السابقون، بقرار توسيع عمل الإدارة في أفغانستان باعتباره مطلباً كانوا يلحون عليه منذ أواخر عام 2006 لكنهم واجهوا لامبالاة إدارة بوش ورفضها لفكرة إرسال عناصر جديدة إلى أفغانستان، وأضاف البعض أن تحذيراتهم من الخطر المحدق الذي يمثله تحالف تجار المخدرات والعناصر المتمردة ذهبت أدراج الرياح ولم يهتم بها أحد في وقت كانت فيه الإدارة السابقة منشغلة بحربها على الإرهاب ولا حقاً بالحرب الأخرى في العراق.


جوش ماير
كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا