الخميس 26 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
العود يزيل الوحشة ويكسر الحدود
العود يزيل الوحشة ويكسر الحدود
6 أغسطس 2005
دبي ـ أمل النعيمي:
بينما كنت أسير على عجل، شاءت الصدفة أن تقع عيني على اسم (دندنة)، ودفعني حب الفضول لمعرفة ما يختفي وراء هذا الاسم الجميل، فولجت إلى المكان، وإذ بي اقابل صاحب المحل غارقاً بين عشرات النماذج من آلات العود الساحرة، ودار بيننا حديث خلته للوهلة الأولى من ذلك النوع من الحديث المعتاد الذي يدور بين البائع والشاري، لكنني اطلت المكوث فتفتحت أمامي كنوز المعرفة الموسيقية مع السيد عبدالفتاح الحسن الذي اخذ يميط اللثام عن نفسه وعن ما يحمله من معارف عن آلة العود التي تملأ المكان·
حدثنا عبدالفتاح عن سر هذه الآلة الوترية التي رافقت الانسانية منذ العصور الأولى، وما حازته هذه الآلة من أهمية في الغناء العربي المعتمد على (السلطنة) والغناء الارتجالي الذي عماده حناجر المطربين وإبداعاتهم في الدندنة، فقال: الهواية هي التي أوصلتني إلى التعمق في دراسة الموسيقى منذ سنة ·1988 انا من مواليد الكويت، ودرست الموسيقى فيها ثم في مصر وعملت بهذا المجال إلى الآن، ومن الهواية والدراسة والحرفة تشعبت إلى صناعة وصيانة وتجارة آلة العود وآلات كثيرة في المحل·
عملت بداية في ورشة (سالمين) بالكويت وكانت هذه الورشة الشهيرة هي الأجود بين آلات العود المطروحة في السوق، قبل ذلك كانت ورش بغداد والبصرة هي الأهم، وذلك قبل حرب الخليج الثانية ونتيجة للظروف السياسية تقلص دور العراق بهذا المجال، وإذا عرجنا قليلاً على التخصص نجد ان مصر اشتهرت بصناعة آلة القانون، وسوريا بالناي لوجود القصب الحلبي الجيد فيها، وإيران بآلة النطور، وتركيا بالبزق والعراق بآلة العود، وبذلك غدا العراق ذا سمعة عالمية جعلت كبار الملحنين والمطربين في العالم العربي يفضلونه دون غيره وكان هناك عوادون مشهورون مثل محمد فاضل وآخرين تعلم على يدهم هذه المهنة الكثير من الصناع·
بدايات الصنعة
يضيف قائلاً: استمر الحال بي من 88 ـ 94 في الكويت، وبعدها اتيت إلى الامارات واستقر بي المقام وعملت ورشة باسم (دندنة) لصناعة وصيانة وتجارة آلة العود، وبعدها ازدادت فروعنا من أبوظبي إلى الشارقة 1991 وأخيراً تم افتتاح فرع العين·
رغم ان الموسيقى كفن ودراسة اكاديمية مهملة في الامارات، كما يقول عبدالفتاح، إلا انها دخلت في كل مجالات حياتنا حتى رنة الموبايلات ولكنها لم تمارس حقها في تعليم الجيل·
إذا تحدثنا عن آلة العود لابد لنا من الرجوع وتقليب صفحات التاريخ الانساني القديم حيث كان الإنسان يبحث عن الانس في حياته الموحشة بسماع نغمات تدخل السرور إلى نفسه أو تجعله اكثر استرخاء وتقرباً في أداء واجباته الدينية والحياتية، فيقال ان آلة العود ظهرت في الممالك القديمة قبل الميلاد وان من اخترعها هو (لامك) احد ابناء سيدنا آدم عليه السلام، وتناقل البشر هذه الآلة من تلك العصور إلى العرب حتى اصبحت أهم آلة وترية يعتمد عليها في التلحين والغناء وما زالت، وحتى وقت قريب من تاريخ الإسلام ظهر العديد من العازفين في العصر العباسي مثل اسحاق الموصلي وزرياب، وظل العود ذا منزلة ومكانة كبيرة عند العرب وقامت على هذه الآلة نهضة موسيقية غنائية، وكان لها دور أساسي في التدوين الموسيقي وكان من الفلاسفة الذين اعتمدوا على الموسيقى في نظرياتهم الكندي والفارابي وابن سينا مستعينين بآلة العود كأساس لها·
صناعة الآلة
خشب السيسم والأنبوس هما أفضل الأنواع لصناعة آلة العود كما يقول عبدالفتاح الحسن: من يريد اقتناء آلة عود لابد ان يعرف مم صنعت وكيف؟ فعادة يصنع من خشب الزان أو الورد أو الجوز أو السنديان أو الليمون وأفضلهم على الاطلاق خشب السيسم أو الأنبوس وهما أغلى الأنواع حتى اننا نشم رائحة زكية حال نشرنا لخشب السيسم الذي نستوردة عادة من الهند، السر في أفضلية الاخشاب ان مسامات الخشب ضيقة ومليئة بمادة زيتية وليست رطبة، ولا تتأثر بعوامل البيئة المحلية، وكلما زاد عمر العود وتقدم كان أداؤه أفضل·
تشريح آلة العود
ويشرح عبدالفتاح أجزاء العود فيقول أن صدره أو وجهه يصنع من خشب (الجوز) البيانو ويسمى (وجه بيانو قديم) وهو بالعادة يكون من خشب سويدي أو ألماني، وتصنع المفاتيح من خشب الأنبوس أو الزيتون أو السيسم، أما الأوتار فقد صنعت قديماً من أمعاء (القطط) واستبدلت لتأثرها بالبيئة المحيطة واطلاقها أصواتاً ليست عالية الجودة أو خفيفة·
أما في عصرنا الحالي كما يقول عبدالفتاح: فاننا نستورد الأوتار من النمسا أولاَ، ثم ألمانيا وتليها أميركا وأخيراً ايطاليا، ويصنع الوتران الأوليان من النايلون ونسبة من الكريستال لكي لا يتمدد الوتر كثيراً، أما الأوتار الثلاثة الأخرى فتصنع من الحرير المغطى بسلك ملفوف بمعدن فضي فوق الحرير وهذا هو الأفضل على الاطلاق إلى الان وهي أوتار جاهزة نستوردها من الخارج·
ويسند وجه العود بجسور هي بمثابة أعمدة أو ركائز تثبت على الطاسة أو (بطن العود)، وتكون عليها الزخارف على شكل دوائر ثلاث إما عمودية أو هلالية أو مثلث ولا علاقة لها بالصوت، بل هي شكل جمالي يحبذه بعض الناس وحسب الذوق الفردي، بالنسبة لي انا كصانع لهذه الآلة ومتمرس فيها، أرى اننا لابد ألا نبالغ بهذه الزخارف خاصة ضمن الأجواء البيئية في المنطقة، فهي تضعف العود وتقلل من متانته، حيث اننا بهذه الزخارف نقوم بعملية تفريغ كمية من الخشب ويكون ضغط الوتر كبيرا مما يجعل العود يتقوس من ناحية الوجه، مما يضطرنا إلى تغير الوجه دائماً، وهنا نرى الفرق عن آلة الكمان والجيتار اللتين تتشابهان من حيث الأداء الفردي والوتري والمحمل والقرب من العازف لكننا كشرقيين نحب البهرجة والتزيين في كل شيء، فنحشو آلة العود بالموازيك والصدف وأي شيء نستخدمه في حياتنا·
ويسترسل عبدالفتاح بشرح الأجزاء الاخرى للعود، قائلاً: تثبت على وجه العود قطعة خشبية من 12 فتحة محفورة بشكل متواز تشد عليها الأوتار وتربطها بالمفاتيح أو (الملاوي) والتي ترتكز على المخدة أو الأنف، ويصنع من خامتين هما إما خشب السيسم أو العاج أو من عظم الأبقار (الفخذ بالذات) ويقص هذا الأخير ويستخرج منه (3,50 ـ 4 سم طول) وبسمك واحد سم، وتخطط عليه (12 خطاً) كمجاري للأوتار قبل تثبيتها على المفاتيح، ويتراوح طول الوتر بين (90 سم إلى متر)·
أما الريشة التي يتم العزف بواسطتها، فهي مصنوعة إما من البلاستيك أو النايلون أو قرون الغزلان، حيث تسنفر القرون وتنقع بالزيت إلى ان تلين، وقديماً استخدم العازفون الريش كالنسر والنعام، ومنها ثبتت تسمية الريشة·
حسابات هندسية
ولابد من ذكر أنواع العود، فهناك العود ذو الخمسة أوتار أو الستة، وقد تعددت احجامه وهو مستخدم حسب المناسبة والعازف، فهناك الحجم الكبير 4/4 ، والعود المتوسط 3/4 ، والصغير 2/،4 وذلك وفق قواعد حسابية ونظريات هندسية معينة من حيث تحديد الطول للوتر من الأنف إلى الفرس، وقد يضيع الصوت إذا اختلت احدى القياسات عن المتعارف عليه·وهناك مدرستان في العزف هما: الطربي، والسحب، والأخيرة تهتم بالتكنيك ومن أشهر عازفيها: منير بشير ونصير شما اللذان يهتمان بالتقاسيم الخاصة ومهارات العزف، وقد اهتم نصير شما بحركة الوتر (البصم) والتي تعتمد على الأصابع دون الريشة، وقد برع في العزف والتأليف لآلة العود كثيرون منهم: فريد الاطرش وعمار الشريعي ومارسيل خليفة واحمد الجميري وخالد الشيخ واحمد فتحي، ومن الملاحظ ان الوطن العربي يستخدم الآلة كعماد للأداء، وانا استخدم الاثنين، ولكنني اتكئ على النوع الطربي وهو اكثر شمولاً وقدرة على التعبير الجماعي·بالنسبة لمجتمع الامارات، تظل آلة العود هي الأولى رغم دخول آلات عديدة حديثة إلكترونية فالعود هو أبو الآلات جميعاً رغم انخفاض شعبيتة في بعض المجتمعات العربية ولكنني اؤكد ان المجتمع الخليجي لا يستطيع الاستغناء عن هذه الآلة في جلساته وأداء اغنياته الحديثة أو التراثية·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©