الاتحاد

مهرجان قصر الحصن

«جلسات القهوة العربية».. أجواء من الألفة تنسجها ساحات قصر الحصن

القهوة العربية مرتبطة بإكرام الضيف (تصوير عمر عسكر)

القهوة العربية مرتبطة بإكرام الضيف (تصوير عمر عسكر)

مفترشاً الرمال إلى جوار حطبه المشتعل تحت دِلال القهوة العربية، أخذ الوالد سيف الدهماني في استقبال ضيوفه من زوار مهرجان قصر الحصن، ممن تحلقوا حول مشهد فريد من حياة البادية كثيراً ما قرأوا عنه أو شاهدوه عبر شاشات التلفاز والسينما، ولكنهم وللمرة الأولى يعايشونه بأنفسهم ويرونه رأي العين في ساحة قصر الحصن، ويتلذذون بشرب القهوة العربية في أجواء نسجها زخم من فعاليات تراثية مستوحاة من أعماق البيئة الإماراتية، جاءت ضمن الاحتفالات المهيبة بمرور 250 عاماً على إنشاء قصر الحصن.

أحمد السعداوي (أبوظبي) - بعد أن فرغ الوالد سيف الدهماني من تقديم القهوة لزائريه وفق «سنع» الضيافة الإماراتية، في إطار مشاركته في فعاليات مهرجان قصر الحصن، تحدث إلى «الاتحاد» عن جلسة القهوة العربية باعتبارها ملمحاً رئيساً من ملامح حياة أهل الإمارات، وغيرها من الشعوب العربية التي اتخذت من الصحراء صديقاً لها رافقها في مسيرة حياتها عبر آلاف السنين.
أنواع «الدلات»
يقول الدهماني، إن جلسة القهوة في البر، ترتبط بطلعات البر أو رحلات المقناص في مواسم الصيد، وهذه الجلسة تحتاج إلى الحطب والدلال والفناجين وأدوات إشعال الحطب والقهوة والتمر، موضحاً أن حطب السمر هو أفضل أنواع الحطب لكونه لا يسبب كميات كثيرة من الدخان مثل باقي أنواع الحطب.
يذكر أن العامة لا يستخدمون سوى دلة واحدة لغلي وتوزيع القهوة على الضيوف، غير أن الشيوخ والتجار وكبار القوم لا بد أن يكون لديهم ثلاثة أنواع من الدلال، وهي اللقمة (لتلقيم القهوة)، أي يتم استخدامها في غلي القهوة، والمزلة (التي يصب بها القهوة التي تم غليها من أجل توزيعها على الضيوف)، والخمرة (التي يضع بها القهوة الزائدة عن الحاجة وتظل موجودة على النار حتى تبقى ساخنة).
وعن أنواع الدلات التي كانت سائدة في الإمارات قديماً، يورد الدهماني الذي علت وجهه علامات أعوامه التي تخطت الستين، أن الدلات جميعاً كانت تصنع من النحاس؛ وهي سبعة أنواع كان يتم جلبها من أماكن متفرقة وتتمثل هذه الأنواع في الدلة العمانية (تنتسب لسلطنة عمان)، والحساوية (من منطقة الإحساء في السعودية)، والنجدية (من نجد في الجزيرة العربية)، والحيلية (من حائل في السعودية)، والقريشية (من مكة)، والبغدادية (من بغداد)، وأخيراً رسلان (ويتم إحضارها من بلاد الشام)، وإلى الآن لا زال تصنيعها جارياً في سوريا وكان الوالد الدهماني يسافر إلى سوريا خصيصاً لإحضار بعضاً من دلال رسلان، حسبما يقول.
أنواع القهوة
حول أنواع القهوة، يوضح الدهماني: «بالنسبة للقهوة، كان شائعاً في السابق نوعان فقط، الأول هو القهوة السيلانية وكانت تأتي عن طريق الهند، والقهوة الحبشية وتأتي عن طريق اليمن، أما الآن فأصبح هناك أنواع عديدة من القهوة تأتي من أماكن مختلفـة، مثـل البرازيـل، وأميركـا، والهند».
وعن الإضافات التي يتم مزجها بالقهوة العربية، وتمنحها ذلك المذاق الساحر، يذكر الدهماني أن هذه الإضافات أُطلق عليها اسم «الجناد» بلغة أهل الإمارات قديماً، وجناد الدلة متنوع ومنه الهيل، والزعفران، والقرنفل، والقرفة، ويمكن لمُعد القهوة أن يضع بعض هذا الجناد ممتزجاً مع بعضه، أو يضعه منفصلاً في الدلة، بحسب المذاق الذي يفضله شارب القهوة.
وجناد القهوة الرئيس، والذي لا يمكن أن يستغنى عنه أي شارب للقهوة العربية ومتذوق لها، هو التمر، فلا قهوة عربية يمكن الاستمتاع بشربها دون تناول حبات من التمر معها، حسبما يؤكد الدهماني، الذي يوضح أن الفناجين في السابق كانت كبيرة الحجم قياساً إلى الفناجين التي يستخدمها الناس حالياً.
وعن آداب شرب القهوة بالنسبة للضيوف، يوضح الدهماني أنه بعدما يجلس الضيف، ويتم تقديم القهوة إليه وباقي واجبات الضيافة من مأكل ومشرب على أفضل ما يكون، يقوم بسؤاله عن القبيلة التي ينتمي إليها ويسأل عن أحوالها وشيوخها، وفي حال كان هذا الزائر غريباً، وليس للمضيف علاقة سابقة به، وإذا كان بينهم سابق معرفة يسأله عن أحوال أهله ويطمئن على كافة أخباره وأحواله.
المقلاة والمحماص
عن أدوات تجهيز البن قبل تحويله إلى قهوة، يوضح الدهماني أن أهم هذه الأدوات هي مقلاة حديدية التي يتم تسوية البن فيها على النار، والمحماص الذي يستخدم لتقليب البن حين تسخينه، ويتم هذا التسخين حتى يصبح لونه أشقر أو أحمر أو أسود، ويزداد درجة قتامة اللون كلما زاد وقت وضع البن على النار. ويلفت الدهماني إلى أن أغلب سكان منطقة الخليج يحبون تحميص البن إلى أن يصبح لونه «أحمر دم الغزال»، بحسب تعبيره. وبعد التحميص يتم وضع البن في المدق أو المنحاس، حيث يتم تنعيمه واستخدامه في عمل القهوة.
وهناك فائدة أخرى لهذا المنحاس، يقول الدهماني، الذي تزخر ذاكرته بقصص لا تنتهي عن التراث الإماراتي وحكايات الأجداد، إنه كان يستخدم أيضاً في إيقاظ أهل الدار لتأدية صلاة الفجر كون صوت دقاته تسبب رنيناً مميزاً قادراً ليس فقط على إيقاظ أهل الدار، بل أهل الفريج جميعاً بغرض تأدية الصلاة في وقتها، كون كل المنازل كانت مبنية آنذاك بخوص النخل وجريده، وهو ما يسهل انتقال الصوت في الفريج

الظهور الأول
يسرد سيف الدهماني حكاية ظهور القهوة للمرة الأولى في الجزيرة العربية، تبعاً لحكاية يرويها الأقدمون، ولا يعرف الدهماني هل كانت الحكاية حقيقة أم لا. يقول «يروى أن واحداً من أهل اليمن، كان لديه قطيع من الغنم، والفحل المرافق له، كان يومياً عند غروب الشمس يبتعد عن القطيع لفترة ثم يعود مرة أخرى، ما أثار فضول صاحب القطيع، فذهب ليستكشف الأمر، فوجد الفحل يأكل من شجرة البن؛ فأمسك صاحب القطيع بواحدة من هذه الثمار وأكلها ليجربها، فلم يجد لها أثراً، ثم وضع بعضه في ماء وقام بغليه ثم شربه، ولم يشعر بأي تغيير، فأعرض عن هذه الثمار، ولكن في اليوم التالي وفي الميعاد نفسه شعر صاحب القطيع برغبته في الذهاب إلى تلك الشجرة وأخذ بعض ثمارها وغليه في الماء ثم شربه، وهكذا عرف العرب الأقدمون القهوة».


قصائد شعرية

لفرط تعلق العرب بالقهوة، قيلت فيها قصائد شعرية كثيرة حفلت بمعاني التقدير والحب لهذا المشروب الذي رافقهم في صيرورتهم على أرضهم ومكابدتهم لحياة الصحراء، ومن هذه الأشعار ما يورده سيف الدهماني:
«يالقهوة بتشارع وياش.. ليوصل منش عشرين
محلاش يوم الريم تجلاش.. ومحلا صبش في الفنايين»
والمقصود بالبيت الأول أن هذا الإنسان يصارع من أجل الحصول على مَنّ من القهوة (المَّنّ يساوى أربعة كيلوجرامات)، والعشرين في ذلك الوقت تعادل عشرين ألف درهم في أيامنا هذه. أي أنه يصارع للحصول على أربعة كيلوجرامات من القهوة بمبلغ يعادل عشرين ألف درهم، وهو كناية عن القيمة الكبيرة للقهوة لدى أهل البادية
أما المقصود بالبيت الثاني، فالشاعر يتغزل بالقهوة حين تقوم بإعدادها المرأة (رمز إلى المرأة بالـ «ريم»)، كما تغنى بجمال شكل القهوة حين تقوم تلك المرأة بصبها في الفنجان.

اقرأ أيضا