ألوان

الاتحاد

العلماء: رعاية اليتيم «أقصر الطرق» إلى الجنة

أحمد مراد (القاهرة)

تحتفل بعض بلدان العالم في الأول من أبريل كل عام بيوم اليتيم، وإن كانت هذه بادرة طيبة، لكن يجب ألا تقتصر على يوم في العام، بل يجب أن تكون باستمرار وفي كل وقت، وقد رصد علماء الدين بعض مظاهر التكريم والعناية والرعاية التي أولاها الإسلام الحنيف لفئة اليتامى، مؤكدين أن اليتيم قبل ظهور الإسلام لم يكن له حظ في الحياة، وعندما جاء الإسلام أمر بإكرامه والإحسان إليه، واصفين الإحسان إلى اليتيم بأنه خلق إسلامي رفيع حثنا الإسلام عليه وندبنا إليه، بل وجعله من أفضل الأعمال وأزكاها. وأشار العلماء إلى أن الإسلام جعل التضييق على اليتيم أو التعرض له بالأذى تكذيباً بالدين، وحذر سبحانه وتعالى من أكل أموال اليتامى بغير حق، وجعل النبي أكل مال اليتيم من السبع الموبقات، وأوجب الله تعالى على الأوصياء حفظ أموال اليتامى وتنميتها وعدم إتلافها.

تكريم ورعاية
أوضح د. عباس شومان، وكيل الأزهر، أن الإسلام خص الأيتام بتكريم بالغ يضاف إلى التكريم الذي أولاه الإسلام للإنسان بصفة عامة، وذلك مواساة لهم وتعويضاً عن فقد مصدر الحنان والرعاية قبل اشتداد عودهم، ولعل أعظم تكريم لهذه الفئة من البشر هو انتماء نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم لهم، بل إنه أشدهم يتماً، حيث لم تكتحل عيناه برؤية أبيه ولو للحظة واحدة، فقد مات أبوه قبل أن يولد، وفقد أمه في أولى مراحل حياته، حيث نشأ في بادية بني سعد، وما كاد يتذوق حنان أمه بعد عودته إلى حضنها من بادية بني سعد حتى لحقت بربها.
وقال وكيل الأزهر: لقد جعل الإسلام التضييق على اليتيم أو التعرض له بالأذى تكذيباً بالدين، فقال الله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَ?لِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ)، «سورة الماعون: الآيات 1 - 2»، وحذر سبحانه وتعالى من أكل أموال اليتامى بغير حق، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى? ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً)، «سورة النساء: الآية 10»، وأوجب الله تعالى على الأوصياء حفظ أموال اليتامى وتنميتها وعدم إتلافها ما داموا قائمين عليها، حتى إذا بلغ اليتامى رشدهم وعرفوا كيفية استغلال أموالهم والحفاظ عليها وتنميتها بالتجارة ونحوها، ردوها إليهم.
وأضاف: جعل النبي مجرد المسح على رؤوسهم - حنواً وعطفاً- سبباً في تحصيل فاعله حسنات بعدد ما أصابت يده من الشعر، كما جعل إكرام اليتيم وكفالته والقيام على شؤونه كما ينبغي من الأمور التي ترقى بصاحبها إلى مجاورة خير البشر في الفردوس الأعلى، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار إلى أصبعيه السبابة والوسطى، في الجنة»، إلى غير ذلك من مظاهر التكريم والعناية التي أولاها الإسلام لهذه الفئة.

وصية مؤكدة
أما د. أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، فقال: لقد وصى الإسلام باليتيم‏،‏ وجعل قدوة اليتامى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال له ربه: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى? )، «سورة الضحى: الآية 6»، ثم أمره ربه وهو أمر لكل الناس: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ)، «سورة الضحى: الآية 9»، أي لا تذله وتنهره ولا تهنه ولكن أحسن إليه وتلطف به، واليتيم هو الصغير الذي مات أبوه، فهو في حاجة إلى كفالة المجتمع وإعانته، وقد رفع الإسلام مكانة كافل اليتيم في الجنة، حيث يكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكافل اليتيم هو الذي يقوم بأموره وبما يحتاج إليه، وفي حديث أبي هريرة عن النبي أنه قال: «أنا أول من يفتح باب الجنة، فإذا امرأة تبادرني فأقول، من أنت؟ تقول: أنا امرأة قائمة على أيتام لي»، ومعنى تبادرني: تدخل معي أو في أثري.
وأضاف د. عمر هاشم: لقد زكى الإسلام الأسرة التي ترعى اليتامى، فقال صلى الله عليه وسلم: «خير بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه، وشر بيت في المسلمين بيت فيه يتيم يساء إليه»، وجعل الإسلام علاج قسوة القلب في مسح رأس اليتيم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قسوة قلبه، فقال: «امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين»، وفي رواية أخرى: «أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك ارحم اليتيم وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك»، كما حث الإسلام الأوصياء على اليتامى أن يحافظوا علي أموالهم، فعن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتجروا في أموال اليتامى فإنها لا تأكلها الصدقة»، وأمر الله تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحلم كاملة، ونهى عن أكلها وضمها إلى أموال الأوصياء، قال تعالى: (وَآتُوا الْيَتَامَى? أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى? أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً)، «سورة النساء: الآية 2»، ومن نصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم، لأبي ذر رضي الله عنه، أنه قال: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تلين مال يتيم».

أفضل وأزكى الأعمال
وأوضح الشيخ عبدالناصر بليح، من علماء وزارة الأوقاف المصرية، أن الإسلام جاء واليتيم ليس له حظ في الحياة، فأمر بإكرامه والإحسان إليه، مشيراً إلى أن الإحسان إلى اليتيم خلق إسلامي رفيع حثنا الإسلام عليه وندبنا إليه، بل وجعله من أفضل الأعمال وأزكاها، قال تعالى: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَ?كِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى? حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَ?ئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)، «سورة البقرة: الآية 177».
ولقد أكد القرآن الكريم على الإحسان إلى اليتيم، وعدم الاعتداء على ماله، قال تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى? يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)، «سورة الإسراء: الآية 34»، كما أكد الإسلام على أن إكرام اليتيم سبيل إلى الفوز بالجنة، قال تعالى في وصف المؤمنين المتقين: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى? حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً)، «سورة الإنسان: الآيات 8 - 9»، وحذر القرآن من إهانة اليتيم وأذاه بأي نوع. وأكد الشيخ بليح أن الأيتام هم رافد من روافد السعادة في مجتمع المسلمين، لأنهم يملؤون فراغاً روحياً عند مَن أكرمه الله تعالى برقة القلب لهم، والحنو عليهم، فهم من أسباب رقة القلوب الحاضرة، والنفوس الشاكرة، ويجمعون مع ذلك أرواحاً من شتاتها في بوتقة الإيمان لصيانة سلامة المجتمع وحصاد الحسنات، تلك التي تأتلف على سَوق الأفراح إلى القلوب التي يحتويها اليتم، فيتحول الأسى والحرمان إلى مروج من العطاء والإكرام، بعيدا عن الأحزان.

اقرأ أيضا