ملحق دنيا

الاتحاد

إعداد القهوة والشاي

لكبيرة التونسي (أبوظبي)

كشفت فعاليات مهرجان الشيخ زايد عن ثقافة الشعوب المشاركة فيه، عبر رحلته المستمرة حتى الأول من فبراير المقبل، مستقصية مختلف عاداتها وتقاليدها لتضعها بين أيدي زواره في قالب إبداعي، ما يضفي على فضائه الفسيح ألقاً خاصاً، ومن الجوانب اللافتة التي يلقي عليها المهرجان الضوء ثقافة تقديم الشاي والقهوة في أجنحة العديد من الدول المشاركة.
وتختلف المشروبات الساخنة باختلاف الشعوب، فهناك من يفضل الشاي وهناك من لا تفارق القهوة مجالسه ما يعكس جوانب من تنوع ثقافات تلك الشعوب وخصوصيتها.
تحظى القهوة باهتمام خاص في الإمارات، وتعد ضمن أجواء متفردة، ولا يقتصر تأثيرها على الرائحة والطعم فقط بل تتمتع بصوت جاذب، وهي سيدة المجالس ودلالة الكرم، ومن أجلها أنشدت الأشعار، ما أهلها لاحتلال مكانة بارزة في مهرجان الشيخ زايد، فلا تكتمل الجلسات من دونها في الأجنحة الإماراتية التي اتخذت أشكالاً متعددة، ما منح الزوار تجربة حقيقية أضافت إلى رصيدهم الثقافي والمعرفي، وجسدت عمق التقاليد التراثية وأصالتها.

حفاوة وكرم
وتحضر القهوة كطقس أساسي يومي في البيوت الإماراتية، وهي تقدم للضيوف أولاً ثم لأصحاب المنزل، ليتشارك الجميع في تناولها. وفي هذا السياق أكد مقدم القهوة علي صالح الدهماني أن نجاح صنع القهوة يبدأ باختيار نوع حبوب القهوة، ثم تحميصها على النار، وتبريدها ودقها في «المنحاز» الذي يصدح بصوته في المكان ليدعو الجيران والأصحاب لارتشاف فنجان قهوة، موضحاً أن من عادات الإماراتيين تقديم القهوة في فنجان كبير مع الحرص على ملء ربعه فقط، لأن إكثار القهوة في الفنجان قد يُفهم على أنه عدم رغبة في الضيف واستعجال لرحيله.
وأضاف الدهماني أن أجود أنواع القهوة تلك المعطرة بالهيل والزعفران وجوز الطيب وماء الورد وباقي المطيبات التي يتم اختيارها وفق الذوق الشخصي، وعادة ما تقدم مع التمر. وأوضح أن معدات صنع القهوة تتخذ أشكالاً وأنواعاً رفيعة المستوى تؤشر على المستوى الاجتماعي، كما أن هناك الدلال التي تحمل العديد من الرسومات اليدوية كمؤشر على قيمتها الكبيرة.

تنوع كبير
ومن الدول التي لديها عادات وتقاليد عريقة في تقديم الشاي المغرب حيث يتم إعداده بطريقة مميزة أمام الجمهور الذي يزور جناحه.
وعلى أنغام الموسيقى الأندلسية يستمتع الزوار بكؤوس الشاي المنعنع، التي تعبر عن الترحيب وكرم الضيافة. ويحرص مقدم الشاي الذي يرتدي الزي الصحراوي على تقديم الشاي بالخيمة الصحراوية بأكوابه وصوانيه وأباريقه الفضية والنحاسية المزينة بنقوش يدوية باذخة.
وللشاي رمزيته في الموروث الثقافي والشعبي المغربي، حيث يرمز لحسن استقبال الضيف، ويحتوي كل بيت مغربي على صالون تقليدي مجهز بأفخم الصواني الفضية المنقوشة يدوياً، توضع فوق المفارش والأغطية المطرزة، التي تختلف من مدينة لأخرى، ويرد الشاي المغربي أو كما يطلق عليه «أتاي» في دواوين الشعراء والأدباء، الذين أفردوا لهذا المشروب قصائد شعرية وزجلاً ومتوناً لم تترك صغيرة ولا كبيرة عنه إلا وأبرزتها.
إلى ذلك، قال محمد الكروي المشرف على ركن تقديم الشاي في الجناح المغربي إن للمغاربة من طنجة إلى الكويرة أذواقاً رفيعة في تذوق الشاي، الذي يختلف من منطقة إلى أخرى، فهناك الشاي الخفيف عند أهل الشمال، وهناك الشاي الثقيل في الجنوب والذي يطلق عليه الشاي الصحراوي الذي يجهز في طقوس خاصة جداً، كما أن هناك الشاي الذي تضاف له أعشاب يطلق عليها «التخليطة» التي تختلف بحسب فصول السنة. وأضاف أن طقوس إعداد الشاي تختلف من منطقة لأخرى إلا أنها تتوحد في طريقة صب الشاي، التي تتم من علو يثبت نجاح إعداد الشاي حين تعلوه الفقاعات أو الرغوة الكثيفة التي تكاد تملأ نصف الكأس، إلى جانب جمالية الأدوات المستعملة في تحضيره وتقديمه في أدوات مصنوعة من الفضة أو النحاس المزخرف، مع الاهتمام باختيار ألوان زاهية للكؤوس كالأحمر والأبيض والأزرق والتي تكون عادة مزركشة بالذهبي لمزيد من الأناقة. وذكر أنه نظراً لمكانة الشاي في الثقافة المغربية فإن عدته الفضية أو النحاسية المنقوشة يدوياً تعتبر من أفخم الهدايا التي تقدم لعزيز.

في الصدارة
ومن المجتمعات التي تحتفي بالمشروبات الساخنة المجتمع السوداني الذي حرص على تقديم نبذة عن ثقافته ونقله إلى جمهور المهرجان، ومن أهم تلك الموروثات تقاليد شرب القهوة. وفي هذا السياق، قالت منى حسن من الجناح السوداني إن للقهوة حضوراً كبيراً في وجدان السودانيين، وهي تحتل مكانة كبيرة في المجتمع، موضحة أنه عادة ما يتم التحلّق حولها وقت الظهيرة ما بين وجبتي الفطور والغداء، وتقدم في جلسات الأسر والأصدقاء والمصالحات واللقاءات القبلية. وأضافت أن لها طقوساً خاصة، بحيث يتم إعدادها وسط أجواء مبهجة، فخلال جمعة النساء، يتم تحميص القهوة ودقها بالمهراس (الهون) وسط أهازيج الحاضرات، لتقدم برفقة البخور والعطور ما يعطي الجلسة رونقاً خاصاً.
ولا تكاد القهوة تفارق مجالس السودانيين، حيث أكدت منى أنه يتم إعدادها في أوانٍ مصنوعة من الفخار، وتبدأ الطقوس باختيار أجود أنواع البن، والذي يفضل أن يكون من البن الكيني أو الحبشي، ثم يتم تحميصه على الفحم، ودقه في المهراس، موضحة أن هذه الطقوس تكون أمام الضيوف، ويفضل الإعداد على الفحم، لتفوح منها الرائحة النفاذة، وبعد ذلك يتم غليها على نار الحطب، ويضاف إلى القهوة الزنجبيل والهيل كمطيبات، وبعد أن تكون جاهزة يتم صبها في «الجبنة» وهي آنية فخارية، لافتة إلى أنه في شرق السودان تقدم القهوة في الجبنة، وأن تقديمها في آنية أخرى مهما كانت فاخرة يعتبر انتقاصاً من الضيف. وأوضحت أن الشاي يقدم مع الحلويات، مشيرة إلى أن للقهوة حضوراً قوياً في ثقافة المجتمع السوداني، بينما يأتي الشاي في الدرجة الثانية.

القهوة صديقة «المضافة»
في المجتمع السوري، تأتي القهوة على رأس مشروباته، وقال عدنان غانم، صاحب محل في المهرجان: إن القهوة العربية تحظى باهتمام بالغ لدى السوريين، وهي عبارة عن مسحوق البن الذي يتم غليه كثيراً، حتى يصبح لونه غامقاً، ويضاف إليه الهيل، لافتاً إلى أن القهوة العربية صديقة «المضافة»، وهي صالة خاصة لاستقبال الضيوف، وتقام بها جلسات للأصدقاء والعائلة، مشيراً إلى أنها ليست جلسة فقط، وإنما هي أيضاً موروث ثقافي يعبر عن أسلوب التعامل مع الجار، وجلسات الصلح، كما تعكس قيم العزة والكرامة والشجاعة، والعديد من القيم الأخرى النبيلة.

 

اقرأ أيضا

في يوم الحب.. تناول الطعام أمام المرآة