الاتحاد

مهرجان قصر الحصن

«الجلسات الشعبية» تجسد مشهد التآخي في المجتمع الإماراتي

جنسيات مختلفة جمعها المهرجان على مائدة واحدة (الاتحاد)

جنسيات مختلفة جمعها المهرجان على مائدة واحدة (الاتحاد)

نسرين درزي (أبوظبي) - منذ اليوم الأول لانطلاق فعاليات مهرجان «قصر الحصن»، كان لافتا تجمع الضيوف في حلقات رجالية ونسائية، تظهر أن جمهور المهرجان لم يأت بقصد الاطلاع على جانب بعينه. وإنما كان القصد من الزيارة الاستمتاع بالموقع وتمضية وقت كاف هناك برفقة الأهل والأبناء والأصدقاء؛ في تجسيد للجلسات الشعبية بكل ما فيها من تفاصيل التآخي والتلاحم، وهي من صميم المجتمع الإماراتي القائم على نقل عادات الأجداد وتقاليدهم إلى الأجيال الناشئة. وهو ما تم التركيز عليه في أكثر من ركن داخل باحة فعاليات مهرجان قصر الحصن في إشارة إلى هذه المظاهر الاجتماعية الجميلة. والتي تلخصت في ركن الاستراحة، وتناول الطعام جنبا إلى جنب الضيوف من مواطنين ومقيمين وزوار.
تبادل الأطباق
ما بين التجول في أجنحة القرية التراثية إلى انتظار مواقيت العروض الشعبية والمسرحية، فإن المحطة الأساسية التي ينتقل الضيوف منها، وإليها هي تلك المجالس المفتوحة على الهواء الطلق. والتي تتوسط باحة القصر لتشكل ملتقى استغله المنظمون للإضاءة على جزئية تبادل الأطباق الشعبية نفسها ضمن جلسة ودية. كما كان يحدث في الماضي وحتى اليوم داخل عائلات كثيرة تحرص على قيم الأولين وأصالة سماتهم وصفاتهم. والجلسات التقليدية الموزعة بشكل دائري، ومنها على الأرض أو حول الطاولات، وشهدت على مدار أيام المهرجان إقبالا كبيرا من العائلات.
واللافت تردد الأجانب إليها فرحين بشراء المأكولات التراثية للاستمتاع بتجربتها وتناولها سويا بحسب الأجواء الإماراتية الطاغية على الموقع برمته. وهناك، حيث يحضر «الثريد» «ومكبوس» اللحم والدجاج وأصناف المرطبات بالزجاجات القديمة، يحلو تأمل المحيط المتباين لمدينة أبوظبي، والتي تزخر باللحمة الوطنية ما بين أصالة القدم عبر المهرجانات التراثية والتأكيد على الهوية الوطنية، والنمو العصري بكل ملامح العمران والتقدم الظاهرة على كل زاوية في العاصمة.
كرم الضيافة
من بين الجالسين ضمن الحلقات الشعبية، سعد الحوسني، الذي جاء برفقة أبنائه، يقول إنه يفتقد إلى هذا النوع من اللقاءات التراثية خارج إطار المهرجانات. ويضيف أنه بحكم سكنه على مقربة من قصر الحصن، يزور المكان باستمرار، مؤكدا أنه سيشعر بالوحشة بعد انتهاء فعالياته.
ويتحدث الحوسني عن أهمية التلاحم في المجتمع التقليدي لشعب الإمارات، ويعتبر أنه من أجمل الصفات التي تتمثل بها البيئة المحلية، هي كرم الضيافة وحسن الاستقبال، وهذا ما يتم تجسيده عبر المهرجان. ويذكر أنه عدا عن تقديم التمور والقهوة العربية في المجالس، فإنه لا بد من إكرام الضيف ببسط الولائم الدسمة له، وإذا أمكن تقديم الذبائح كتعبير عن الحفاوة التي لم تعد موجودة في مجتمعات كثيرة.
ويعلق فيصل العامري على ضرورة نقل الصورة الواضحة لمجتمع الإمارات إلى الضيوف الأجانب الذين لم يطلعوا من قبل على العادات المحلية. ويذكر أن غالبيتهم يعربون عن انبهارهم بمشهد التكاتف والتحاب الذي يغلب على علاقات الإماراتيين. وهذا بحد ذاته مدعاة فخر لأنه دليل على أصالة التعامل مع الآخر، والتي تنبع من الداخل وتنطبق على التعامل مع الجميع. ويشير العامري إلى أن مجتمع الإمارات الذي يضم أطيافا من الجنسيات مختلفة، ظل صامدا أمام كل التغييرات التي أصابت صميم العادات لشعوب كثيرة. ويرى أن إصرار الإماراتيين على مبادئهم والتزامهم بالقيم النبيلة التي يحث عليها الدين والعرف، كان دائما الدافع من وراء الصورة المشرفة للشعب والوطن.
مذاقات
توافد جماهير «قصر الحصن» على الجلسات الشعبية لم يقتصر على فئة بعينها، وإنما كان الحضور النسائي لافتا. إلى ذلك، تذكر ليلى المرر أنها استمتعت بتناول «الثريد» مع زوجها وأبنائها ولاسيما أن الجو هذه الأيام معتدل، ومن الجميل الخروج إلى الهواء الطلق. وتقول إن مذاق الأطباق الشعبية في مثل هذا النوع من المهرجانات التراثية يكون لذيذا، لأن مشاركة الناس الفرحة نفسها يزيد من الأجواء الحماسية. وتثني المرر على توزيع المقاعد العامة بشكل يسمح للجميع بالشعور بنبض المناسبة الوطنية التي تلمس حتى من هم من غير المواطنين، معتبرة أن الوجوه الأجنبية الكثيفة في أرجاء الموقع، تدل على اهتمام الجميع بالتعرف من قرب إلى طبيعة الحياة التقليدية في مجتمع الإمارات.
وتؤكد كلامها الألمانية كلاوديا لوفور، التي كانت تتمتع بتذوق «مكبوس اللحم» يرافقها زوجها فيليب وصديقتها بيارييت. وهي تقول إنها المرة الأولى التي تحضر فيها مناسبة وطنية على هذا المستوى من الضخامة. وتعتبر أن أفضل ما في الأمر إصرار الإماراتيين على عرض تراثهم وأصالة الماضي الذي يفاخرون به. وترى لوفور أن تجمع زوار المهرجان في الجلسات الشعبية، وتناول الأطباق سويا أو ارتشاف القهوة العربية، مظهر جميل تفتقد إليه شعوب كثيرة لا تهتم بموروثها الثقافي.
عادة جميلة
يقول عماد القاضي إنه اصطحب زوجته وأمها إلى المهرجان أكثر من مرة للاستمتاع بأدوات القرية التراثية ومشاهدة العروض المصاحبة. وإنه في كل زيارة لهم كانوا يتقصدون أخذ استراحة طويلة ضمن الجلسات الشعبية لتناول المأكولات الإماراتية ومشاركة الناس فرحتهم عبر تأمل وجوه المتجولين. ويذكر أن أكثر ما لفت انتباهه في الحدث الحرص على تضمين فقراته تفاصيل من مفردات الماضي التي لاتزال تستخدم حتى اليوم. ويشير القاضي إلى أن فكرة توزيع الجلسات الخارجية على هذا النحو لم يأت صدفة، وإنما للدلالة على أن هذه العادة الجميلة لتواصل الإماراتيين مع بعضهم ومع الآخرين لاتزال موجودة إلى اليوم. وهذا برأيه سبب نجاح مختلف فقرات المهرجان التي اصطحبت الزوار إلى الماضي من دون أن يشعروا بفارق كبير مع الحاضر.
الرأي نفسه يسجله علاء قني، الذي يشيد بفكرة تحضير المأكولات الشعبية وتقديمها لزوار المهرجان في إطار لائق على هذا النحو. ويقول إنه جلس لأكثر من ساعة يتلذذ بالأطباق الشعبية ولم يشعر بالوقت بانتظار بدء عرض الملحمة الفنية «قصة حصن مجد وطن». ويعتبر قني أن مواصلة العمل على تنظيم مثل هذه الفعاليات التراثية داخل أبوظبي، يلعب دورا بارزا في تقديم الشرح الكافي عن طبيعة العيش في زمن الأجداد. وما تكبدوه من عناء، وبالرغم من ذلك لم يتناسوا أبدا مبادئهم المتمثلة في كرم الضيافة.

اقرأ أيضا