الاتحاد

مهرجان قصر الحصن

طقوس الحناء ونقوشها.. أسرار تكشفها «الجدات»

سيدة داخل خيمة شعبية تقوم بصناعة الحناء  (تصوير عمر عسكر)

سيدة داخل خيمة شعبية تقوم بصناعة الحناء (تصوير عمر عسكر)

نسرين درزي (أبوظبي) - جلسة الحناء من الفقرات التراثية المحببة، التي تضمنها مهرجان قصر الحصن، في دلالة على واحدة من أقدم طقوس الزينة في مجتمع الخليج والتي لطالما تمسكت بها ابنة الإمارات من عهد الجدات. وقد تم تجسيد مراحلها بالطريقة التقليدية من داخل خيمة شعبية افترشتها النساء بعباءاتهن وبراقعهن تماما كما كان يحصل في الماضي. جلسن يحضرن الأدوات طازجة ويمزجنها مباشرة أمام الزبونة للإشارة على جودة الحناء، وذلك بعد أن تسأل عن اللون الذي ترغب فيه وما إذا كان يميل أكثر إلى الأحمر أم الأسود. مع التركيز على اختيار النقوش، والتي تشرح المختصات بفنونها كيف تطورت ما بين الأمس واليوم، ولم تعد خطوط معينة فيها تقتصر على مناسبة بعينها.
أسرار الحرفة
لقطات كثيرة في عملية تحضير الحناء تستدعي الاهتمام اليوم في عصر الاستسهال بكل شيء حتى في أمور الزينة. ومن اللافت أن نرى نساء مسنات لا يزلن يحافظن على هذا الموروث الشعبي بكل حذافيره بدءا من الإتيان بأوراق الحناء المجففة والإمعان بدقها وترطيبها باللومي ومنقوع الشاي حتى يتماسك الخليط.
وهذا ما أصرت شيخة محمد على شرحه بالتفصيل، مشيرة إلى أن نسبة غير قليلة من كبيرات السن في مجتمع الإمارات يفضلن تجهيز الحناء بأنفسهن على اعتبار أن في الأمر سرا من أسرار الحفاظ على العادات. كما إن اللون يأتي داكنا كلما كانت أوراق الحناء مدقوقة جيدا بعد تعريضها مباشرة للشمس.
وتقول شيخة إنها تهوى رسم نقوش الحناء على أيدي النساء لأنها تكتشف في كل مرة خطوطا جديدة يمكن أن تلائم سيدة أكثر من أخرى، بحسب لون البشرة وحجم اليد، وما إذا كانت المحناة متزوجة أم عزباء. وتوضح أن النقوش على اختلافها باتت اليوم مباحة للجميع بحسب الرغبة. في حين أن المرأة قديما كانت تلتزم بالرسوم ونوع المناسبة، وما إذا كانت ذاهبة إلى عرس أم حفلة عادية، أو مجرد التحني للتبرد من حر الشمس. وتشرح شيخة أن الأمر اختلف في العصر الحالي حيث باتت الحناء تميل أكثر إلى الموضة، ولم تعد مشروطة للمناسبات الكبيرة، وإنما باتت كنوع من التغيير والترتيب والتجمل.
تقليد محلي
تروي عائشة سيف التي كانت ممعنة في تزيين امرأة أجنبية بورود من الحناء، إن هذا التقليد الإماراتي مطلوب من الجنسيات الأخرى، حيث تسجل الكثير من الأجنبيات إعجابهن به. وتذكر أنها منذ اليوم الأول لانطلاق فعاليات المهرجان وهي تعمل على نقل هذا الموروث للزائرات سواء المواطنات من الجيل الجديد أو الأوروبيات وحتى الآسيويات. وتلفت إلى أن أكثر ما يجذب النساء إلى مادة الحناء أنها كلما كانت رقيقة أثناء التزيين ظهرت بعدما تنشف واضحة ولافتة وكأنها رسم بالألوان. وتقول عائشة إنه من المهم جدا أن تحضر هذه الحرفة في مختلف المهرجانات التراثية لأنها تقدم مفهوما خاصا عن المرأة الإماراتية التي مازالت تحرص على التمسك بتقاليدها حتى مع تبدل الأزمنة. وتنقل الرضا الذي لمسته من كل امرأة دخلت إلى خيمة الحناء حيث تعمل مع زميلاتها بالتناوب ما بين الفترتين الصباحية والمسائية. وهي تفخر بأنها علمت بناتها كيفية تحضير مادة الحناء بحسب الطريقة الأولية وإن كن يفضلن شراءها جاهزة. والسبب أنها تريد من وراء ذلك المحافظة قدر المستطاع على موروث تناقلته الجدات بأمانة ليصل إلينا اليوم على هذا النحو من الإبداع.
عن طريقة تحضير الحناء بالطريقة القديمة، تذكر بدور الرشيد أنها كانت تعجن بالماء والليمون اليابس المعروف بـ”اللومي”. وأنه كلما أرادت المرأة أن يكون اللون داكنا عليها إضافة المادة بكميات أكبر وعلى مراحل متتالية.
وتقول إنه بالرغم من انتشار الحناء الجاهزة بالأسواق، غير أنها تفضل تحضيرها بنفسها للزبونة لأن الأصناف الجاهزة تتضمن أحيانا مواد كيماوية ضارة. وهذا برأيها ما يميز بين “حناية” وأخرى، ولاسيما أن الإماراتيات خبيرات في مجال الحناء ويعرفن جيدا التمييز بين النقوش وجودة الرسم. وتضيف أنهن يبحثن باستمرار عن اللافت منها والجديد، لأن القصد من التحني هو الشعور بالبهجة وإظهار الأناقة.
وتوضح الرشيد أن الحناء وإن كانت اليوم أكثر طلبا بالنسبة للتزيين والنقوش، إلا أن البعض وإن بنسبة أقل يطلبنها لتلوين الشعر. ولاسيما أن الحناء مادة طبيعية تعتني بجمال الشعر وصحته وجاذبيته. وهي تعمل على التخلص من التقصف والتلف ومنح الخصلات الخارجية مظهرا لامعا. وتؤكد خبيرة الحناء أن هذه المادة الشعبية تمنع تساقط الشعر وتبعد عنه القشرة والجفاف.
وتتحدث الرشيد إلى إحدى زائرات خيمة الحناء عن وجود الكثير من الوصفات المناسبة التي يمكن اتباعها للحصول على ألوان مختلفة. ومنها مزج 10 ملاعق كبيرة من الحناء مع القليل من عصير الليمون و3 ملاعق من خل التفاح و3 ملاعق من قشور الباذنجان وخلطها بالماء الساخن ومن ثم تركها تتخمر لمدة 4 ساعات.


ارتباطها بالسن والحالة الاجتماعية

تشرح خبيرات الحناء المشاركات في مهرجان قصر الحصن أن حناء اليوم تختلف عنها في الأمس حيث كان لكل رسمة اسم، مثل نقش ‘’القص” و’’أبو البيطان’’ للعروس والمتزوجات من الشابات، أما الفتاة قبل الزواج فكان عليها أن تتخضب بـ ‘’الغمسة’’ وهي طلاء اليد كاملة على شكل القفاز. أما الكبيرات في السن فكن يتحنين بنقش ‘’الجوتي’’ حيث تطلى أرجلهن بالحناء تماما كالحذاء الذي يغطي الكاحل.


زخارف ووصفات

تطغى النقوش الحديثة في عصرنا الحالي على مفهوم الحناء حيث أكثر المطلوب هي الزخارف وأوراق الشجر.
وكان اللافت من داخل خيمة الحناء في “قصر الحصن” سؤال النساء عن أفضل الأماكن التي تقدم رسومات جديدة تدوم طويلا.
كما إنهن كن يتبادلن الوصفات لخلطات حناء مختلفة توضع إما للزينة وإما لتلوين الشعر. ومن الواضح أن أكثر الأصناف المطلوبة هي الحناء الشعبية المدقوقة في البيوت على أيدي الجدات، أو تلك المستوردة مباشرة من الهند.
وتأتي معها تعاليم معينة عن كيفية خلطها وما هي الإضافات المطلوبة لها لتأتي بالنتيجة المطلوبة.

اقرأ أيضا