الأربعاء 18 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
السعادة 3
6 أغسطس 2005


قال تعالى (الذينَ يُوفُونَ بِعَهدِ اللهِ وَلا يَنقُضُونَ الميثاق) من المؤكد أن لكل مؤسسة قائدا وقدوة، وفي المؤسسة الزوجية الزوج هو القائد والقدوة، وتقع عليه مسؤولية إرساء دعائم الأسرة واستقرارها وسعادتها، لذلك كانت الفكرة الثالثة لتحقيق السعادة الزوجية هي وفاء الزوج لزوجته، والوفاء لا يعني استمراره في علاقته الزوجية معها فقط بل، بالتخلي عن السلوكيات التي تهدد هذا الكيان وإن كانت عفوية، أو هامشية ولا تتعدى مهاتفات أو رسائل عبر الجوال أو دردشة عبر الصفحات الإلكترونية، ورغم اعتقاد أغلب الأزواج أنها لا تهدد حياتهم الزوجية، وأنها لا تتعدى الكلام أو الرسائل، وقد لا يعتبرها البعض الآخر من الأزواج أنها خيانة زوجية·
لذلك أود أن أذكر كل زوج بدوره الرئيسي في تشييد أعمدة البناء الأولى والمهمة لهذه المؤسسة الاجتماعية والدينية والثقافية والتربوية، فالعلاقة الزوجية والأسرية ليست علاقة بين رجل وامرأة وأبناء فحسب، وإنما هي علاقة بينهم وبين أسرتيهم وبينهم وبين المجتمع بمؤسساته المختلفة·
لذلك فمن المهم أن يوفي الزوج لزوجته وفاء خالصا لله سبحانه، وأن لا ينقضه لأي سبب كان، وأن يبذل كل الجهود للمحافظة على هذا العهد وأن لا ينقض الميثاق مع زوجته عند أول فرصة تسنح له، أو عند تعرفه على أول امرأة بعد زواجه أو بعد ولادتها أو أول من ترسل له أية رسالة على الهاتف الجوال، فلا بد للزوج أن يقف وقفة قائد وقدوة وأن يرفض الانصياع لنزواته ليحافظ على ميثاقه مع الله أولا، وليعش سعيدا مع زوجته وأم أولاده، وأن يبادر عند وصول أية رسالة أو مهاتفة غريبة عنه بأن يحدث زوجته مباشرة عبر الجوال نفسه وأن يُلغي هذه الرسالة مهما كانت، وأن يتذكر زوجته عندما تكلمه بكل لطف ورقه، وليتذكر صورهم الأسرية بشكل سريع وطريقة استقبالها له يوميا بعد أن يعود من عمله وكيف تنشر السعادة على أجواء الأسرة والعلاقة الزوجية، بل وتجتهد لتوفر الأجواء الهادئة ليهنأ الزوج بساعات طيبة بعد يوم مجهد، فهل يصعب تذكر مواقفها قبل التعاطف مع من قد يحيط به من مغريات، ولا بد أن يرضى كل منا بنصيبه وقراراته، فربنا سبحانه قد اختار لكل منا الزوج والزوجة، ونحن استخرنا الله سبحانه وتوكلنا عليه وعزمنا أمرنا وتقدم الرجل ليخطب المرأة التي اختارها، وبذل الجهود لينال رضا أهلها ورضاها، فهل من الجدير بالزوج أن يدير وجهه عنها في أية فرصة يجدها ليخرق هذا الميثاق، وإن كانت لا تعلم ولكن الله يعلم فالميثاق مع الله أولا ومن ثم مع الزوجة، لذلك حرصت أن يكون السر الثالث من أسرار السعادة الزوجية محافظة الزوج على الميثاق والوفاء بالعهد الذي قطعه على نفسه مع الله سبحانه الذي يسر له أمر زواجه وأسعده بالزوجة الصالحة، وعليه أن يحافظ عليها ويسعدها ويوفر لها الأمن والأمان، وأن لا يدعها للشك والعذاب بوجود علاقات أخرى في حياته·
موقف وحوار
قد يقول البعض ليس لكل الرجال هذه الصفة فأغلب الرجال يحافظون على عهدهم وميثاقهم ويبذلون الجهود لإسعاد أسرهم، بالتأكيد هذا الكلام صحيح ولذلك فقد استقرت أسرنا وتميزت الأسر العربية بأنها قائمة رغم ما يهددها من ضغوطات متعددة، إلا أنني أتحدث في فكرتي هذه عن القلة الذين قد لا يهتمون كثيرا بالميثاق أو العهد الذي يقطعونه مع الله عند اقترانهم، وكان ذلك نتيجة لوجود بعض الرسائل التي استفزتني والتي تحدثت الزوجات فيها عن علاقات أزواجهن عبر الهاتف وطوال الليل، منهم من يشير إلى أن زواجهم في أشهره الأولى، وأخريات مضت سنوات عليه، وفي الحالتين تشتكي الزوجة بأنها تسمع زوجها يهاتف أخريات بكل نعومة ولطافة، وأخريات يخبرنني أنهن يعشن حياة زوجية سعيدة حتى بدأت علاقات زوجها تتعدد وأصبح لديه بدلا من الهاتف الجوال الواحد عدة هواتف، ويصرف وقتا طويلا في التحدث بهدوء يثير استغرابها، وعندما تود محادثته يخبرها بأنه مشغول جدا ولا وقت لديه لهذه المحادثات رغم أنه في إجازة وزوجته وأولاده أولى بهذه الساعات والمبالغ الذي ينفقها على غير أفراد أسرته، ومن الزوجات من يخبرنني أنهن ينتظرن انتهاء أزواجهن من العمل ليجتهدن في إسعادهم وتوفير أجواء الراحة والحنان لهم، ومع الأسف القلة منهم يقابل زوجته بالجفاء ويقابل الآخرين بالود والاهتمام والرقة وعذوبة الكلام مما قد يُشعر الزوجة بالإحباط أو بضعف الثقة في ذاتها ولا تعرف أين تلجأ وهي التي تود أن تحافظ على سر زوجها، وتحميه من الخطر الذي يحيط به، وهو منجرف بمشاعر زائفة وهمية لا صحة لها، بل وتُغضب الله تعالى، بينما زوجته تنتظر رضاه وعلاقته معها تُرضي الله ويؤجر على كل كلمة يتفوه بها معها أو لمسة أو مبادلة لمشاعره أو مشاعرها، ويبارك الله لهم بكل ذلك، ويسعد قلوبهم وقلوب أبنائهم·
ولنتذكر أن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم كان أوفى الناس بالعهود وأوصلهم للرحم، وفياً لأزواجه حتى بعد وفاة سيدتنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها وكان صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة يقول (أرسلوها إلى صاحبات خديجة)، ويحسن لصاحباتها ومنهن حسانه المزنيّة ويقول إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان، والكثير من المواقف التي ترشدنا وتدلنا على أهمية الوفاء في علاقاتنا الإنسانية وبالأخص العلاقة الزوجية ·
وأوجه سؤالي إلى كل زوج وزوجة
هل:
* تحافظ على عهدك الذي قطعته مع الله وثم مع زوجتك؟
* بدأت فعلا بالابتعاد عما يشغلك عن أداء حقوق زوجتك وأبنائك؟
* ترغب في تحديد أول أهدافك هو الوفاء بالعهد؟
* تعودت أن تكون صريحا مع ذاتك وتحاورها قبل أن تحاسبها يوميا؟
* تهتم بتوجيه زوجتك ومناقشتها لما تحبه وترغب في تحقيقه معها؟
* تغض البصر وتحتسب وتجدد النية لله رب العالمين؟
بداية الوفاء بالعهد
تبدأ فكرة الوفاء بالعهد كأحد أسرار علاقاتنا الزوجية السعيدة لدى كل زوج وزوجة: بالنية التي يضمرها في سريرته ثم بتحويلها إلى فكرة تسيطر على أهدافه وأعماله ومن ثم تتجسد بسلوكيات مشاهدة وغير مشاهدة إذ أن الوفاء شعور داخلي وهي سمة من سمات الأنبياء والرسل يدركه الآخر أحيانا وقد لا يدركه أحيانا أخرى، والوفاء من المشاعر التي يحملها أغلبنا وربما لم يتوصل البعض منا في واقعهم إلى معرفة الطرق والوسائل التي يعبروا فيها عنه، وقد يصف الآخر سلوكياتهم أحيانا بالسلبية، أو أنها غير مقنعة، علما أن أغلب الأزواج يبذلون الجهد ليحافظوا على عهودهم بصدق وعزيمة ويعدوها من ضمن وفائهم التام لزوجاتهم، ولكن ظاهر أعمالهم التي تراها الزوجة، أو قد تقرأها بشكل يختلف عن قراءة الزوج لها، لذلك فهي تحبط أكثر منه·
خطوات تدعم الوفاء بالعهد
لكل فكرة لا بد من وسائل لتدعيمها وإظهارها إلى الواقع والتعرف على نتائجها وآثارها، وكونها فكرة نتبناها لتكون هدفا لنا نسعى لتحقيقه وإسعاد أنفسنا وأزواجنا وأسرنا من خلاله، نركز على أهم الخطوات والطرق التي تدعم هذه الفكرة في حياتنا الزوجية والأسرية من خلال الوفاء لبعضنا:
** بالدعاء: كلما كنا أوفياء بالدعاء للوالدين وللأزواج وللأجداد ولجميع المسلمين كلما حصلنا على مثل ذلك في حاضرنا ومستقبلنا·
** بالكلمة: تعد اللغة من العناصر المهمة في عملية الاتصال ونقل الرسائل فإذا كانت هذه اللغة فيها النية للوفاء بمعانيها وصدق المشاعر والأحاديث والمواقف سيكون لها تأثيرها السحري وتؤدي بنا إلى السعادة ودوام المحبة والرحمة والألفة، وتُسهم في إشباع العين قبل الأذن والقلب والحواس الأخرى·
** بالابتعاد عن التشكيك وزيادة الثقة بالزوج، ومخاطبته بلهجة مؤكدة لوفائه للعهد، وتحمله المسؤولية وتذكيره بإيجابياته بين حين وآخر·
** بإظهار الزوج وكشفه لمشاعره الوفية الطيبة لزوجته، والابتعاد عن التجريح والاستهزاء، وليتذكر كل زوج أن هذه الزوجة هو الذي قرر اختيار الارتباط بها، بل وليتذكر يوميا ولأكثر من مرة إيجابياتها ومواقفها الإيجابية معه، وقدرتها على تحمل هفواته وأخطائه، بل وقدرتها على استيعاب ظروفه وتقديرها لمسؤولياته، ومبادراتها، ووفائها له، واحترامها لخصوصية علاقتها به، وليبدأ كل زوج من هذه اللحظة بالكشف عن المشاعر الصادقة الوفية لزوجته رغم مرور السنوات على علاقتهم الزوجية·
** باستثمار الأجواء الهادئة والمتفائلة والسعيدة في الحياة الزوجية، ومحاولة تحويل مشاعر الزوجة إلى مشاعر إيجابية، وأن يثبت كل زوج لزوجته من خلال العديد من المواقف بوفائه لها وحدها وأنها أهم الأشخاص الذيي يحرص على الوفاء بعهده معهم في حياته وأن يدمج كل هذه المشاعر بما يحمله من شجاعة وقدرة على تحمل الآخر والصبر عليه ·
** بالوفاء في الأحاسيس والمشاعر إذ أن إرسال رسائل إيجابية لأنفسنا وأزواجنا ستصل بأمانة للزوج وأكثر سرعة من الرسائل السلبية، ولنفكر بإيجابية وباهتمام وبحب ولنظهر حاجتنا للوفاء لزوجاتنا وأولادنا·
** بترديد عبارات إيجابية مثل (زوجي وفي لي لكنه يمر بأزمة لا بد من وقوفي بجانبه) (أنا متأكدة من وفاء زوجي لي وأنه يحبني فعلا) (وأن تقول كل زوجة لزوجها أنا متأكدة أنك تبذل الجهد لتُرضي الله سبحانه وتُرضيني وأنا أدعو لك بالثبات والتوفيق) ، كل هذه العبارات وعبارات أخرى فيها العذر والتسامح والإحسان والوفاء·
** باستبدال كل منا فكرة كيف أجعل الآخر وفيا لي؟ بفكرة كيف أكون أكثر وفاء بعهدي مع الله ومع ذاتي والزوج الآخر·
لنتذكر قوله تعالى (واذكُرُوا نِعمةَ اللهِ عليكُم وميثاقَهُ الذي واثقكُم به إذ قلتُم سمِعنَا وأَطَعنَا، واتقوا الله إن الله عليم بذاتِ الصُّدُور) ·
وبتكرار كل هذه السلوكيات ليس من الزوجة فحسب بل من الزوجين معا وللآخر سنصل إن شاء الله إلى السعادة الزوجية ·
استودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©