الاتحاد

تقارير

سوات... كانت نهراً مسالماً ذات يوم

عودة النازحين إلى وادي «سوات« بداية جديدة في منطقة مضطربة

عودة النازحين إلى وادي «سوات« بداية جديدة في منطقة مضطربة

تخوض باكستان اليوم أكبر عملية لها ضد «طالبان» في إقليم وادي سوات المضطرب والمناطق المجاورة له. ورغم أن موجة أولية صغيرة من اللاجئين قد بدأت العودة كجزء من جهود حكومية، إلا أنه يُعتقد أن مليونين ونصف المليون من الناس هربوا من سلسلة الجبال التي كانت في يوم من الأيام هادئة وذات مناظر خلابة. وقد تحدثت في مخيم في «ريزالبور»، على بعد 50 ميلا جنوب المناطق اللتي دارت فيها أعنف المعارك، مع بعض النازحين. «سافرنا على الأقدام من منجورا إلى كوكاري، ثم ذهبنا إلى سانجار... على بعد حوالي تسعة أميال.. قبل أن نركب الحافلة إلى ريزالبور»، هكذا يقول محمد يحيى، رئيس البلدية السابق في قرية قرب منجورا.

قطعت مجموعات بأكملها، تضم النساء والأطفال والعجزة، تلك الرحلة عبر سلسلة مرتفعة من الجبال. اضطر الجميع تقريباً إلى التنقل على الأقدام لأن وسائل النقل العامة كانت إما خطرة أو مكلفة. تعيش المجتمعات النازحة في العادة حياة قاسية، حيث يقيم أفرادها في مساكن مكتظة أو خيام دون مياه جارية أو كهرباء، وهم سكان جبال طوال حياتهم، غير معتادين على حرّ الصيف الشديد في المناطق الأقل ارتفاعاً مثل ماردان وريزالبور، أو في بيشاور على بعد 55 ميلا إلى الجنوب، حيث لجأت الغالبية. أما الإسهال والأمراض التي تنقلها المياه، فيفاقمها الحر الشديد وهي شائعة جداً، وخاصة بين الأطفال الأصغر عمراً. «في إحدى الليالي كانت هناك سلسلة من الانفجارات على أطراف القرية»، تقول مانو، الطفلة البالغة من العمر 11 سنة، والتي قابلتها في أحياء السكن الجرداء في منطقة ريزالبور الصناعية، والتي تبرع بها أصحاب الأعمال للنازحين. قرر جميع سكان قرية مانو، البالغ عددهم 13 أسرة أو حوالي 200 شخص، النزوح هرباً من بيوتهم في الصباح الذي تلا الانفجارات. إلا أن التشرد ليس سوى واحد من آثار هذه الحرب. يشتهر وادي سوات بمجال واسع من الفواكه وغيرها من المحاصيل التي تدرّ دخلا نقدياً على أصحابها. ونظراً لأن النزاع بدأ في وسط فترة الحصاد في مايو الماضي، فإن السكان الذين يعتمد معظمهم على الزراعة، فقدوا الجزء الأكبر من دخولهم لهذه السنة. تحولت منجورا، وهي أكبر مدينة في سوات وواحدة من مراكز الاشتباكات بين «طالبان» والجيش، إلى قلعة للمتمردين، لم يتمكن الجيش من استعادتها إلا بعد قصف عسكري مدمِّر أدى، حسب روايات السكان المحليين ومصادر عسكرية غير رسمية، إلى قتل أعداد من المدنيين تفوق بكثير أعداد المتمردين المسلّحين. إلا أنه عندما طُرِح السؤال عمن يتحمل مسؤولية هذه الأزمات، ظهر بوضوح أن النازحين يحملون كراهية عميقة تجاه «طالبان» لدورها في خراب أحيائهم التي كانت مسالمة في يوم من الأيام. «يقول هؤلاء الطالبانيون إنهم يحاربون من أجل تحكيم الإسلام»، كما يقول بورماناري متهكماً، ثم يردف: «يقولون إنه لا يوجد إسلام في سوات. لكن ما هذا؟ هل نحن غير مسلمين؟». و«يقول الطالبانيون إنهم يريدون الشريعة الإسلامية، ولكن أي نوع من الشريعة هذا؟ إنها مجرد لعبة عندهم»، تقول مانو. تجرأت مانو على السعي للحصول على تعليم في منطقة سوات حيث تمنع «طالبان» النساء من التعلُّم. «لست خائفة من الذهاب إلى المدرسة»، تقول بتحدٍّ عند سؤالها عن دراستها. استمرت مانو في الذهاب إلى واحدة من المدارس القليلة الباقية بعد أن دمّرت «طالبان» أكثر من مائتي مدرسة، في مخاطرة يمكن أن تعرّضها إلى أذى جسدي، قبل أن تهرب في نهاية المطاف مع أسرتها. «لسنا خائفين لأننا نقوم بما هو صحيح»، يقول ضياء الدين يوسف زاي، أستاذ المدرسة. «هؤلاء الذين يمنعون طالباتنا من الحصول على التعليم هم الذين يجب أن يخافوا. يعلّمنا الإسلام أن الحصول على العلم إلزامي على الجميع. تلك هي تعاليم نبينا صلى الله عليه وسلم. «لماذا يجب فرض ذلك عليّ من قبل طالبان؟ الإسلام يحفزني على توفير التعليم لأطفالي لأن العلم هو النور والجهل هو الظلام». يبدو أن الظلام قد غمر سوات، إلا أن النازحين يستخدمون الشعر، مثل كلمات مانو تلك، لتنوير محنتهم: «منطقة سوات التي أعيش فيها اشتعلت، ليس فقط من ناحية واحدة بل من جميع النواحي. غطت النيران كل شيء: شعبنا وعاداتنا ومدارسنا وأسواقنا وسوات الجميلة، بأوديتها وقممها، وبأزهارها العطرة، جميعها فقدت سحرها وبريقها. هناك حروب في كل اتجاه، صَمَت الناس الذين ضحكوا وغنوا. جف نهر سوات الذي كان في يوم من الأيام عظيماً مسالماً. أصلي لك يا ربي أن تعيد لنا الجنة وسوات المسالمة التي أذكرها».


مصطفى قادري
مراسل مجلة The Diplomat للشرق الأوسط وجنوب آسيا
ينشر بترتيب خاص مع «كومون جرواند»

اقرأ أيضا