الاتحاد

دنيا

غادة المرشدي تتصل بوالدتها يومياً من أميركا لتطلب الدعاء

غادة المرشدي أثناء دراستها بالخارج

غادة المرشدي أثناء دراستها بالخارج

لم يثن المرض الطالبة غادة العبد المرشدي من متابعة دراستها في الخارج ولو بعد حين، فقد حصلت على الثانوية العامة بمعدل 95%، وحصلت على منحة من مكتب أبوظبي للبعثات للدراسة في الخارج، لكن الظروف الصحية التي ألمّت بها وداهمتها فجأة كانت حائلاً بينها وبين السفر لتحصيل العلم في إحدى الدول المقررة للابتعاث، مما جعلها تعقد العزم على التميز وعدم السماح لأي عائق بالوقوف في طريق دراستها.

ولم تحلم غادة يوماً بأي تخصص، وكان تركيزها منصباً على النجاح في المدرسة، تقول «بصراحة لم يكن هناك أي تخصص في بالي، وعند حصولي على الثانوية العامة، نصحني الأهل وخصوصا أمي بدراسة اللغة الإنجليزية؛ لأنه كان تخصص مطلوب في تلك الفترة، وله فرص أكبر في الوظائف».
بداية الألف ميل
انتسبت غادة حسن محمد سيف العبد المرشدي إلى جامعة الإمارات في مدينة العين، لتتخرج بعد أربع سنوات من كلية الآداب والعلوم الإنسانية تخصص التطبيقات اللغوية بتقدير امتياز، وتفوز بشرف تكريمها من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وذلك ضمن تكريم طالبات الامتياز، كما كانت ضمن العشر طالبات اللواتي تم اختيارهن للسفر إلى اسكتلندا لحضور دورة لمدة أسبوعين تكريماً لهن. تقول المرشدي: «لقد أنهيت البكالوريوس من جامعة الإمارات في العين، في تخصص تطبيقات لغوية، بتقدير امتياز، وأكملت دراستي بعد التخرج، وسجلت للحصول على دبلوم تدريس اللغة الإنجليزية في كلية التربية، وخلال فترة الفصل الثاني من الدبلوم تم تعييني كمعيدة في جامعة الإمارات – كلية الآداب والعلوم الإنسانية وفي نفس تخصصي التطبيقات اللغوية، كما حصلت على الدبلوم بامتياز، وحظيت بشرف التكريم من الشيخة فاطمة، الله يحفظها لتفوقي».
ويبدو أن الأمل قد تدفق من جديد عند الخريجة غادة في السفر للدراسة في الخارج، جاء ذلك عندما رشحت رئيس قسم التطبيقات اللغوية لمكتب المعيدين اسمها للابتعاث، لتبدأ بحزم أمتعة السفر وهي غير مصدقة بأنها ستسافر للدراسة وإكمال تحصيلها العلمي لنيل شهادة الدكتوراه، الفكرة التي راودتها منذ أيام المدرسة في السفر «كنت معيدة في الجامعة، عندما تم ترشيح اسمي للابتعاث، تجدد لدي الأمل حينها وشعرت بدافع قوي للنجاح، سافرت فورا إلى الولايات المتحدة للدراسة في جامعة انديانا، وبقيت هناك لمدة 3 أشهر، حيث انضممت لدورة تمهيدية ومن ثم غادرت لجامعة «بن ستيت» بولاية بنسلفانيا».
شهادتا ماجستير
وحصلت الطالبة ذات الستة والعشرين عاماً على شهادتي ماجستير من جامعة «بن ستيت»، وكانت الأولى من قسم التطبيقات اللغوية في شهر مايو 2010، وشهادة الماجستير الثانية من قسم القيادة التربوية في تاريخ 18- ديسمبر 2010، وتتابع في نفس الجامعة، تقول غادة: «لقد حصلت على شهادتي ماجستير، والآن أنا في سنتي الأولى لنيل شهادة الدكتوراه في طرق تدريس اللغة الإنجليزية (اللغة والثقافة والمجتمع)، وتخصص التعليم الدولي المقارن.
صعوبات وتجاوزات
ارتاحت غادة من عبء البحث عن جامعة لإكمال دراستها في الخارج، فقد كان ذلك من اختصاص المشرف الأكاديمي في جامعة الإمارات، لأنها مبتعثة عن طريقهم، ولكن واجهتها بعض الصعوبات مع الأهل لإقناعهم بالسفر بغية التحصيل العلمي، وكانت والدتها من أشد الناس صعوبة في الإقناع، تقول غادة: «رفضت والدتي الفكرة من أساسها خوفا علي من الاغتراب والصعوبات المترتبة على ذلك، ولكن حاولت جاهدة لإقناعها بفكرة الابتعاث، وبقدرتي على تحمل المسؤولية، إلى أن وافقت، ولكنها لم توافق على ابتعاث أختي الصغرى خديجة لنفس الأسباب».
وعن الصعوبات التي قد يواجهها الطالب بعد الابتعاث تقول المرشدي «هناك عدة صعوبات مثل الجو البارد خاصة الثلج الذي لم نعتد عليه، والغربة وعدم وجود الأهل وخاصة للبنات، بالإضافة إلى عدم وجود طلاب أو طالبات من دول الخليج أو الإمارات في نفس التخصص،
كما يواجه الطالب أحيانا بعض الصعوبات في الثقافة والتأقلم مع المجتمع الأميركي الذي يختلف كلياً مع مجتمعنا المحافظ»، ولكن مع ذلك توضح غادة أنه يجب على المبتعث أن يتغلب على كل هذه العراقيل لتحقيق النجاح المنشود، ولها في ذلك فلسفة خاصة، «أحاول احترام مجتمع و ثقافة الآخرين، كما أنني أحافظ على ثقافتي وعاداتي التي تشكل دعما نفسيا ومعنويا كبيرين، وأتواصل مع المحاضرين بخصوص الأمور الدراسية، وخاصة الصعب منها». وتؤكد أنها لغاية الآن لم تستوعب ثقافة المجتمع الأميركي بكل تناقضاته الذي يعتبر مشكلة كبيرة أخرى في حد ذاتها، لذلك «قررت أن أكتب رسالة الدكتوراة في موضوع قريب من هذا الشأن». مع أنها ليست المرة الأولى التي تسافر فيها غادة وحيدة، لكن الحظ رافقها منذ بداية ابتعاثها، في تخفيف الإحساس بفراق الأهل والوطن، تقول المرشدي»: سافرت لبريطانيا لمدة أسبوعين مع حوالي 40 طالبة امتياز من جامعة الإمارات وجامعة زايد وكلية التقنية، وعندما سافرت للدراسة كان معي زميلتي المعيدة غدير الكندي والمعيد علي الأحبابي وخفف هذه الرفقة الطيبة الإحساس بفراق الأهل والابتعاد عن الوطن»،
وتضيف: «لم نعان عند الوصول إلى مكان الدراسة في الفترة الأولى التي كانت في جامعة إنديانا، لأن وصولنا كان مرتباً، حيث حجزنا السكن مسبقا». ومع أنها كانت تزور الأهل عدة مرات سنوياً ولفترات قصيرة نسبياً، إلا أن ذلك يتعذر حالياً بسبب ظروف دراستها.
رضى الله والوالدين
تبدأ المرشدي يومها في الغربة بسماع صوت أمها لتطلب منها الدعاء لها بالتوفيق، لأنها تجد في ذلك الراحة المعنوية، بما يساعدها على تحمل الصعوبات والضغوط الدراسية التي لا تنتهي: «أبدأ يومي وأنهيه بسماع صوت أمي الحنون في معظم الأوقات، لأسمع دعاءها لي، وإذا لم ترد على مكالمتي، فإنني أتصل بإخواني للاطمئنان عليها، ثم انتقل إلى جدول أعمالي اليومي، والذي أخطط له بشكل مستمر لأنني من دون ذلك أحس بالضياع أو بعدم الراحة والرضى، أحاول بقدر المستطاع أن أنهي الواجبات التي غالباً لا تنتهي» تقول غادة.
حجاب وعباية
تشير غادة إلى احتمال مواجهة بعض المبتعثين وخاصة العرب والمسلمين لبعض التصرفات العنصرية، ولكنها شخصياً لم تواجه أية من هذه المواقف، بل على العكس انتهزت إعجاب الطالبات الأميركيات باللباس الإماراتي لتشرح عادات وتقاليد المجتمع الإماراتي المسلم التي لاقت ترحيباً من الطالبات، تقول: «بصراحة لم أواجه أي مواقف تظهر تعصباً عنصرياً، لكن في أغلب الأحيان ألحظ إعجاباً من بعض الطالبات الأميركيات، وأتلقى الأسئلة عن لباس الحجاب أو الشيلة، لذلك قمت في أحد صفوفي بعرض فكرة الحجاب والعباية وتحدثت عن ثقافتنا وأفكار عن ديننا التي بشكل أو آخر ستغير من مفهوم المجتمع الغربي ونظرته إلينا».
وعن الفرق بين حياتها في الإمارات ومكان الدراسة، تقول: «أكيد الفرق كبير، مثلا في الإمارات لنا مكانة خاصة نحن الإناث، لأنه وفي الغالب يقوم إخواني بكل شي، بينما هنا أستخدم المواصلات العامة وأتسوق ويجب أن أقوم بكل أموري الخاصة لوحدي، أحن إلى أهلي وبلدي وسأعود إليهم قريباً بعد التخرج».
وتفتقد المرشدي وجود الأهل بشكل دائم وخاصة في الأعياد والمناسبات الدينية والوطنية، كما تفتقد إلى الطبخ الإماراتي، كما أنها تشارك الطلاب الإماراتيين والعرب والمسلمين في الاحتفالات الدينية، وتقوم بالصلاة مع الطالبات الإماراتيات والعرب في المسجد الخاص بالجامعة وتشير إلى وجود عدد كبير من المسلمين و العرب والخليجين الذين يقومون بالاحتفال بالأعياد و المناسبات الدينية.
اليوم دراسة وغداً هواية
وحالياً لا تمارس غادة أياً من هواياتها لعدم وجود الوقت الكافي لذلك، كما أنها نادراً ما تشارك في أية أنشطة طلابية لنفس السبب، بينما تتواصل وبشكل كبير مع الطلبة الإماراتيين في المدينة التي تدرس بها، والذين قدرت عددهم بحوالي 80 طالباً، كما تتواصل مع الطلبة في المدن والولايات الأخرى.


عرفان بالجميل

وتنوه طالبة الدكتوراه غادة المرشدي إلى أهمية وقوف الأهل بجانب الطالب، وتتوجه إلى أمها بالشكر، لأنها وقفت معها في كل لحظات دراستها، «أريد أن أشكر أمي الحبيبة لمساندتها لي منذ الصغر، وتحملت ابتعادي عنها، لتراني ناجحة كما خططت لي، لقد غرست في داخلنا حب العلم منذ الصغر، وأشكر أبي الذي كان دعماً كبيراً لنا في تحصيل العلم و خاصة للبنات»، كما تقدر غادة جهود صديقتها غدير الكندي والمبتعثة معها، لما قدمته لها من دعم معنوي ساهم إلى حد كبير في تحمل الشعور بالغربة والإحساس الصعب والمؤلم في الابتعاد عن الأهل والوطن.

اقرأ أيضا