السبت 28 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
عربي ودولي
هازل بليرز لعبة هايد بارك الجديدة
6 أغسطس 2005

السعد عمر المنهالي:
منذ قرن وثلاثة وثلاثين عاما تقريبا جاهدت مجموعة من الإصلاحيين البريطانيين لجعل 'تيبورن تري' أو شجرة المشنقة -إحدى أكثر المناطق في المملكة المتحدة قبحا كونها مكانا للإعدام أمام العامة منذ القرن الثاني عشر- مقصدا مناسبا للتعبير عن الرأي، فتحولت الزاوية الشمالية الشرقية لـ'هايد بارك' -أحد أهم المتنزهات في العاصمة لندن- عام 1872 إلى المكان العام الوحيد الآمن لكافة البريطانيين لمناقشة آرائهم على اختلافها بكل حرية· مع الوقت أصبح المكان الذي عرف بـ'ركن الخطباء' بمثابة أيقونة الحرية الفعلية في العالم، وليس على من يريد أن يعبر عن رأيه -مهما كان وبأي وسيلة- سوى أن يأتي صباح يوم الأحد مصطحبا معه أفكاره ونبرة مرتفعة من صوته لكي تصل لمن تجمهر حوله!·
والآن وبعد تلك القرون أصبح ركن الخطباء المكان الوحيد الذي يجسد فعليا الحقوق الديموقراطية في العالم وبحماية الأمن البريطاني، اصبحت هذه المفخرة البريطانية مهددة بعد أن أعلن رئيس الوزراء البريطاني 'توني بلير' خططه لمكافحة الإرهاب في الخامس من أغسطس 2005 والتي رأى بخصوصها الكثير من المتابعين خطا مختلفا لما اعتاد عليه العالم من بريطانيا واحة الحريات وملاذ الناقمين في العالم· وإن كان الإصلاحيون قديما قد حولوا ساحة المشنقة إلى ساحة حريات، فإن الإصلاحيين الجدد المتمثلين في حكومة حزب العمال قرروا التلويح من جديد بحبل المشنقة الذي علق على 'تيبورن تري'· وإن حاولت الحكومة العمالية الراهنة بزيارات وزيرة الداخلية البريطانية 'هازل بليرز' في الثالث من أغسطس عام 2005 إلى ثمانية مراكز في أنحاء المملكة المتحدة، التخفيف من قسوة هذا الحبل سيما بملاطفتها للمسلمين في تلك المراكز، والحصول على تأييدهم ودعمهم لإجراءات الحكومة المتوقعة·
ولدت 'هازل آن بليرز' في الرابع عشر من مايو عام ،1956 في 'سالفورد' -تبعد عن مانشستر بـ20 كلم-، وتلقت تعليمها في ثانوية 'واردلي'، بينما حصلت على شهادتها الجامعية في القانون من كلية 'تشيستر'· مارست 'هازل' المحاماة في قطاعات عامة مبكرا، فكانت محامية لمجلس 'روزسيندال' بين عامي 1981 و،1983 ثم مجلس 'ويجان' حتى عام ·1985
أصبحت 'هازل' عضوة في مجلس مدينتها 'سالفورد' عام 1984 وهي لا تزال في الثامنة والعشرين من عمرها، وظلت تخدم فيه لثماني سنوات متواصلة حتى عام 1992 عندما أصبحت المسؤولة عن الصحة لسكان 'سالفورد' لمدة أربع سنوات· خلال تلك السنوات كان لـ'هازل' نشاط سياسي بحكم انتمائها لحزب العمال البريطاني، غير أنها لم تفلح في دخول البرلمان خلال انتخابات عامي 1987 وعام ،1992 ولكنها مع انتخابات عام 1997 استطاعت أن تحقق ذلك وتصبح في مايو من ذلك العام في الصفوف الأولى لحزب العمال البريطاني في الحكومة·
شغلت 'هازل' خلال وجودها في البرلمان رئاسة الجمعية الحكومية المحلية، وعضوا في لجان متعددة كالإعلام والثقافة والرياضة، وقد وصلت لمنصب السكرتير البرلماني في وزارة الصحة منذ عام ،1999 وفي يونيو عام 2001 عينت وكيلة لوزارة الصحة، وبعد عام في مايو 2002 أصبحت وزيرة للصحة، غير أنها انتقلت منها لتصبح في يونيو 2003 وزيرة الدولة لشؤون الجريمة والشرطة في وزارة الداخلية، وفي أكتوبر من نفس العام عينت في اللجنة التنفيذية الوطنية لحزب العمال، بينما تولت في ابريل عام 2004 مسؤولية مكافحة الإرهاب في الوزارة، وفي السابع من يونيو الماضي عام 2005 أصبحت عضوا في مجلس الشورى الملكي·
بين مدريد ولندن
عندما دوت انفجارات مدريد في الحادي عشر من مارس عام 2004 -راح ضحيتها 191 قتيلا- أرجاء أوروبا اتخذت الدول الأوروبية على الفور إجراءات جديدة وطارئة تحسبا لأي هجمات مماثلة سيما في الدول التي ساندت حكوماتها التدخل الأمريكي في العراق كإيطاليا وبريطانيا· وفي بريطانيا أعلن وزير الخارجية 'جاك سترو' أن مسألة تعرض بريطانيا لاعتداء إرهابي محسومة، وأن السؤال ليس هل؟ وإنما متى؟!
بعد شهر واحد من انفجارات مدريد كلفت 'هازل بليرز' في ابريل من نفس العام ملف مكافحة الإرهاب في وزارة الداخلية، وذلك رغم حساسية الملف في تلك الفترة، إلا انه وعلى ما يبدو أن رئيس الحكومة البريطانية 'توني بلير' يولي 'هازل' ثقة خاصة رغم أن ملفها في الشأن الأمني غير كافي على غرار غيرها من الشخصيات الأكثر حنكة في الحكومة البريطانية أو حزب العمال الحاكم، وهو ما دعا زعيم حزب المحافظين المعارض 'مايكل هاوارد' في سبتمبر عام 2004 إلى تعيين وزير للأمن الداخلي، وبعث بعدد من الاقتراحات إلى 'بلير' يطالبه بتعيين وزير مختص لهذا الملف ومتفرغ له، وقد كان ملف الأمن الداخلي تابع من قبل لـوزارة الهجرة·
لم يكن لحكومة 'توني بلير' موقف مخالف لتحفظات بعض المحافظين الأمنية، غير أن كل محاولات 'بلير' في إقرار مشاريع وتعديلات القوانين التي كان يتقدم بها لمجلس العموم البريطاني لم تكن تحظى بالموافقة عليها كونها اعتبرت تجيز إجراءات يعتبرها البعض تعديا على الحريات العامة، ورغم ذلك ظل 'بلير' وحكومته طوال تلك الفترة يحاول أن يمرر قوانينه بشأن مكافحة الإرهاب ولكن دون جدوى إلى أن وقعت تفجيرات لندن في السابع من يونيو عام ،2005 فكانت التفجيرات جواز العبور الذي استطاعت حكومة بلير أخيرا الحصول عليه·
كان قتل قوات الأمن البريطانية مواطنا برازيليا في الثالث والعشرين من يوليو الماضي 2005 لاشتباهها به لمجرد أن ملامحه شرق أوسطية قد خلف حالة هلع كبيرة بين أبناء الجاليات الإسلامية كونهم مستهدفين أمنيا، وهو بالفعل ما تأكد بعد ارتفاع حالات الجرائم المدفوعة بالكراهية لتصل إلى ما نسبته 600 بالمائة عن فترة ما قبل تفجيرات لندن· غير أن الأمر لم يكن ينحصر فقط في الحوادث، فقد ازدادت حالات الشكاوى التي تقدم بها بريطانيون من أصول مختلفة ومسلمون بالذات من استهداف رجال الأمن لهم!!·
نفت وزيرة الأمن الداخلي 'هازل بليرز' تلك التهم بشدة وصرحت في الثاني من أغسطس الجاري ،2005 وأكدت من جهتها أنها لم تدعم أو توافق على سياسة التحريات المتحيزة التي تقوم بها الشرطة على أساس عرقي وتمارس ضد المسلمين، وذلك قبل جولتها التي استهلتها في الثالث من أغسطس الجاري في 'أولدهام' بضاحية 'مانشستر' شمال إنجلترا، والتي تعد أو محطاتها الثماني التي عليها زيارتها للتواجد الإسلامي الكبير فيها·
مد الجسور
حاولت 'هازل بليرز' وزيرة الدولة للشؤون الداخلية خلال جولتها ومقابلتها عددا من زعماء الجاليات الإسلامية وأعضاء المجالس المحلية منهم، بالإضافة إلى مقابلة أشخاص عاديين لمعرفة رأيهم بخصوص التفجيرات، غير أن أهم ما تقوم به الوزيرة هو الحصول على دعم زعماء تلك الجاليات على الإجراءات التي تقوم بها حكومة 'بلير' لمحاصرة ما يوصف بالأعمال الإرهابية، وإن كانت الوزيرة قد حاولت خلال زياراتها تلك الادعاء بالقول إنها لـ'مناقشة التحديات المشتركة التي تواجهها الحكومة والمسلمون' ببحثها مواضيع مثل قضايا الشباب ودور المرأة والتطرف، إلا أن ما أعلنه رئيس الحكومة البريطانية في الخامس من أغسطس الجاري يؤكد على أن أهداف الزيارة تعدت ما أعلن عنه!·
ويبدو أن الوزيرة لم تحسب لهذا اليوم عندما قامت في مارس من العام الجاري ،2005 بدعوة الجالية المسلمة إلى تقبل إجراءات التوقيف والتفتيش أكثر من غيرهم، وهي الدعوة التي وجدت استهجانا كبيرا من أبناء الجاليات المسلمة وغيرهم من المدافعين عن الحريات العامة والرافضين للإجراءات المعتمدة على التمييز العرقي أو الديني، ولذا فإن زيارتها التي تسبق اجتماع وزير الداخلية 'تشارلز كلارك' المفترضة في سبتمبر المقبل، قد لا تؤتي الثمار المرجوة منها، سيما أن 'بلير' قد خرج خلالها ليعلن للعالم عزم حكومته اتخاذ إجراءات جديدة في إطار مكافحة بلاده للإرهاب، وهو يقول 'إن قواعد اللعبة قد تغيرت'·
فتغير قواعد اللعبة بالنسبة للطريقة التي تعاملت بها بريطانيا طويلا مع المهاجرين إليها يعني أن الكرة الآن في ملعب من ظلت الحكومة ولفترة طويلة تستجديهم لكي يتصرفوا على أراضيها بطريقة حسنة لا تجلب الجلبة والإزعاج للحكومة وسياساتها· ففي الاجراءات الجديدة المزمع عرضها على مجلس العموم البريطاني والتي تصب أساسا في تعديل قانون حقوق الإنسان، وفي زيادة مرونة الحكومة في التصرف تجاه من تراهم مرتبطين بأعمال إرهابية أو حتى محرضين عليها وقدرتها على سحب جنسياتهم وترحيلهم، كلها إجراءات جديدة تؤكد إعادة توزيع الأدوار بين المواطن والحكومة في بريطانيا بعد أن كان القانون يحميه ويكف يد الحكومة عنه مهما فعل!·
سيقدم قانون الإرهاب الجديد الذي وضحت الوزيرة 'هازل بليرز' بعض تفاصيله للإعلام في يونيو الماضي 2005 نسفا لأحد اهم القيم الديموقراطية التي نجح البريطانيون في تحقيقها متفردين على مستوى العالم، وهي حرية التعبير· فحسب قولها: 'إن التحريض غير مباشر للعنف يمكن أن يشمل أولئك الذين يبدون إعجابهم بمن يقومون بتلك الأعمال ويشيدون بها، فمثل هذه التصريحات تعد دعما للإرهاب· وبما أنها لم تحدد ضمن تلك الممارسات تعابير الوجه كتهمة لدعم الإرهاب، فإن زوار ركن الخطباء عليهم دراسة طرق جديدة للتعبير عن آرائهم غير الخطابة، ونقترح عليهم في هذا المجال دراسة بعض الحركات الإيحائية لكي يظلوا في هايد بارك في منأى عن تهمة دعم الإرهاب·
Als_almenhaly@emi.ae
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©