ألوان

الاتحاد

تجارة الأعضاء جريمة وأزمة أخلاقية

حسام محمد (القاهرة)

يشهد الكثير من المجتمعات الإنسانية في الفترة الأخيرة انتشار عصابات المتاجرة بالأعضاء البشرية، حيث تقوم باستغلال احتياج بعض الفقراء وتبرم اتفاقيات معهم لاستئصال أعضاءهم مقابل حفنة من الأموال وزاد الأمر صعوبة انتشار عصابات تخصصت في خطف الأطفال بهدف سرقة أعضائهم نظير مبالغ مالية ضخمة، وهو ما يؤكد وجود أزمة أخلاقية على الصعيد العالمي بعد انتشارها على المستوى الدولي، فالأمر لم يعد قاصراً على استغلال فقراء العالم الثالث، وإنما تعدى ذلك إلى استئصال أعضاء موتى وجرحى الحروب.

أحسن صورة
بداية يقول الشيخ محمود عاشور وكيل الأزهر الأسبق عضو مجمع البحوث الإسلامية: كرم الله الإنسان وسواه، وخلقه في أحسن تقويم وجهزه بجسم عجيب لا يزال العلم يكشف كل يوم أسراره، مما يؤكد قدرة الخالق العظيم، وجعل الله لكل جزء من البدن وظيفة، فليس ثمة أعضاء زائدة أو غير مفيدة فاجتمع في الإنسان حسن التقويم ودقة الصنع وكمال الأداء، وقد تضافرت أدلة الشريعة القاطعة على تأكيد حرمة جسد الإنسان وعصمة دمه وتحريم الاعتداء عليه بأي نوع من أنواع العدوان وأجمع الفقهاء عند مناقشتهم لتلك القضية على أن تنويه الإسلام بقدسية الإنسان وكرامته، ورعاية الشريعة الإسلامية، لذلك في سائر الأحكام حقيقة ثابتة لا يرتاب فيها باحث أو فقيه، ومن ثم فإن رعاية الكرامة الإنسانية داخلة دخولاً أولياً في المقاصد أو المصالح التي هي محور الشرع الإسلامي الحنيف والآيات والأحاديث وفيرة في تجريم هذا العدوان سواء بإتلاف النفس كاملة بالقتل أو الإيذاء الجسدي بمختلف درجاته وتأكيداً لحرمة جسد الإنسان عمد الاجتهاد إلى بيان مدى عناية الإسلام بالإنسان معافى سليماً، بل قويّاً قادراً على أداء وظيفة الخلافة على أكمل الوجوه وفي هذا نصوص كثيرة تحث على الحفاظ على الصحة وتناول الطيبات واجتناب الخبائث المضرة بالإنسان في بدنه أو عقله أو نفسه، بل إن الشرع نهى عن الانقطاع وإرهاق البدن بالمبالغة في العبادة مثل وصال الصيام وصيام الدهر.
يضيف الشيخ عاشور: لقد اتفقت آراء الفقهاء والمجامع الفقيهة كافة أن المتاجرة بالأعضاء البشرية حرام شرعاً ولا تجوز بحال من الأحول، فهذه الأعضاء ليست ملكاً للإنسان ولم يؤذَن له في بيعها ولا يفاوض عليها أو يحصل على مقابل مادي، فكان بيعها داخلاً في بيع الإنسان ما لا يملكه ويشترط للبيع الصحيح أن يكون البائع مالكاً للمبيع، وأجمع أهل العلم على أن الإنسان لو باع ما لا يملكه، فالبيع باطل ومعلوم أن أعضاء الإنسان ليست ملكاً له ولا لورثته فأعضاء الجسد تم تكريمها والبيع يمتهن ذلك التكريم وينافيه على الإطلاق وقد قال الله تعالى في: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ...)، «سورة الإسراء: الآية 70»، وقد علل كثير من الفقهاء حرمة بيع أجزاء الآدمي بكونها مخالفة لتكريم الله تعالى للإنسان.

تكريم الإنسان
يقول الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية بجامعة الأزهر عضو هيئة كبار العلماء: كرم الله سبحانه وتعالى الإنسان وفضله على كثير من خلقه وسخر له ما في الكون لخدمته ويؤكد ذلك العديد من الأيات البينات حيث يقول تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى? كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)، «سورة الإسراء: الآية 70»، ويقول عز وجل: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ...)، «سورة البقرة: الآية 29»، آيات تبين تسخير الله عز وجل الكون للإنسان ولقد حثت الشريعة الإسلامية على التداوي فعن أسامة بن شريك، قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟، قال: «تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا داء واحد»، قالوا: يا رسول الله وما هو؟، قال: «الهرم»، ولهذا فكل إنسان تعرض للمرض عليه أن يلتمس أسباب العلاج من دون أن يخالف شريعة الله، وقد أجمع العلماء على أن الإنسان مكرم في حياته وبعد موته ولهذا لا يجوز التعدي على كرامته حياً كان أو ميتاً وبناء على هذا، فإن بيع جزء من الإنسان يدخل في باب المحرمات لأنه امتهان لكرامـة الإنسان وجعله سلعة تباع وتشترى وتمتهن بالاستعمال، وفي هذا نجد قول الله عز وجل في الحديث القدسي «ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، رجل أعطى بي، ثم عذر أي أعطى بالله عهداً، ثم غدر بهذا العهد، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره»، والإسلام يحث على القضاء والرق، حيث وضع تشريعات عديدة، كان الهدف منها في النهاية القضاء على الرق، فإذا كان الإسلام لا يجيز بيع الحر، فإنه بالتالي لا يجيز بيع عضو من أعضـاء جســد هـذا الإنسان.
يضيف د. هاشم: إذا الاعتداء على أي إنسان بأي صورة من صور الاعتداء حتى ولو بالكلمة من المحرمات، فما بالنا إذا كان الاعتداء بقطع جزء من جسمه لا على سبيل العلاج وإنقاذ حياته، بل بالسرقة، فإن هذا يعد من أكبر الجرائم، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز للإنسان على الإطلاق أن يبيع عضواً من أعضائه أياً كان هذا العضو لأن أعضاء الإنسان ليست محلاً للبيع أو الشراء وليست سلعة يصح فيها التبادل التجاري، وإنما جسد الإنسان بناء بناه الله تعالى، وحرم المتاجرة به تحريماً قاطعاً، وكل ما يأتي عن هذا الطريق بالنسبة لجسد الإنسان فهو باطل، وبالتالي، فإن أن المتاجرة بالأعضاء البشرية حرام شرعاً وحرمتها شديدة ولا تجوز مطلقاً.

التبرع
أكد الدكتور حامد أبو طالب أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر عضو هيئة كبار العلماء أن المتاجرة في أعضاء البشر محرمة لا تجوز شرعاً لأن الجسد هبة من الله وملك له، على عكس التبرع الذي يتم من أجل إنقاذ حياة إنسان في حال لم يترتب على ذلك وقوع أي أضرار على المتبرع أو حياته، مشدداً على أن جسد معصوم، فهذه الظاهرة تعد انحطاطاً أخلاقياً، وان من يقومون على هذه التجارة مجموعة من العصابات تنظر إلى الأرباح المادية، بغض النظر عن الدين أو الأخلاق، لأنهم لا يعترفون بدين ولا يعرفون معنى الإنسانية. وقد نهت الآيات والروايات بشدة عن أي عمل يؤدي إلى الموت، أو إلى الإضرار بالنفس، بما في ذلك استئصال أعضاء من جسم الإنسان ومن هذه النصوص ما جاء في قوله تعالى: (... وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ...)، «سورة البقرة: الآية 195»، وفي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً)، «سورة النساء: الآية 29»، (... وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَ?لِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، «سورة الأنعام: الآية 151»، وقد اعتبر العلماء جريمة المتاجرة في أعضاء الإنسان أمراً يمثل خطراً كبيراً على أمن المجتمع وسلامته، فإن هذا مما يرشحها لأن تكون من الجرائم التي ترتكب ضد المجتمع، خاصة ما يعرف منها في الاصطلاح الشرعي باسم «الحرابة».

اقرأ أيضا