السبت 25 يونيو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
عربي ودولي
عندما يكون الإرهاب موضة عالمية لنحر الإنسان
6 أغسطس 2005

د· رسول محمَّد رسول:
لا شك أن ما جرى بالعراق بعد نيسان / إبريل 2003 قد أدَّى إلى توسيع رقعة الإرهاب في عالمنا غير الآمن، وصار من يقينيات الحال أن تغيير أي نظام سياسي عربي متعرِّق في جذوره بأي دولة من دول الوطن العربي، كنظام صدام في العراق وأنظمة عربية أخرى، سيؤدي إلى فتح ملفات سياسية ومجتمعية واقتصادية كثيرة فعلياً·وصار فتح الملفات الخاصة بأي دولة تتعرَّض إلى تغيير سياسي شامل وجذري مِعولاً لأن تفتح الحركات المناوئة للتغيير والسائرة في ركابه نيران أسلحتها ومفردات خطابها المقاوم عملياً بوصفها قوة محسوبة على النظام القديم مستعدَّة للقتال حتى الموت من أجل تحقيق حلم استعادة سلطتها القديمة·
أيديولوجيا الرفض
وإذا كانت هذه القوة ذات منحى أيديولوجي عرقي أو مذهبي تحكَّمت بالمجتمع لعقود طويلة كالأيديولوجية البعثية في العراق، فإنها ستعزِّز مقاومتها ورفضها للخطاب التغييري بمورفينات عرقية وطائفية لتكون قوة خطابها المقاوم مركَّبة في تكويناتها الفكرية والأيديولوجية واللوجستية، فخطاب الرفض العراقي للمشروع الأمريكي بالعراق تداخلت فيه الأيديولوجية البعثية مع الأيديولوجية المذهبية، وذلك عندما شعر البعثيون أن النظام السياسي المرسوم للعراق الجديد، وهو نظام تعددي غير استبدادي، سيحرمهم من الانفراد المذهبي بالسلطة كما في السابق، آثروا مزج ما هو مذهبي بما هو علماني مؤدلج (الخطاب البعثي) في مقارعة المشروع السياسي الجديد بالعراق، وهو ما يميز راهناً أيديولوجية المقاومة والرفض لمشروع التغيير في العراق الجديد· والذي حدث بالعراق أن أيديولوجيا المقاومة أو الرفض المحلية تواصلت معها أيديولوجية رفض نزيلة على المجتمع العراقي تلك هي أيديولوجيا التكفير الدينية المتطرفة والمتشدِّدة مذهبياً، فصار المشهد تواصلياً حتى وإن كان يؤدي فعله الإجرامي من دون صلات وهذا من أضعف الإيمان، فكل الدلائل أشارت وما زالت إلى أن ثمة تعاوناً لوجستياً ومعلوماتياً بين صناع العنف والإرهاب المحليين في العراق والنزلاء القادمين من خارج الحدود· وفي خلال عامين ونصف العام من الإنتاج اليومي لصور العنف الدموية، صار المشهد شبه مألوف لأن يكون تفخيخ المركبات وتفجيرها سواء عن بُعد أو بواسطة انتحاريين، وعمليات الاغتيال والخطف، وسائل جديد لقتل الإنسان، وهو أسلوب كانت الحركات والجماعات العُنفية والإرهابية قد عملت به منذ عقود غائرة في القرن العشرين، وتوقَّف عند منعطف جديد عندما نفَّذ تنظيم (القاعدة) عمليات الحادي عشر من سبتمبر بأسلوب جديد استخدم فيه الطائرات لضرب أبراج شاهقة في المدن الأمريكية، لكن الأسلوب القديم عاد من جديد في العراق، وقبل ذلك في الحرب على نظام طالبان، ليتسع في السعودية وتركيا وقطر والكويت ولبنان، وبعد العمليات التمشيطية التي جرت رحاها في المناطق الغربية من العراق انتقل العنف من جديد إلى الدول الأوروبية لإحياء معاوله الإجرامية كما جرى في بريطانيا مؤخراً ليعود أدراجه إلى الشرق الأوسط في عمليات شرم الشيخ الأخيرة بعد أن انتقل العنف في العراق إلى مرحلة الانتقام من الشخصيات الدبلوماسية العربية العاملة في العراق للتوِّ في مسعىً منها لإحياء العلاقات العراقية ـ العربية، كما هو الحال في اختطاف ونحر الدبلوماسي المصري والدبلوماسيين الجزائريين، وقبل ذلك محاولة اختطاف الدبلوماسي البحريني والباكستاني ببغداد·
مهرجان نحر الإنسان
وتكشف دوامة العنف الدائرة رحاها وصورها البشعة في دول العالم قاطبة عن احتفالية أشخاص بمهرجان موضوعه نحر الإنسان والحياة لا أكثر، فالعمليات الإرهابية التي جرت في أفغانستان لم تغير شيئاً في تلك البلاد، فما زال الأمريكيون فيها ولن يخرجوا قريبا، والعمليات التي جرت في العراق على مدى أكثر من عامين ونصف لم تغير في واقع الحال شيئا، فهناك مجموعة من الأشخاص العراقيين والأمريكيين يعيشون في المنطقة الخضراء ليرسموا مستقبل العراق، وهناك مجتمع عراقي تحصَّل على بعض المال والحريات المرتبكة والخائفة تلك التي تواجه التدمير يومياً حيث الدماء تنهار في كل لحظة وبلا هوادة لتكون الفجوة بين سكان المنطقة الخضراء والشعب العراقي واسعة وكبيرة ومؤلمة، وهي أكثر من ذلك في ضوء سيل لا يرحم من العمليات الإرهابية التي يُراق بسببها الدم العراقي مهراقا· والأمر ذاته في مصر، فما الذي جناه الإرهابيون من أعمالهم في شرم الشيخ سوى أنهم قتلوا بشراً تضرجوا بدماء ما كانوا يريدونها، وخرج الرئيس مبارك ليعلن عن ترشُّح نفسه لولاية قادمة، ودعا إلى قمة عربية لن تؤدي شيئاً من شأنه انكفاء الإرهابيين إلى رشدهم· الأمر ذاته أيضاً في لندن، فالحقد على الإسلام وصل ذروته، والغرب بات اليوم أكثر رغبة في التكشير عن أسنان رفضه للعرب وللمسلمين ليكون كل ذلك مبرراً أمام اليهود وهم القائلون بأن العرب أنجاسٌ مناكيد، وأن الجهاد الإسلامي ليس سوى موضة تهدف إلى نحر الحياة بنحر الإنسان فيها أولا لأنه القيمة العليا في الوجود الأرضي، ونحر الحياة بتدمير البنى التحتية في المجتمعات مثل الطرق ووسائل النقل وهي العدَّة التي للإنسان وليس للملوك أو الرؤساء حسب، فلم تؤد عمليات لندن إلى زوال نظام الحكم الملكي في بريطانيا ولا زوال حكومة توني بلير بل أدّت إلى مزيد تحريات ومضايقات للعرب وللمسلمين في بريطانيا كلها، وستكون القوانين أكثر تشدُّدا في تلك الجزيرة ليس لشيء سوى الشك في حياة وسلوك أي عربي أو مسلم يعيش هناك·
لقد جعل الظلاميون الجُدد من كل أعمالهم مساراً فارغاً من أي مضمون جهادي حقيقي، وعبَّرت تلك الأعمال عن سلوك تدميري ـ عدمي لا يهدف إلى شيء سوى إعدام الإنسان بقتله، وتدمير الحياة بتوتير الرعب واللااستقرار، وحصر صيرورة التاريخ في عقلية أداتية لا تملك سوى البارود والسيف والخنجر والمسدس والرشاش والقنابل وما أشبه من مميتات البشر، وصار مشهد كل أعمالهم لا يعدو أن يكون لعبة للالتذاذ بمعطياتها لا أكثر، وتصنيع متواصل لموضة لا يني ينتجها خيالهم العدواني في بقاع الأرض·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©