الاتحاد

تقارير

كردستان العراق... الهدوء حين تسبقه العاصفة!

منذ الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 لم تصل منطقة كردستان العراق، التي تتمتع بحكم ذاتي، والحكومة العراقية المركزية في بغداد إلى حافة الحرب كما بدا ذلك في شهر يونيو الماضي حسب ما قال رئيس وزراء إقليم كردستان يوم الخميس الماضي في تقييم هو الأشد قتامة للتوتر الناشئ بين الحكومة المركزية ونظيرتها المحلية، وهو توتر يعتبره المسؤولون الأميركيون أحد أكثر خطوط التماس قابلية للاشتعال الآن في بلاد الرافدين. ففي لقاءين منفصلين رأى رئيس حكومة كردستان ورئيس الإقليم أن جميع المحاولات المبذولة لحل النزاعات المستفحلة مع حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ذات القوة المتزايدة وصلت إلى طريق مسدود، بل إن رئيس حكومة الإقليم، نيشروان برزاني، أكد أنه لولا وجود الجيش الأميركي في شمال العراق لاندلعت المعارك في المناطق الأكثر هشاشة.ومازال الصراع بين العرب والأكراد من القضايا الأساسية التي تهدد العراق حتى في ظل انحسار أعمال العنف وبدء الجيش الأميركي انسحابه الممتد على مدى عام كامل من البلاد، حيث مازال التوتر الطائفي قائماً، تغذيه الجماعات المتمردة التي يبدو أنها عازمة على تصعيد الأوضاع، ثم هناك التنافس المحتدم حالياً في بغداد لتحديد ملامح التحالف السياسي الذي سيقود البلاد بعد انتخابات العام المقبل. ولكن الولايات المتحدة حذرت، ولشهور، مما هو أخطر بالنسبة لاستقرار العراق ومستقبله لسنوات قادمة متمثلا في الصراع العرقي الذي يمكن أن يضع العرب في مواجهة الأكراد، وتحديداً الحكومة المحلية في إقليم كردستان العراق وحكومة نوري المالكي المركزية في بغداد.

وفي يوم 28 من شهر يونيو الماضي جرى حادث يؤكد هذه المخاوف ويلقي عليها المزيد من الضوء عندما وقف سكان أكراد ومليشيات تابعة لحكومة إقليم كردستان ضد وحدة من الجيش العراقي يقودها العرب اقتربت من بلدة «مخمور» ذات الأغلبية الكردية الواقعة بين مدينتي كركوك والموصل المضطربتين في شمال العراق، فقد اعتقد الأكراد أن الوحدة العسكرية تحاول اقتحام المدينة ولأربع وعشرين ساعة متواصلة دخل القادة الأكراد والمسؤولون العراقيون في بغداد والجيش الأميركي في مفاوضات كثيفة انتهت بصرف وحدة الجيش العراقي لتستمر المليشيات الكردية التي تخضع صورياً على الأقل لسلطة الجيش العراقي في تقديم ولائها لحكومة الإقليم المحلية وفي السيطرة على المنطقة، وعن هذا المأزق صرح رئيس حكومة كردستان قائلا: «لقد أرسلت بغداد قوات كبيرة للتمركز في الإقليم والسيطرة على المنطقة المتنازع عليها وكانت رسالتنا واضحة: لن نسمح لكم بالقيام بذلك». وفي لقاء آخر قال مسعود برزاني: «كانت تعليماتنا محددة لا الجيش العراقي ولا الميلشيات الكردية لها الحق في دخول تلك المناطق». ومن جهته أكد الجيش الأميركي على لسان أحد مسؤوليه الحادث فعندما سئل الميجور «جيمس رولينسون»، المتحدث العسكري في كركوك، عما إذا كان الأمر يتعلق بوقوف المليشيا الكردية في وجه الجيش العراقي رد قائلا: «في العمق هو كذلك». ومن جهته أرجع متحدث في وزارة الدفاع العراقية الحادث إلى سوء فهم وتفسير خاطئ لتحرك عادي للجيش العراقي في إطار استبدال الجنود بآخرين، ضمن تحرك لا يحمل أي مدلول عدائي، لكن عندما رأى السكان اقتراب الجيش العراقي من المدينة اعتقدوا أن الحكومة في بغداد أرسلت تعزيزات وبذلك «حولوا موضوعاً بسيطاً إلى مشكلة كبرى». ويبقى الصراع بين الحكومة المركزية والمنطقة الكردية مرشحاً للانفجار بسبب تقاطعه مع نزاعات أخرى عويصة مازالت تهدد استقرار البلاد مثل النقاش حول قانون النفط لاقتسام العائدات وتدبير احتياطيات النفط الهائلة، لاسيما أن البعض منها يوجد في مناطق تعتبرها الحكومة الكردية جزءاً من إقليم كردستان، هذا بالإضافة إلى المباحثات المتعثرة لرسم الحدود بين المناطق العربية والكردية، والجهود الرامية إلى تسوية وضعية مدينة كركوك الغنية بالنفط والتي يتقاسمها العرب والأكراد والتركمان. ولعل ما يزيد الوضع تعقيداً الحزازات الشخصية القائمة بين مسعود برزاني، رئيس إقليم كردستان العراق ونوري المالكي، رئيس الوزراء، الذي تعززت مكانته بعدما نجح في إعادة بعض الهدوء إلى البلاد، وبعد نجاح «حزب الدعوة» الذي يتزعمه في الانتخابات الأخيرة لمجالس المحافظات، إذ على رغم الزيارة التي قام بها وفدان من «حزب الدعوة» إلى مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، منذ فصل الربيع الماضي، إلا أن الرجلين لم يتحدثا إلى بعضهما بعضاً لأكثر من سنة. ولكن المواجهة التي كادت تندلع في الشهر الماضي بين الطرفين لم تكن الأولى، بل هي الثالثة في سلسلة من المحاولات شهدت تمدد الميلشيات الكردية المعروفة باسم «البشمرجة» داخل المناطق التي تديرها بغداد وذلك منذ الغزو الأميركي للعراق، فمع سقوط نظام صدام وموافقة الولايات المتحدة إرسال القادة الأكراد لقواتهم متجاوزين حدود الإقليم، وفي المناطق ذات الغالبية الكردية أرسلوا طواقم إدارية أيضاً. ولكن ابتداء من السنة الماضية بدأ المالكي في دفع التمدد الكردي وأرسل الجيش العراقي لمواجهة «البشمرجة»في بلدة «خانقين» الحدودية التي تقطنها غالبية كردية، كما نشر الآلاف من الجنود في كركوك، وفي ظل أجواء التوتر واحتمالات المواجهة قرر الجيش الأميركي تعزيز تواجده في المدينة أيضاً. وفي استعراض لما جرى في الواقعة المذكورة أعلاه، يقول رئيس حكومة إقليم كردستان العراق إن الطرفين كانا على وشك الدخول في مواجهة دامية في بلدة «مخمور» بعدما توجه الجيش العراقي إلى المدينة وتمركز في حقول القمح القريبة بنية اقتحام البلدة، لكن الجيش وجد أمامه ألفين من قوات «البشمرجة» ليتوتر الوضع طلية الليل، ثم تكاثفت بعدها الاتصالات التي استمرت إلى الصبح، بل إن رئيس حكومة الإقليم قال إنه ظل مستيقظاً تلك الليلة حتى الساعة الرابعة صباحاً، في وقت كانت المباحثات جارية على قدم وساق.


أنطوني شديد - أربيل
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست»

اقرأ أيضا