الاتحاد

تقارير

الإعلام الإسباني... ودرس المهنية المنقوصة

يقال دائماً إن الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب أو الصراعات لكنها أيضاً وحتى في غياب الحروب بات يُضحى بها إما على محراب الأيديولوجية والتصورات الجاهزة كما يعاني الإسلام حالياً في بعض المنابر الإعلامية الغربية، أو فقط بسبب الأخطاء المهنية الفادحة والمعالجة الإعلامية القاصرة التي اتخذت من التردي عنوانها الأبرز.
لكن وعلى ذكر التردي الإعلامي وانعدام المصداقية كنا نعتقد أن إعلامنا العربي هو من حطم الأرقام القياسية في لا مهنيته لطبيعة الظروف السياسية والاقتصادية المحيطة بالعمل الصحفي في بلداننا، بالإضافة إلى الإمكانات المتواضعة للمؤسسات الإعلامية التي ربما لا تتيح للصحفي والإعلامي تحري الدقة وتوخي الحذر كجزء أساسي يمليه عليه واجب المهنة.
لذا مازلت أذكر ونحن طلبة في معاهد التكوين تسابقنا على قراءة الصحف الغربية، وكانت على سبيل المثال "لو موند" الفرنسية، أو "إل باييس" الإسبانية، لمن يجيدون بيننا اللغة الإسبانية، نجوماً حقيقية تسطع في سماء الصحافة نسعى من خلال المداومة على مطالعتها إلى تشرب أسرار المعالجة الصحفية مستمتعين بالتحقيقات الجريئة التي تنشرها ومعجبين بالمهنية العالية لمحرريها.
هذا في الوقت الذي كانت فيه المطبوعات العربية الرسمية، قبل أن تظهر الصحف المستقلة على الأقل، تعاني من نظرتنا المستخفة لافتقادها المصداقية إما بسبب سقف الحريات المحدود والخطوط الحمراء العديدة، أو لغياب المهنية والتقاعس عن تتبع مصادر الخبر والتأكد منه.
وقد ظل هذا الاعتقاد حول تفوق الصحافة الغربية راسخاً لدينا مذ أن كنا طلبة ندمن على مطالعة الصحف الفرنسية حتى بدأت تنكشف أمامنا الحقيقة شيئاً فشيئاً بعدما اكتمل نضجنا وتفتح وعينا على تجارب إعلامية عربية رائدة ومتميزة.
وقد تأكد تهافت بعض منابر الإعلام الغربي قبل مدة عندما ارتكبت الصحافة الأميركية الرصينة ممثلة في "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" أخطاءها الكبيرة بانسياقها الأعمى البعيد عن التفكير النقدي وراء التبريرات الرسمية لإدارة بوش مسوغة الاحتلال الأميركي للعراق دون تمحيص للدواعي الحقيقية، ما دفعها في النهاية للاعتراف بالخطأ والتقدم باعتذار لقرائها، لكن تبقى الأخطاء المهنية الأكثر فجاجة التي سقطت فيها بعض وسائل الإعلام الغربي سواء في تعاطيها مع الخبر أو نقلها للصورة هي ما جسدته المعالجة الإعلامية للصحافة الإسبانية في ظل تغطيتها لأحداث تفكيك السلطات المغربية لمخيم احتجاجي في مدينة العيون، فبدلا من التقيد الصارم بالمعايير المهنية في نقل الخبر والصورة والالتزام بالميثاق الأخلاقي للعمل الصحفي، انخرط الإعلام الإسباني ممثلا في صحيفة "إل باييس" العريقة في أخطاء جسيمة تضر ليس فقط بالعمل الصحفي لبلد مثل إسبانيا بل تنال من المهنة عموماً وتضرب مصداقيتها في الصميم.
فقد عمدت "إل باييس" وهي إحدى كبريات الصحف الإسبانية إلى نشر صورة وزعتها وكالة الأنباء الإسبانية الرسمية تظهر طفلا مصاباً بجروح يتحلق حوله مجموعة من الأطباء في محاولة لإنعاشه والتخفيف من أوجاعه، وجاء في عنوان الصورة التي نقلتها الصحيفة الإسبانية أن الطفل هو من ضحايا تدخل القوات المغربية لتفكيك مخيم في مدينة العيون.
والحقيقة الصادمة والمخجلة في نفس الوقت أن الصورة ترجع إلى طفل فلسطيني أصيب في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة أواخر عام 2008، وهو ما أثبته المصور نفسه الذي التقط الصورة وظهر على شاشات التلفزيون ليحتج على التوظيف المخل للصورة ونزعها من سياقها الحقيقي لإسقاطها على حدث مغاير تماماً دون التأكد من مصدرها، وهو ما يتنافي مع أبسط المبادئ الصحفية.
وفي مثال آخر على تراجع القيم الأخلاقية للصحافة الإسبانية في بلد يفخر بمؤسساته الإعلامية "الكبرى" تحتم عليه احترام قواعد الصحافة الرصينة وأسسها المتعارف عليها استغل التلفزيون الإسباني "أنتينا تريس" صورة أخرى لإحدى جرائم الحق العام شهدتها مدينة الدار البيضاء عندما أقدم مختل عقلي على قتل أفراد من عائلته لتعرضها المحطة التلفزيونية على أنها صورة لضحايا مدنيين سقطوا جراء تدخل القوات المغربية في مدينة العيون، وهي الفِرية التي فضحتها صحيفة مغربية سبق أن نشرت نفس الصورة في سياق الجريمة البشعة التي راح ضحيتها أفراد أسرة مغربية من مدينة الدار البيضاء دون أدنى مراعاة لمشاعر الأسرة المكلومة؛ أما ثالثة الأثافي فهي إعلان الصحافة الإسبانية عن مصرع شخصين في أحداث العيون والإعلان عن اسميهما فقط ليتبين لاحقاً أن الشخصين حيان يرزقان، بل وأجريا لقاءات مع الصحافة لإثبات مدى استخفاف الإعلام الإسباني بجمهوره.
إن ما وقعت فيه وسائل الإعلام الإسبانية من هفوات مهنية خطيرة بالنظر إلى الصور المزيفة التي نشرتها لم تقف حدوده عند تسفيه العمل الصحفي والنيل من مصداقيته بانتهاك معاييره المهنية المتعارف عليها، بل ألقت أيضاً بظلال كثيفة من الارتياب وانعدام الثقة في العلاقة بين الرباط ومدريد، وهو ما يدعونا نحن كمهنيين عرب أن نراجع تلك النظرة المنبهرة بالصحافة الغربية، بل والتعامل معها بعين فاحصة ومتشككة في أهدافها ومراميها.

زهير الكساب

اقرأ أيضا