الاقتصادي

الاتحاد

سنغافـورة بلد صغير وشعـب يـرسم مساراً اقتصادياً نحو العالمية

إعداد وترجمة: حسونة الطيب

ساهم القطاع الصناعي حول العالم في خلق اقتصادات رائدة، غيّرت خريطة الدول وحركة التجارة والصناعة العالمية. وتعرض «الاتحاد» من خلال ملف «الصناعة الوطنية.. مقومات وتحديات» تجارب اقتصادية واعدة لدول لعب القطاع الصناعي الدور الأبرز في نهضتها وريادتها، لتكون نموذجاً ومثالا للنهضة الاقتصادية التي تشهدها الإمارات في ظل سياسة التنويع والاستدامة التي تبنتها الدولة لمرحلة ما بعد النفط.
وتمثل قصة سنغافورة، ترابطاً قوياً بين الوقائع السياسية والاقتصادية، وتُعزى الظروف الاقتصادية القاسية التي عاشها أفراد الشعب السنغافوري بعد الاستقلال عن ماليزيا، إلى الاضطراب السياسي الحاد الذي عضد علاقتها مع ماليزيا، إذ مرت سنغافورة بمرحلة تغيير كبير على مدى ثلاثة عقود شكلت وجودها كدولة سيادية، يغطي النمو نموذجها في مراحل متباينة من التطور، تلك المراحل التي تشابه عدد من الدول في مستويات مختلفة من التطور السياسي والاقتصادي. وعلى مدى نصف القرن الماضي، تمتعت
البلاد بقيادة محكمة، ساهمت في نقلها من دائرة العالم الثالث إلى الدول المتقدمة، حيث بدأ ميزان القوى في التحول رغم بطء وتيرته، واستمرت سنغافورة في تقديم مزايا تنافسية قوية للشركات التجارية، من ضريبة وبنية تحتية وشفافية، لا تتوافر إلا في عدد قليل من دول المنطقة المجاورة.
وبحلول أغسطس الماضي، وضعت سنغافورة أولى خطواتها في العقد السادس منذ الاستقلال في 1965، ويقدر نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عند ذلك الوقت بنحو 500 دولار، ولم تكن الدولة تعاني فقراً مدقعاً وقتها، لكنها تعيش حالة من سوء التغذية. وقفز الناتج المحلي من 500 دولار في تلك الفترة، إلى 55 ألفاً السنة الماضية.

وفي العام الماضي، أُعلن في باريس فوز مطار شاني الدولي في سنغافورة، بالمركز الأول كأفضل مطار في العالم للسنة الثالثة على التوالي. وهو يستقبل 5 آلاف راكب أسبوعياً عبر 80 شركة طيران عالمية.
ونجحت البلاد كذلك في خفض عدد وفيات الأطفال بوتيرة أسرع من أي بلد آخر في العالم من 35 في كل 1000 في 1965، إلى 11 فقط في 1985، وصنفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أطفال سنغافورة عند سن 15، في المرتبة الأولى في العالم في الرياضيات والعلوم.

دولة صغيرة
وبينما يزيد عدد الصينيين عن الماليزيين بنسبة 3 إلى 1، تخوف السياسيون في العاصمة كوالالمبور من ضياع الإرث الماليزي أمام هذه الزيادة، ويشكل انفصال سنغافورة من ماليزيا نموذجاً فريداً عندما تنفصل دولة صغيرة عن أخرى كبيرة. وواجهت الدولة مشاكل عدة عند استقلالها، مثل ارتفاع البطالة والافتقار لمقومات الصحة والمياه الصالحة للشرب، إلى جانب الصراع العرقي.
وكانت سمات الفقر والتوترات السياسية وعدم توفر القانون تسود سنغافورة في ذلك الوقت، وهي التي تتفشى في الأنظمة الفاشلة في عالم اليوم. ويقدر تعداد سكان الجزيرة الدولة في ذلك الوقت والمحاصرة جغرافياً بين دولتين غير صديقتين، ماليزيا وإندونيسيا، بنحو ثلاثة ملايين، نصفهم عاطلون عن العمل.
وأدرك لي كوان يو، أول رئيس وزراء لسنغافورة والمؤسس الحقيقي للدولة الحديثة، ضرورة استغلال موارد البلاد المحدودة في غياب الدعم الدولي، حسب الأولوية. وفي عدم توافر الأراضي الصالحة للزراعة والدول المجاورة التي تمارس التجارة معها، ترتب على سنغافورة البحث عن فرص في الخارج وجذب الشركات الصناعية من الدول المتقدمة، للإنتاج في سنغافورة وتصدير هذه المنتجات للخارج.

ورؤوس الأموال
وشكل تدفق السلع ورؤوس الأموال والخبرات، بين سنغافورة وشركائها من الدول المتقدمة، عنصراً أساسياً في كل مراحل تقدمها. وبينما تشابهت الظروف الاقتصادية والسياسية السيئة التي عانت منها سنغافورة في مراحل تكوينها الأولى مع العديد من دول العالم الثالث اليوم، إلا أن الإجراءات الحاسمة لقادتها طوال مسيرة تطورها، قلما يوجد لها نظير حول العالم.
وللفاعلية التي تحلت بها حكومة البلاد، صنف معهد إدارة تطور التنافسية الدولية في 1997، سنغافورة الأكثر فاعلية وسرعة في تنفيذ تغيير السياسة الحكومية، بينما وضعتها الشفافية العالمية، في المرتبة الرابعة في 2003، فيما يتعلق بعدم الفساد. كما أطلق عليها، أكثر قصص التنمية نجاحاً في العالم في القرن العشرين.
ولتعضيد مسيرة النجاح، استعان لي كوان في أول بداية الرحلة بالمستشار الهولندي وينسيميوس، الذي فتح عدة أبواب على أوروبا، حيث طلبت بريطانيا من سنغافورة تجربة نظام خدماتها المالية، خاصة أن توقيتها يساعدها للعمل كمقاصة بين الساحل الغربي لأميركا وأوروبا. وبفضل هذا التوجه، أصبحت سنغافورة اليوم مركزاً مالياً رئيساً في قارة آسيا.
ونظراً للموقع الجغرافي المميز والشعب المتعلم والبنية التحتية الحديثة وانخفاض الضريبة وفريق المبيعات الدولي لإقناع المستثمرين من الدول المتقدمة لإقامة نشاطاتهم التجارية في البلاد، بجانب نظام الصرف الصحي المتطور، أصبحت سنغافورة مقراً للعديد من شركات منطقة آسيا والمحيط الهادئ قبل بزوغ نجم الصين.

الاقتصاد المفتوح
وشكل الاقتصاد المفتوح، العنصر الأساسي لنجاح سنغافورة، التي انتهجت سياسة الباب المفتوح تجاه رأس المال الأجنبي والاستثمارات والتوجه نحو الصادرات للاستفادة من التجارة العالمية. ولم ينطو الأمر على إغراء الشركات الأجنبية بعيداً عن الغرب، بل على جلبها للعمليات الآسيوية المفتوحة التي تُعد سنغافورة مركزها الرئيس.
كما تسعى المدينة الدولة، لجذب الموهوبين من خلال تقديم منح الدراسية للطلاب من الدول المجاورة مثل، الهند والصين وبقية الدول حول العالم. وبموجب ذلك يحصل الدارس على إقامة دائمة ثم فرصة عمل لمدة لا تقل عن 3 سنوات بعد التخرج كعائد مثالي للاستثمار التعليمي. وفي المقابل، ربما يشكل هؤلاء في المستقبل رواد الأعمال والعقول التي تدير الشأن السنغافوري.
ونتيجة لانعدام الموارد الطبيعية، ركزت سنغافورة على الاستثمار في الكادر البشري، لتحل اليوم ضمن أفضل الدول في التحصيل العالمي بالعالم، وفقاً لبرنامج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الدولي لتقييم الطالب. علاوة على ذلك، ورغم عدم تجاوز عدد سكان المدينة الدولة لنحو 5 ملايين نسمة، لكنها تملك جامعتين من أفضل 75 جامعة في العالم، مثل ألمانيا واليابان والصين.
وينبغي القول، إن بناء نظام التعليم في سنغافورة، لم يكن معقوداً بالنظم التي وضعها كوان وزملاؤه، بل نتاج إرث قديم خلفه الاستعمار الإنجليزي. وكمثله من نظرائه القادة الذين جاؤا بعد الاستعمار، لم يتردد كوان في تبني كل ما هو مفيد للمساعدة في بناء الدولة الوليدة.

مكافآت الخدمة المدنية
وتربط سنغافورة مكافآت الخدمة المدنية بأداء اقتصادها الذي يقدر حجمه بنحو 298 مليار دولار، حيث يتلقى عمال الخدمة المدنية حوافز مرتين خلال العام الواحد، بجانب مكافأة سنوية ثابتة قدرها راتب شهر. لكن دائما ما تربط البلاد الحوافز بأداء الاقتصاد، كما حدث في العام 2009 عندما تجاوزت تقديم المكافآت نتيجة لتراجع نمو الاقتصاد إبان الأزمة المالية العالمية.
ولتوضيح النجاح الاقتصادي الذي حققته سنغافورة، من الضروري فهم المسائل التي ميزت حوكمتها عن دول العالم الثالث الأقل نجاحاً. وما يشكل قلب النموذج السنغافوري، هو العقد الاجتماعي بين حزب العمل الشعبي وأفراد الشعب السنغافوري. وينطوي جوهر العقد، على أنه طالما أن الناس لا يمانعون في المزيد من سيطرة الحكومة والتنازل عن بعض حقوقهم وبذل المزيد من الجهد، توفر الحكومة في المقابل البيئة التي تساعد على الرفاهية ومستوى أفضل من المعيشة.
واقتصر حجر أساس نجاح سنغافورة، على عزمها في التحول إلى مجتمع متعدد الأعراق والتحلي بثقافة الاعتماد على النفس والدعم المتبادل. ومن المهم فهم أن عبء الإنفاق الحكومي، خفيف للغاية مقارنة مع المستويات العالمية، حيث يقل عن 20% من الناتج الاقتصادي منذ 1990، حسبما جاء عن صندوق النقد الدولي.

الإنفاق الحكومي
واتسم النظام المالي لسنغافورة بالدقة والالتزام خاصة في الفترة بين 1998 إلى2003، حيث دأبت الحكومة على خفض إنفاقها بوتيرة سنوية قدرها 9%. لكن ما يلفت النظر، انخفاض الإنفاق الحكومي إلى 12% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2007، ذلك الانخفاض الذي قاربت نسبته 16%. وتوصلت دراسة أعدها البنك المركزي الأوروبي، إلى أن الحكومات الصغيرة أكثر كفاءة في أدائها بالمقارنة مع المتوسطة والكبيرة. ورغم أنه بدأ في الارتفاع التدريجي منذ تلك السنة إلى 18%، لكن النسبة لا تزال مناسبة قياساً على المستويات العالمية.
وتتمكن البلدان التي تملك قطاعا عاما صغيرا، من تقديم أفضل أداء اقتصادي وتسجيل أفضل الأرقام في توفير السلع العامة بتكلفة مناسبة للغاية. كما تسجل البلدان ذات الحكومات الصغيرة، أعلى كفاءة بالمقارنة مع الحكومات الصناعية الكبيرة. وتبدو الفروقات واضحة، حيث يزيد أداء الحكومات الصغيرة بنسبة تصل إلى 40% عن نظيراتها الكبيرة.
ونجح الفريق الذي تولى حكم البلاد، في ترسيخ ثلاثة مبادئ تمثلت في الأحقية المهنية والأمانة والبراغماتية أو وضع مبدأ العمل فوق كافة الأولويات. وربما لعب موقع سنغافورة الجغرافي دوراً كبيراً أيضاً في نجاح تجربتها الاقتصادية، حيث ساعدها وقوعها عند ثغر مضيق ملقة الذي يمر عبره 40% من التجارة البحرية العالمية.
وبعد استقلالها عن ماليزيا، خرجت القيادة السنغافورية لإقناع المستثمرين للقدوم لبلدهم لما تتميز به من استقرار وأمن يضمن لهم سلامة أموالهم. ولم تكتف البلاد بإصلاح قوانينها لضمان المحافظة على الممتلكات العقارية للمستثمرين الأجانب، بل أظهرت عزمها للقضاء على العقبات التي تقف في طريق مزاولة النشاطات التجارية من فساد واضطرابات يثيرها العمال.
ولتوفير الثقة، تؤكد الحكومة على استقرار السياسات الوطنية على المدى القصير، في الوقت الذي تستمر الجهود للتخطيط لمجابهة التحديات على المدى الطويل. وفي المقابل، فشلت إندونيسيا في توفير أي من العاملين، لتفقد بذلك احترام المستثمرين الأجانب وأصحاب رؤوس الأموال الوطنيين، الذين اتجهوا بدلاً من ذلك لسنغافورة.

إدارة الشؤون الاقتصادية
علاوة على الحوكمة الفعالة، تتبع الحكومة نظاماً معتبراً لإدارة الشؤون الاقتصادية للبلاد مع عدم تدخلها في الأسواق التي ترى أن أداء القطاع الخاص فيها قوياً ويفي بالاحتياجات الاقتصادية للبلاد. لكن تدعم الحكومة الشركات التي تعكف على تسييرها والتي لا يملك القطاع الخاص المال الكافي لإدارتها مثل، الخطوط الجوية السنغافورية ونبتون أوشن لاينز البحرية.
وكدولة صغيرة الحجم لا تملك ما تقدمه سوى سكان يكرسون جل وقتهم للعمل الدؤوب، أدركت سنغافورة ضرورة بناء نظام مالي موثوق قادر على كسب ثقة الشركاء العالميين. وعلى العكس من هونج كونج التي تملك دعم بنك إنجلترا، لا يمكن لسنغافورة الاقتراض من الأسواق العالمية تحت اسم بنك مركزي لدولة نامية.
ومن بين أكبر القطاعات التي تعمل فيها سنغافورة، بناء السفن والإلكترونيات والعمل المصرفي، حيث انخرطت البلاد مؤخراً في الخدمات المصرفية الخاصة. كما تقدم أيضاً الخدمات الاجتماعية مثل الإسكان والرعاية الصحية.
ولتفادي التضخم ومخاطر خفض قيمة العملة أو مشاكل ميزان المدفوعات، تعمل الحكومة السنغافورية بكل حرص للاستفادة من خططها الاقتصادية وتنفيذ كل خطة على مراحل على المدى الطويل. وبذلك، تمكنت من الاحتفاظ باحتياطي مالي مقدر حتى عندما كانت دولة نامية واقتصادها في حاجة ماسة للإنفاق العام. لذا، صمدت الدولة المدينة في وجه الأزمة المالية التي ضربت قارة آسيا في 1997، بفضل استقرارها المالي.
نقلاً عن: كريتيك جورنال وبلو زونز وذا وورلد بوست وذا إيكونوميست وأن بي آر دوت أورج وسي أن بي سي وسي أن أن وكورا دوت كام وتوداي وسنغافورة بيزنس ريفيو وبروجيكت سيندكيت وذا كومينتيتور وريكود وأشيان ريفيو.

القطاع الصناعي يحقق معدلات نمو مستدامة
أبوظبي (الاتحاد)

يتألف القطاع الصناعي في سنغافورة من نحو 10 ألف مؤسسة توظف 417 ألف عامل في 2014. وتراجع الناتج الصناعي السنوي في البلاد بنحو 0,5% في مارس الماضي، في حين سجلت المجموعة التي تشكل قطاع صناعة الطب الحيوي ارتفاعاً قدره 23,1% في مارس 2016، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ونما قطاع صناعة الأدوية بنحو 27,9% بفضل إنتاج مكونات أدوية فعالة. كما سجل ناتج شريحة التقنية الطبية زيادة قدرها 9,4% في ظل زيادة الطلب على الأجهزة الطبية.
ومقارنة بالفترات نفسها من العام الماضي، ارتفعت مجموعة الصناعات الإلكترونية بنحو 5,8% في مارس 2016، بينما سجلت أشباه الموصلات زيادة بنحو 21,7%. وإجمالاً ارتفع قطاع الإلكترونيات بنسبة 3% خلال الربع الأول. وسجلت مجموعة الصناعات العامة ارتفاعاً سنوياً بنحو 0,9% في مارس الماضي، وانخفضت مجموعة صناعة الكيماويات بنحو 4,9% على نحو سنوي في مارس 2016، في حين سجلت الشرائح الأخرى نمواً قدره 9,8% بفضل انتعاش قطاع العطور والمواد الغذائية والمشروبات.
وسجلت فيه فئة صناعة الفضاء ارتفاعاً قدره 10,8%، بفضل ارتفاع الطلب على صيانة المحركات وانخفاضاً في الهندسة الملاحية والأرضية بنحو 24,7% وفي البحرية بنحو 35%.
وارتفع ناتج القطاع الصناعي بنحو 2,3% إلى 306,6 مليار دولار سنغافوري. وبلغ صافي الفائض التشغيلي في قطاع الصناعة زيادة بنحو 7,3% إلى 33,8 مليار دولار سنغافوري في 2014. كما ارتفعت القيمة المضافة للقطاع بنسبة قدرها 6,2% إلى 63,7 مليار دولار سنغافوري في 2014.

رابع أكبر مركز تجاري عالمياً
أبوظبي (الاتحاد)

تحتل سنغافورة المركز الرابع في قائمة أكبر المراكز التجارية في العالم، حيث تشغل واحدا من أكثر موانئ الحاويات ازدحاماً في العالم، وهي الدولة الوحيدة في آسيا التي حصلت على تقيم (AAA) من وكالتي التصنيف «موديز وستاندرد آند بورز» و«فيتش».
وفي مقابلة له العام الماضي مع قناة «سي إن إن» قبل موته، قال لي كوان «كان إجمالي الناتج المحلي نحو 2,9% في 2014، بينما بلغ المتوسط 7,5% في السنوات الـ 50 الماضية. وفي حقيقة الأمر، تجاوز متوسط النمو 5% خلال العقد الماضي. ومن المتوقع تخطي البلاد دائرة ما يعرف باقتصاد النمو والنمو بوتيرة الدول المتقدمة بنسبة تتراوح بين 2,5 إلى 3%. وما يجعل سنغافورة مختلفة عن بقية دول العالم، التحديث الدائم في القيادة السياسية من خلال نظام فعال للغاية لإدارة المواهب، وإضافة لهذه النجاحات، تخطط سنغافورة للعب دور أكبر في قطاع التقنية العالمي».

الكادر البشري وبناء النموذج السنغافوري
أبوظبي (الاتحاد)

أسهم الاهتمام الكبير بتطوير الكادر البشري في بناء النموذج السنغافوري، حيث أنشأت بعد دمج كل اتحادات العمال تحت مظلة واحدة باسم مجلس اتحاد التجارة الوطنية، مدارس فنية بجانب شركات أجنبية لتدريب العمال غير المهرة في مجال الإلكترونيات وإصلاح السفن والبتروكيماويات، ما أسهم في تقليص البطالة. وبالتعاون مع المجلس تم تكوين قطاعات ذات عمالة كثيفة مثل المواصلات والسياحة.
وفي حين حظرت بعض الدول القريبة من سنغافورة التدفق النقدي للخارج والسماح بهجرة العقول، سمحت سنغافورة بتدفق الأموال بحرية للخارج، لكنها ابتكرت استراتيجيات لإقناع الموهوبين بالبقاء والمساهمة في المجتمع.
كما يشكل انفتاح سنغافورة للأجانب والأفكار الأجنبية، واحداً من المبادئ الأساسية التي تقف عليها قصة نجاحها، بعد أن تحولت نقطة التقاء للمهاجرين من الصين والهند وأوروبا والأقاليم التي تكوّن إندونيسيا حاليا.
وكان من بين العوامل الأخرى، دعم ملكية السكن لتعزيز الاستقرار المالي والاجتماعي، وإتاحة التعليم الجامعي للجميع. ومعالجة معضلة الفقر بتوفير برامج تشغيل حكومية مؤقتة. وزيادة الحد الأدنى للأجور، إضافة إلى دفع رواتب عالية لكبار المسؤولين للتصدي للفساد.
ورغم الثروة الكبيرة التي تملكها سنغافورة، إلا أن الطبقة الوسطى تغلب على تركيبتها السكانية ويمتلك أكثر من 84% من السكان بيوتاً أنشأتها الحكومة. وتعتبر المدينة الآسيوية، أغلى مدينة في العالم للعام الثالث على التوالي، وتحل هونج كونج بعدها فيما تراجعت باريس.

مساعدات ضخمة لرواد الأعمال
أبوظبي (الاتحاد)

يتمتع رواد الأعمال في سنغافورة، بمساعدات ضخمة من الحكومة، حيث يحصل رائد الأعمال مقابل كل 15 ألف دولار ينجح في جذبها من المستثمرين، على 85 ألف دولار من الوكالات الرسمية. وضخت مؤسسة سنغافورة الوطنية للبحوث على مدى السنوات الخمس الماضية، نحو 167 مليون دولار في مؤسسات ناشئة مثل، تري بوكس لأمن الهواتف المحمولة وآي كارس كلوب لمشاركة السيارات.
ويمثل ضخ المال في القطاع الخاص، جزءاً من استراتيجية البلاد لإنعاش قطاع ريادة الاعمال. ولزيادة عدد سكانها الذي بدأ في التراجع منذ فترة طويلة، تقدم حكومة سنغافورة مقابل ولادة كل طفل، إعفاءات ضريبية بعشرات آلاف الدولارات وحوافز رعاية ومكافآت الطفل، بجانب السماح للمتزوجين فقط بامتلاك مسكن في الشقق الحكومية التي تأوي معظم سكان المدينة - الدولة.
وساعد هذا التركيز على المضي قدماً، سنغافورة على بناء مجموعة كبيرة من الشركات الناشئة، أبرزها ريزر لأجهزة الألعاب وجارينا لشبكة الألعاب وجراب تاكسي لخدمة أجرة السيارات. وتتجاوز تكلفة هذه الشركات المليار دولار. وإضافة إلى دعم شركات التقنية المحلية، تسعى الحكومة السنغافورية للحصول على استثمارات تقنية كبيرة في الخارج.
وأثمرت جهود لي كوان، عن بروز نموذج فريد للنمو الاقتصادي تحولت بفضله المدينة - الدولة، لمركز تجاري يعج بالنشاط والحيوية يتميز بروح رأسمالية السوق الحرة. وتركز استراتيجية النمو المعروفة بـ «نموذج سنغافورة»، على رفع جذري للقيود التنظيمية بغية جذب رؤوس الأموال الأجنبية. وتعمل سنغافورة بمثابة مصدر الإلهام لصانعي القرار في العديد من الدول الآسيوية الناشئة.
وتؤكد هذه الجهود التي ترمي إلى الدفع بعجلة التنمية الاقتصادية في سنغافورة، أهمية إجراء تغيير حقيقي في القيود التنظيمية. ونجحت سياسات البلاد التي تتسم بالشفافية والتي تستهدف تحويل البلاد لمنطقة جاذبة للاستثمارات الأجنبية، في جعل سنغافورة منطقة شديدة الجاذبية للكوادر البشرية والسلع ورؤوس الأموال، بجانب رفع مستوى الناتج المحلي الإجمالي للفرد لمستويات أعلى من اليابان.
وتأثرت سياسة الصين الاقتصادية بشدة بنموذج سنغافورة للتنمية، حيث تجسد ذلك في منطقة شنجهاي الحرة التي خففت فيها الحكومة القيود التجارية التي تفرضها عليها وتبسيط إجراءات التجارة ورفع سقف حرية الخدمات المالية. ومنذ تأسيس المنطقة في 2013، سجلت فيها أكثر من 12 ألف شركة بينها 1700 من الخارج.

اقرأ أيضا

النفط يصعد والأسواق تتابع اجتماع «أوبك+»