الاتحاد

تقارير

قصة الإعمار في «بحيرة الجادرية»

في ربيع 2008، أمضى بترايوس ما يكفي من الوقت وهو ينظر من مروحيته إلى بحيرة فارغة ومهجورة على ضفة نهر دجلة؛ فأمر بملء البحيرة وتحويلها إلى حديقة مائية ليتمتع بها سكان بغداد كافة. ويقوم المبدأ العسكري من وراء المشروع على أن المال يمكن أن يكون فعالا قدر فعالية الرصاص. وقد اكتسب هذا المبدأ تأكيدا غير مسبوق في عهد بترايوس، القائد الأميركي الأعلى في العراق وقتئذ.
ولكن حديقة بغداد باتت اليوم جافة تقريبا بعد أزيد من عامين؛ وأضحى معظم الحديقة خرابا، حيث تحولت الأرجوحات إلى أكوام من الخردة والفولاذ، وفُككت محركات البحيرة وانتُزعت منها أجزاؤها.
هذه القصة المزعجة للمشروع تعكس حدود وسوء إدارة برنامج وفر للقادة العسكريين الأميركيين 5 مليارات دولار من أجل إنجاز مشاريع في العراق وأفغانستان خلال السنوات الست الماضية؛ حيث أتاح البرنامج للمسؤولين قدراً كبيراً من المرونة لمعالجة وتلبية الاحتياجات العاجلة للسكان بدون عقبات بيروقراطية. غير أنه في العديد من الحالات، مثل حالة حديقة بحيرة الجادرية، لم تخلق الاستثمارات أكثر من إيهام مؤقت بتحقيق التقدم؛ وأظهرت غيابَ الإشراف الأميركي وأبرزت عيوب وقصور حكومة عراقية كان الأميركيون يسعون لدعمها وتشجيعها.
ويقول مسؤولون عسكريون أميركيون إن البرنامج يمثل وسيلة قيِّمة لتحويل الأعداء إلى أصدقاء وتهميش المجموعات الإرهابية ومواجهة أسباب انعدام الاستقرار؛ غير أن المشرعين والمدققين الحكوميين الأميركيين ينتقدون الطريقة التي أدير بها البرنامج ويقولون إن القادة العسكريين استعملوها لبناء مشاريع كبيرة وغير مناسبة في أحيان كثيرة ذات قيمة مشكوك فيها. كما يقول المنتقدون إن المشاريع الأصغر حجما التي مولها البرنامج لم تخضع لإشراف حقيقي، مما يجعل من الصعب قياس فعاليتها ونجاحها.
ومؤخرا، بدأ حتى بعض القادة الأميركيين يعبِّرون عن تحفظات بشأن التمويل، إذ يقولون إنه ليس ثمة مؤشرات على أن الملايين التي تم ضخها في الاقتصاد العراقي خلال وبعد الزيادة في عديد القوات الأميركية في 2007 قد حققت النتائج المنشودة. وفي بعض الحالات، يقول القادة العسكريون، كان تأثير المال سلبياً أكثر منه إيجابيا.
المقدم دنيس ييتس كان مكلفا بالمنطقة التي كانت تشمل البحيرة، ولم يكن مرتاحا لفكرة إنفاق مليون دولار ووقت رجاله على المشروع نظرا لأن أجزاء كبيرة من بغداد كانت ماتزال عبارة عن ساحة معركة. ويقول ييتس، الذي كُلف بمهمة تجديد الحديقة في ربيع 2008: "لقد كانت عبارة عن فوضى وفي حالة مزرية، حيث كانت البحيرات جافة، وكانت المطاعم والأكشاك مهجورة ومنهوبة. وكانت ثمة حفر في الأسفلت خلفتها ضربات قذائف الهاون وغيرها".
كانت المليشيات الشيعية وقتئذ تحارب القوات الأميركية والعراقية في بغداد يوميا، وكانت أعداد من القذائف تستهدف المنطقة الخضراء، التي تقع على الجانب الآخر من النهر قبالة الحديقة. وعن تلك الفترة قال ييتس في حوار معه مؤخرا: "لقد كنا بالفعل نواجه خطر أن نبدو مثل نيرون وهو يعزف الموسيقى بينما كانت روما تحترق". غير أنه لم يكن ثمة مجال كبير للنقاش إذ يقول: "كان الشعار وقتئذ هو "العودة إلى حياة طبيعية"، وكان هذا المشروع سيمثل خطوة كبيرة في ذلك الاتجاه".
كان مجلس السياحة العراقي قد بنى الحديقة، التي كانت بحيرتها هي نقطة الجذب فيها، قبل الغزو الأميركي في 2003 بوقت قصير؛ ولكنها سرعان ما أغلقت بعد سقوط صدام. وخلال السنوات التي أعقبت الغزو، أصبح الحزب السياسي الشيعي الذي كان يدير المجلس معارضا للموقع المقابل للنهر لأنه أضحى قبلة رومانسية للعشاق في مدينة يُنظر فيها إلى إظهار المشاعر في الأماكن العامة باستهجان.
البعض، ومنهم مدير الحديقة، كانوا يحلمون بتحويلها إلى واحة في مدينة تعرف قصفا يوميا؛ ولكن ييتس يقول إنه سرعان ما اتضح أن معظم المسؤولين العراقيين لم يكونوا مهتمين بملء البحيرة وفتح المطاعم بمحاذاة الواجهة المائية. ويقول ييتس، في إشارة إلى الاستثمارات التي كانت الولايات المتحدة على وشك القيام بها: "قلت في نفسي: سيكون علينا أن نواجه نتائج أخطائنا .. إن هذا لن يصمد ولن يستمر".
وبحلول ربيع 2009، كان التيار الكهربائي في المنطقة التي تقع بها الحديقة يتعرض لانقطاعات متكررة، فتوقفت مضخات البحيرة عن العمل، ونضبت البحيرة التي تفوق مساحتها 12 قدما مربعا. وفي حوار معه، قال نائب مدير الحديقة محمود العاني: "إننا لسنا فخورين بهذا الوضع... روح هذه الحديقة هي محطة ضخ المياه؛ ومن دون هذه المحطة، ليس ثمة حديقة!".

إرنستو لندونيو - بغداد

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا