الاتحاد

دنيا

عيسى المسكري: التغيير يبدأ بألم وينتهي بمتعة

 عيسى المسكري

عيسى المسكري

إن ترجمة الحياة أمر غاية في الأهمية، وتحليل سلوك الإنسان مسألة تحتاج إلى التفكّر والتأمل، وكل عمل يقوم به أي شخص يعتمد على حالته النفسية قبل العمل، أو الدوافع ما وراء الفعل، وهو ما يعرف بقانون الألم والمتعة..

وهذا القانون يحلل سره عيسى المسكري خبير خدمة العملاء والتنمية البشرية ويقول: «لنفسر سر إقدامنا على أي فعل سواء كان مقبولا أو مرفوضاً، فمهما كانت الأعمال مرفوضة فقد تحمل بعضها متعة وهمِية، ولذة مؤقتة نفسية أو جسدية، فلو سألنا المدخن مثلاً عن دوافعه في التدخين، سنجد بعض الإجابات تدل على المتعة التي يجدها خلال التدخين، على الرغم من إدراكه بأضراره وخطورته، فيدخن حتى يتخلص من همومه، أو يشعر بالرجولة، وهي قناعات تدل على المتعة التي يجدها المدخن، وهذه المتعة هي التي دفعته إلى هذا الفعل المرفوض، ومن أهم التفسيرات في دوافع التدخين هي محاولة المدخن الهروب من واقع مؤلم إلى واقع آخر يعتقد بأنه سيجد منه متعة، وهذه طبيعة بشرية وهي هروبهم من واقع يشكل لهم مصدراً للآلام والبحث من جديد عن واقع آخر يجد منه اللذة والمتعة، كما أن المراهق يتألم عندما يشعر بالدونية فيدخن حتى يشعر بمتعة الرجولة على حسب تفسيره القاصر، وبعد هذه التحليلات. التخلص من العادات الضارة هل يمكن أن نوظف هذه المشاعر في علاج السلوك السلبي أو التخلص من بعض العادات الضارة، الجواب على هذا السؤال: نعم، ولكن في حالة واحدة وهي دراسة هذا القانون وفهم حقائقه وطبيعة الإنسان في البحث عن مواطن اللذة، والابتعاد عن مصادر الألم، فمعظم الانتصارات لم تكن إلا بسبب بحث الجنود عن متعة الانتصار، وابتعادهم عن ألم الهزيمة، كما أن دوافع الطالب في النجاح هي بحثه عن متعة التفوق وهروبه من ألم الرسوب، وقد تكلم رسولنا -صلى الله عليه وسلم- عن هذه المتعة وهذه اللذة، وعبر عن ابتعاد المؤمن عن الكفر بالألم الذي يجده عندما يقذف في النار، فقال صلى الله عليه وسلم: ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار. وهناك بعض الأمثلة ذكرت في بعض الدراسات: «لو فرضنا أن هناك طالبين أحدهما يبحث عن اللذة، والآخر يفضل الهروب من الألم، وكلاهما طالبان كسولان، وأردنا تحفيزهما، ورفع مستواهم الدراسي، فلو أتينا إلى الطالب الذي يفضل الهروب من الألم للحصول على المتعة وقلنا له: «لو أنك تفوقت في دراستك فسنعدك بهدية قيمة لا تتخيلها، هذه العبارة تحمل في طياتها الحث على الجد حتى ينال الطالب هدية ذات قيمة إذن هو على موعد مع منفعة، وهو على موعد مع لذة تنتظره وتسعده، لكننا فوجئنا بأنه لم يكترث أبداً لما قيل له، بل استمر في كسله، فأين يكمن السرّ؟ يكمن السر في أننا لم نحسن قراءة طريقة عمل عقله، فهو سيكون خير طالب لو أنك هددته بعقاب معين يخشاه، فهو من النوع الذي لا يتحرك حتى يرى أنه أوشك على السقوط، فلو قلت له: «لقد بلغني أنه إذا لم تأت بعلامات جيدة الشهر القادم فإنك على وشك أن تغادر المدرسة، فالمدرسة هنا لا تريد الكسالى»، فإنَّ هذا الخبر رغم قوته وصراحته وعنفه، لكنه يحفز هذا النوع من الناس بصورة أقوى، بينما لو ذهبنا للأول وقلنا له أنت على موعد مع هدية، فسنجده متحفزاً جداً». لكل ألم تغيير ولكل تغيير ألم توضح بعض الدراسات الاجتماعية بأن توظيف الكسل بالمساءلة تولد الألم في نفسيته مما يولد حافزاً في التغيير، فقد قام باحث تربوي بطرح هذه المسألة بطريقة رائعة: «لو سألنا الطالب الكسول هل تحب أن يتفوق عليك أقرانك؟ لأجاب قطعاً لا، ولو سألناه ما شعورك لو تفوق عليك فلان من زملائك، لقال لنا سأكون في حالة سيئة، ولو قلنا له: هل تذكر لنا ماهية شعورك لو تفوقت على جميع زملائك؟ سيقول: سأكون في قمة السعادة، ولو قلنا له: ما شعورك لو تفوق عليك زملاؤك، وسخروا منك، وضحكوا عليك، وعلى مستواك؟؟ لقال لنا: سأكون أتعس إنسان في الدنيا، ونستمر في طرح الأسئلة التي تتعلق بالكآبة والغضب والمشاعر السلبية في كل ما يتصل بالفشل الدراسي، ونعلق المتعة واللذة والمشاعر الطيبة في كل ما يتصل بالتفوق الدراسي، سنفاجأ بأنه لا شعورياً سيتغير لأنه بالفطرة سيبحث عن المتعة سواء أكانت بحثاً عن اللذة والمتعة ذاتها، أم كانت هروباً من ألم يعد هروبه منه متعة حقيقية له. أنت مثلا لربما تكون مثلاً تعاني من مشكلة ما مثل التدخين، إذا أردت الإقلاع عنه فلا بد أن تربط مشاعر الألم بالتدخين ومشاعر المتعة بترك التدخين وهكذا».

يذكر عيسى المسكري مثالا على قانون الألم واللذة ويقول: «وقع حصان أحد المزارعين في بئر مياه عميقة ولكنها جافة، وأجهش الحيوان بالبكاء الشديد من الألم من أثر السقوط، واستمر هكذا لعدة ساعات، كان المزارع خلالها يبحث الموقف ويفكر كيف سيستعيد الحصان؟

ولم يستغرق الأمر طويلاً كي يُقنع نفسه بأن الحصان قد أصبح عجوزاً وأن تكلفة استخراجه تقترب من تكلفة شراء حصان آخر، هذا إلى جانب أن البئر جافة منذ زمن طويل وتحتاج إلى ردمها بأي شكل، وهكذا، نادى المزارع جيرانه وطلب منهم مساعدته في ردم البئر كي يحل مشكلتين في آن واحد، التخلص من البئر الجاف ودفن الحصان، وبدأ الجميع بالمعاول والجواريف في جمع الأتربة والنفايات وإلقائها في البئر. في بادئ الأمر، أدرك الحصان حقيقة ما يجري حيث أخذ في الصهيل بصوت عال يملؤه الألم وطلب النجدة، وبعد قليل من الوقت اندهش الجميع لانقطاع صوت الحصان فجأة، وبعد عدد قليل من الجواريف، نظر المزارع إلى داخل البئر وقد صعق لما رآه، فقد وجد الحصان مشغولاً بهز ظهره، كلما سقطت عليه الأتربة فيرميها بدوره على الأرض ويرتفع هو بمقدار خطوة واحدة لأعلى، وهكذا استمر الحال، الكل يلقي الأوساخ إلى داخل البئر فتقع على ظهر الحصان فيهز ظهره فتسقط على الأرض حيث يرتفع خطوة بخطوة إلى أعلى، وبعد الفترة اللازمة لملء البئر، اقترب الحصان من سطح الأرض حيث قفز قفزة بسيطة وصل بها إلى سطح الأرض بسلام». قال الله تعالى: «فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً».(النساء)

اقرأ أيضا