الاتحاد

مهرجان قصر الحصن

مهرجان قصر الحصن يبعث الحياة في الألعاب الشعبية

-لعبة «طاق طاق طاقية» يمارسها الصبيان والبنات معاً ( تصوير عبد اللطيف المرزوقي )

-لعبة «طاق طاق طاقية» يمارسها الصبيان والبنات معاً ( تصوير عبد اللطيف المرزوقي )

جمعت الألعاب الشعبية القديمة أبناء الزمن الماضي من الجنسين، وربطت أواصرهم، حيث كانت تثير حركة الأطفال في "السكيك"، وترسم البهجة على وجوههم، والتي ابتعد عنها أطفال اليوم واستبدلوها بألعاب التكنولوجيا الحديثة، ما جعل الآباء يتحسرون عليها بعد أن كانت إحدى أجمل المراحل القديمة التي عاشوها في الماضي العريق، ولا تكتمل ذكريات الطفولة ومشاعر الزمن الجميل، إلا بصورة من صور الألعاب الشعبية التي غابت عن الحارات والفرجان، إلا أنها حافظت على حضورها في المهرجانات التراثية، وعلى رأسها مهرجان قصر الحصن الذي ملأ الإمارات، وشغل أهلها على مدار تسعة أيام مضت، وقد حرص القائمون عليه تخصيص ركن يمارس فيه الزوار الصغار الألعاب القديمة في جو من المرح والنشاط.

هناء الحمادي (أبوظبي) - في مهرجان قصر الحصن، وضمن الكثير من المساحات الشاسعة كان للألعاب التقليدية القديمة نكهة خاصة، فكل من يزور هذا الركن يشعر برائحة الماضي العريق، من خلال تلك الألعاب الشعبية التي تنوعت وتعددت مسمياتها وطريقة لعبها بوصفها أحد مكونات الهوية الوطنية التي يعتز بها الجيل القديم، ويحرص على نقلها للأجيال الصاعدة.
مرح الصغار
وسط جو مفعم بالفرح والمرح، مارس أطفال ألعاباً شعبية في أحد أركان مهرجان قصر الحصن، ومنهم الطفل عبد الله المزروعي، الذي لعب “لعبة الرنج” من أصدقائه، يقول الصغير “الألعاب الشعبية مفيدة جدا، وزيارتي للمهرجان عرفتني على الكثير من تلك الألعاب الشعبية القديمة حتى أني تعلمتها منذ الوهلة الأولى، وهذا هي الزيارة الرابعة التي أقوم بها للمهرجان، وخاصة ركن الألعاب التقليدية الذي يستقطب الكثير من الأطفال في مثل سني”.
ويشاركه الرأي سيف السويدي (12 سنة)، الذي استمتع بلعبة “مواتر”، أو السيارة، حيث تعرف إلى مكونات تلك اللعبة البسيطة، والمواد الداخلة في صناعتها وكلها طبيعة. ويشرح السويدي طريقة صناعتها بعد أن استمع من المشرف على قسم الألعاب الشعبية في المهرجان “تصنع السيارة من الصفائح، وهي “علب معدنية” تقطع من الأعلى، ويعمل لها قبة من الصفيح، ويُركب لها “قواط” دائرية صغيرة، ويعمل لها أربعة ثقوب، ثم يؤتى بسك معدني، ويوضع داخل الثقوب ويأتي بالقواطي وتثبت في السلك بعناية”، مؤكدا أنه سيقوم بصناعة تلك السيارة في المنزل له ولأصدقائه.
واصطحب الخمسيني خميس مبارك أحفاده إلى ركن الألعاب الشعبية في المهرجان، وكل واحد منهم أخذ يتعرف إلى الألعاب الشعبية، يقول مبارك إن “مثل تلك المهرجانات الشعبية، ووجود تلك الألعاب الشعبية فرصة ثمينة ليتعرف أبناء اليوم إليها، وعلى فوائدها الجمة”، متمنيا أن تتم إعادة أحياء تلك الألعاب القديمة وتطويرها لتواكب الألعاب الحديثةـ وأن تتولى المؤسسات التعليمية والتربوية والاجتماعية مسؤولية هذا التراث، وتدرجه ضمن خططها وبرامجها.
تعزيز الموروث الشعبي
إلى ذلك، يقول المشرف على ركن الألعاب التقليدية محمد الحمادي، إن الهدف من التركيز على الألعاب في هذا المهرجان هو محاولة أحيائها وتذكير الأطفال بها، إلى جانب تعزيز الموروث الشعبي الغني بالكثير من تلك الألعاب، التي كانت تمارس في الطبيعة بشكل جماعي، فتنمي لدى الطفل الجانب الاجتماعي وروح المنافسة والقيادة، وغيرها من الخصال الإيجابية التي تفتقر إليها الألعاب الحديثة.
ويضيف “تعد الألعاب الشعبية القديمة، إحدى الموروثات الجميلة التي تمارس بشكل جماعي بدافع المتعة والتسلية، لقضاء أوقات الفراغ بصورة جماعية فيها الكثير من التعاون الذي تعكس الجانب الإيجابي للحياة الاجتماعية السائدة في ذلك الوقت التي تتميز بالبساطة والبعد عن التعقيد”. ويتابع “تلك الألعاب كانت تحظى بشعبية كبيرة تمثل أهمية كبيرة في حياة الصبيان والفتيات، لأنها خيارهم الوحيد للترفيه، حيث لا توجد بدائل سواها، ومع تعدد الألعاب الشعبية المتوارثة من جيل إلى جيل، لا يتوقف ممارستها بهدف الترفيه فقط، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك فهي تنمي قوة الشخصية، إذ تفرض على الأطفال أداء أدوار قيادية أو ترديد أناشيد خاصة باللعبة، وسط مجموعات تتكون من أعداد مختلفة، وليس هناك وقت محدد يمارس فيه الأطفال ألعابهم”.
أدوات اللعب
حول أدوات ممارسة الألعاب الشعبية، يوضح الحمادي أن أدوات اللعب بسيطة جدا، حيث كان الطفل يصنعها يدويا من مخلفات بيئتهم الزراعية، خصوصا ممّا تجود به النخلة التي تشتهر بها دولة الإمارات كثيرا، فقد كان الأطفال يلعبون بأدوات بسيطة صنعوها من سعف النخل وأعوادها، وكذلك تدخل الحبال في صناعة الألعاب التي تنتج هي أيضا من ليف النخيل، وبعض الأخشاب، فالبيئة لها دور مهم جدا في تنوع هذه الألعاب وإنتاجها واستمرارها، حسب طبيعة البيئة والمواد التي توفرها لهم.
ويضيف أن “الألعاب الشعبية هي سلوك حركي يصور بعض ملامح البيئة، من خلال المجتمع يتم تجسيدها عن طريق الحركة، وهي مزيج ما بين الثقافة والرياضة والموروث التقليدي والاجتماعي السائد”، مشيرا إلى أن الهدف من هذه الألعاب تنمية القدرات والأفكار وتنشيط الذاكرة بألعاب مناسبة منها ألعاب حركية، تعتمد على النشاط البدني والحركي، سواء كانت حركة الأيدي أو الأرجل، أو الأصابع أو الجسم ككل، وهي من أكثر الألعاب صعوبة، لأنها تتطلب من اللاعب إتقان جميع الحركات المطلوبة أثناء اللعب.
ويوضح أن من أكثر الألعاب الشعبية انتشارا لعبة “ اللقفة” و”ساقف لاقف”، و”اليفيرة”، و”الحبيل” و”الحبل” وهما تتطلبان إجادة عملية القفز أثناء حركة الحبل، حيث تكون حركات الأرجل سريعة، مشيرا إلى الألعاب الذهنية تتميز بقلة لاعبيها وهي ألعاب خاصة بالشباب لا يستطيع الأطفال ممارستها ومنها “الصبة”، و”الحالوسة”، و”الحواليس”، و”الطوله”.
بصحبة الأهازيج
لكل لعبة تصاحبها أهازيج غنائية. إلى ذلك، يذكر الحمادي “لكل لعبة طابع معين وأداء هادف يسيران وفق أسس، فمنها ما يصاحبه الحركة، ومنها ما يصاحبه القفز، ومنها ما يصاحبه التقليد والمحاكاة، ومنها ما يكون الغناء شرطاً فيه يعتمد عليه في سيره وحركته وهو ما يعرف بـ”الألعاب ذات الأهازيج”، ومن هذه الألعاب لعبة الأراجيح والمحاماة، وهناك العديد من الألعاب ذات الأهازيج الغنائية البسيطة التي عادة ما يرددها اللاعبون أثناء اللعب والمرح، ويغلب هذا النوع ذو الطابع الهزجي على ألعاب البنات فهي غنائية الطبع، مبينا أن “الأهازيج” لون من الأغاني فيه كلام متدارك ومتقارب يطرب الأذن ويسر السامع، فهو أشعار من نوع آخر ذات وزن وقافية، ومعنى جميل.
وحول فوائد الألعاب التقليدية، يقول الحمادي، إن “تلك الألعاب الشعبية أسهمت بشكل رئيس وفاعل في تقوية الروابط الاجتماعية، وبث روح الألفة بين أبناء الجيران من الأطفال والشباب، وساعدتهم في تمضية أوقات فراغ مليئة بالأنس والمحبة، لأنها كانت تمثل التسلية الوحيدة لهم لانعدام أماكن الترفيه حينها”. ويضيف “الألعاب الشعبية تنمي روح الجماعة لدى الطفل، فجماعة اللعب هي الجماعة الأولى التي يرتبط بها الطفل بالعلاقات الاجتماعية مع الأطفال الآخرين، وخلال اللعب يتعلم الطفل النطق، من خلال تنمية وتطوير بعض العمليات العقلية، كالتفكير والتركيز والملاحظة، ويقترن اللعب بالضحك والمرح والأطفال”. ويتابع “من فوائد الألعاب الشعبية تعويد الطفل على الصبر والمثابرة أثناء ممارسة اللعب، كما أنها تغرس المعاني الحميدة لدى النشء من خلال التزام اللاعبين بقوانين اللعبة”.

ألعاب البنات
تتميز ألعاب البنات بأن لها طابعاً يتلاءم مع طبيعة الفتاة وحياتها، وهي بسيطة وسهلة وغير معقدة، إلى ذلك، يقول المشرف على ركن الألعاب الشعبية في مهرجان قصر الحصن محمد الحمادي، إنها تتسم بالسهولة والرشاقة، لاسيما ألعاب البنات صغيرات السن اللائي يتميزن بالخفة والسرعة والنعومة. ومن ألعاب البنات ذات الصبغة الأنثوية لعبة “الأرجوحة” والعرائس، والصقلة، وغيرها من الألعاب التي لها طبيعة خاصة تميزها، فمنها ما طابعه غنائي، كلعبة الأرجوحة والمحاماة، ومنها ما طابعه أمومي كلعبة الدمى.

مواعيد ممارسة الألعاب
معظم الألعاب الشعبية كانت تمارس في أوقات الفراغ خاصة بعد العصر، ويستمر اللعب إلى ما قبل المغرب. وفي رمضان يلعب الصبيان العديد من الألعاب الشعبية، بعد صلاة التراويح ويستمرون في اللعب إلى ما قبل السحور، وهناك بعض الألعاب تلعب في الليالي المقمرة، مثل لعبة “كرة السوط”، بينما ألعاب القيظ، فهي في معظمها ألعاب سعفية مصنوعة من السعف، مثل لعبة خيل يرير والقرقعانة والمروحة.

اقرأ أيضا