الاتحاد

دنيا

كلب هسكي

أصر الأولاد على اقتناء كلب .. ولما كنت أمقت الكلاب ولا أفهمها ومعلوماتي الوحيدة عنها أنك تأخذ حقنًا عندما تعضك، فقد تركت لهم الاختيار بالكامل ..
في النهاية وجدت في داري هذه العلبة الصغيرة يغفو فيها كلب صغير نظراته غير مريحة على الإطلاق. معظم الحيوانات الصغيرة فاتنة باستثناء فرس النهر وسحلية الإجوانا وهذا الكلب. لكنهم قالوا لي إنه رائع الجمال .. الملاحظة الأخرى التي استرعت انتباهي أنه جائع للأبد .. جائع كديدان القز. سألتهم عن نوع هذا الكلب فقالوا لي إنه من نوع (الهسكي). صبرًا .. أنا أعرف هذا الاسم .. أليس هو ذلك الكلب الذي يجر عربات رجال الاسكيمو في القطب الشمالي ؟
قالوا لي نعم . هكذا هرعت إلى الموسوعة أتذكر شيئًا عن هذه الكلاب. هذه الكلاب عبارة عن ذئاب تم استئناسها منذ وقت قريب، لهذا هي شرسة الطباع جدًا ومخربة، تعوي ولا تنبح أبدًا، جائعة للأبد .. والكلب يأكل بالضبط ما يأكله رجل بالغ في اليوم. تحتاج هذه الكلاب لتنفيث طاقتها عن طريق رياضة يومية شاقة جدًا وإلا بدأت في التخريب. هذه الكلاب مبرمجة على مهاجمة الدببة القطبية عن طريق مهاجمة العنق من الخلف !
قلت للأولاد في ذعر إن هذه مصيبة كاملة .. من الأسهل أن يربوا دستة عقارب فلن تكون أخطر.
بالطبع دارت دورة الحياة ولم يبال أحد برأيي..
بدأ الكلب يكبر .. بالطبع ظهرت بعض طباعه لكنه لم يظهرها كلها. مثلاً مزق كل الشباشب الخاصة بالبيت .. لم نعد نقرأ الصحف لأنه يحولها إلى فتات في حجم عقب السجائر. هكذا يقذف البائع الجريدة عبر البوابة فلا تجد الوقت الكافي لتقع على الأرض.
الآن جاء الأستاذ خليل الذي يعلم اللغة العربية لابنتي .. هو متدين جدًا ويمقت الكلاب كالجحيم، لهذا نحرص على أن نحبس الكلب طيلة وقت الدرس. لكنك تنسى أن الكلاب تنبح .. وهكذا يفاجأ الرجل بنباح يرج البيت رجًا يأتي من خلف باب ما .. أقول له مفسرًا:
ـ»هذا كلب هسكي ..»
ـ»طبعًا .. طبعًا .. هسكي ... لا مشكلة»
ثم ينسى أحمق ما فيفتح الباب، ويخرج الوحش .. عرفت هذا عندما خرجت من الشقة لأجد حذاء أستاذ خليل الذي يخلعه على باب شقتنا. لقد انتهى تقريبًا وتم التهام الكعب والرباط ...
كالمجرمين أهرع مغادرًا البيت، فأركب سيارتي وأبحث كالمجنون عن اسكافي عبقري يصلح لي هذا الحذاء خلال ربع ساعة هي الباقية على الدرس. أجد هذا الرجل الذي يعكف على استعادة شكل الحذاء القديم ..
أضع الحذاء على الباب في اللحظة التي يخرج فيها الأستاذ خليل ليدس قدميه فيه، ويقول:
ـ»هسكي ... طبعًا ... طبعًا»
أحاول جاهدًا الخلاص من هذا الوحش، لكن الأولاد يحبونه بجنون. لو بعته أو ألقيت به في الشارع لتحطم قلبهم. أفكر في أن أقتله لكن قلبي بالطبع لا يطاوعني ..
صار من نشاطي الأسبوعي أن أذهب بحذاء الأستاذ خليل للإسكافي. وأعتقد أن الرجل عديم الملاحظة فعلاً.. ألم ير أن الرباط البني صار أسود والعكس في مرات عديدة ؟.. ألم يلحظ أن كعب حذائه لا يظل هو أسبوعين متتاليين ؟
على كل حال لم يستفد من هذا الموضوع سوى الإسكافي العجوز الذي يبدو أنه يملك قصرًا الآن. والأستاذ خليل الذي تعلم كلمة جديدة هي (هسكي)، والكلب الوغد طبعًا الذي استمتع بالتهام نفس الحذاء عشرات المرات ..
سوف يستمر كل شيء كما هو، وعلى المتضرر اللجوء للقضاء كما يقولون في محاضر الشرطة .. وهذا بالطبع إلى أن يقرر الكلب أن يقلد أجداده في مهاجمة الدببة القطبية من مؤخرة العنق، ويعتبرني دبًا قطبًيا لأنه لم ير واحدًا من قبل.. بالمناسبة .. لقد تركت حذائي هنا منذ ربع ساعة، وقد اختفي لسبب مجهول .. ألم تره من فضلك ؟



د. أحمد خالد توفيق

اقرأ أيضا