ألوان

الاتحاد

عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ

الحمد لله الذي أنعم علينا بالإسلام، وشرح صدورنا للإيمان، والصلاة والسلام على سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:- يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)، «سورة التوبة الآية 119».
جاء في كتاب مختصر تفسير ابن كثير للصابوني في تفسير الآية السابقة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)، أي اصدقوا والزموا الصدق تكونوا من أهله وتنجوا من المهالك، ويجعل لكم فرجاً من أموركم ومخرجاً، عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- أنه قال: الكذب لا يصلح منه جدٌّ ولا هَزلٌ، اقرأوا إن شئتم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ»، (مختصر تفسير ابن كثير للصابوني 2/177).
إن الصدق فضيلة إنسانية تدعو الناس إلى احترام صاحبها والثقة فيه والاطمئنان إلى جانبه، فهو سِمَةٌ من سمات شخصية المسلم، في ظاهره، وباطنه، وقوله، وفعله، وفي حركاته، وسكناته، فعلى المسلم أن يكون صادقاً في قوله وفي عمله، والذين يَتحلَّوْنَ بالصدق ويعملون به، فإن حياتهم تظللها السكينة وترفرف عليها السعادة وتزداد بها المحبة بين الناس، ذلك أن الصدق مُنْجيك وإن خِفْتَه والكذب مُرْدِيك وإن أَمِنْتَه، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فإن رسولنا - صلى الله عليه وسلم - يقول: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقاً، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّاباً»، (أخرجه مسلم).

الصدق خُلق الأنبياء
من المعلوم أن ديننا الإسلامي الحنيف هو دين الصدق، فالصدق من أكرم الصفات وأعظم الأخلاق، فهو خُلُق إسلامي جليل ولباسٌ من التقوى جميل، فرسولنا- صلى الله عليه وسلم- كان يُعرف بالصادق الأمين قبل بعثته، فلما أكرمه الله - سبحانه وتعالى- بالرسالة ازداد تمسكاً بهذه الفضيلة حتى شَهِدَ له أعداؤه بذلك، وكذلك كان الأنبياء والمرسلون- عليهم الصلاة والسلام- حيث يقول الله- سبحانه وتعالى- عن خليله إبراهيم- عليه الصلاة والسلام-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً)، «سورة مريم: الآية 41»، ويقول عن سيدنا إسماعيل- عليه الصلاة والسلام-: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً)، «سورة مريم: الآية 54»، ويقول عن سيدنا إدريس- عليه الصلاة والسلام-: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً * وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً)، (سورة مريم الآيات 56 - 57»، ويقول أيضاً: (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ)، «سورة المائدة: الآية 75»، مبالغة في الصدق، أي: مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها.

عليكم بالصدق
لقد حثَّ القرآن الكريم على وجوب التحلي بالصدق في عدد من الآيات القرآنية، منها:
- قوله سبحانه وتعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)، «سورة الأحزاب: الآية 23»، وقوله سبحانه وتعالى أيضاً: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)، «سورة الحجرات: الآية 15».
كما حثت السنة النبوية الشريفة على وجوب التزام الصدق أيضاً في عدد من الأحاديث الشريفة، منها:
* قوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «تَحَرَّوُا الصِّدْقَ، وَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنَّ فِيهِ الْهَلَكَةَ، فَإِنَّ النَّجَاةَ فِيهِ، وَتجَنِبُوا الْكَذِبَ، وَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنَّ النَّجَاةَ فِيهِ، فَإِنَّ الْهَلَكَةَ فِيهِ»، (أخرجه ابن أبي الدنيا)، وقوله- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-أيضاً: «اضْمَنُوا لِي سِتّاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنُ لَكُمُ الْجَنَّةَ : اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا عَاهَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا ائْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ»، (أخرجه أحمد).

التحذير من كذبة أبريل
مما يؤسف له أن بعض الناس يرتكبون أخطاء كبيرة ويقومون بأعمال سيئة، حيث ينشرون الأخبار الكاذبة مثل: إن فلاناً قد تعرض لنوبة قلبية، أو أُصيب في حادث مُرَوِّع، وربما ترك هذا الأمر وَبَالاً على المستمع، ثم يمازحه قائلاً: هذه كذبة الأول من أبريل. لذلك رأينا أن ّمن الواجب علينا تحذير الأمة من ذلك، فنحن مُحَاسَبُون على كل كلمة نقولها، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، «سورة ق: الآية 18»، ومما يُوردُ الإنسان المهالك أن يُطْلِقَ للسانه العنان يقول ما يشاء، لذلك يجب علينا أن نعلم بأن كلّ لفظ يخرج من الإنسان سَيُحَاسَبُ عليه أمام ربه، لذلك فقد أخبر رسولنا - صلى الله عليه وسلم- أن حفظ اللسان هو ملاك الأمر كله، لما رُوِىَ عن معاذ بن جبل- رضي الله عنه- من حديث مطوّل، قال: قال لي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «... ثُمَّ قَالَ: أَلا أُخْبِرُكَ بِمَلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ: وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: ثَكلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»، (أخرجه الترمذي). نسأل الله أن نكون من الصادقين والفائزين في الدنيا والآخرة.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

بقلم الشيخ الدكتور/ يوسف جمعة سلامة
خطيب المسجد الأقصى المبارك
www.yousefsalama.com

اقرأ أيضا