الاتحاد

تقارير

الركود الاقتصادي... وأوهام النقد الثقافي!

ليس كافيّاً أن نصف موجات الركود الاقتصادي بأنها مثيرة للاكتئاب فحسب، بل يجب وصفها أيضاً بأنها مثيرة للملل، بكل بساطة. وليس قصدي من هذه الأوصاف الاستهزاء أو التقليل من المعاناة المالية الكبيرة التي يعيشها كثير من الأميركيين اليوم. فقد بلغت نسبة البطالة 9.8 في المئة، بينما تلقى واحد من كل 492 من مالكي البيوت الخاصة إنذاراً بحجز رهنه العقاري في شهر نوفمبر المنصرم. ولاشك أن هذه أرقام مفزعة. فحتى الذين تمكنوا من البقاء في وظائفهم حتى الآن، تحول سداد ما عليهم من إيجارات وأقساط رهن عقاري إلى كابوس نفسي كل يوم، بسبب صعوبة الظروف الاقتصادية التي يعيشونها.
وبالنسبة للأوفر حظاً منا، فإن العيش في ظل الكساد الاقتصادي، يبدو شبيهاً جدّاً بشراء أحدهم لسيارة عالية الأداء والسرعة، لكنه مرغم على قيادتها بسرعة الترس الأول فحسب وبأبطأ سرعة مملة، أو هو مثل ممارسة رياضة المشي على كعب ملتوٍ.
وبعبارة أخرى، فإن أوقات الشدة، عادةً ما تثير الملل. فهي تبطئ سرعتنا، وتتحكم فينا، أو تبقينا في حالة من القلق والترقب والانتظار لظهور الشاطئ التالي مباشرة كي نقفز فوقه من على ظهر سفينة الحياة.
وأذكر أن هذه الفوضى العامة عندما بدأت في 2007، كان قد تبارى عدد من النقاد الثقافيين وتنافسوا في الدفع بحججهم النظرية المجردة القائلة إن قليلاً من شد الأحزمة حول البطون سيكون دواءً مفيداً لأرواحنا ولنمط حياتنا الاستهلاكي. ومنهم من رأى أن موجة الركود هذه ستدفعنا إلى التمسك أكثر من ذي قبل بأصدقائنا وأحبائنا، وأنها سترغمنا في ذات الوقت على إعادة اكتشاف بساطة الحياة وسهولة معناها وجمالها.
وفي حين ساعدت مثل هذه الحجج النظرية المثقفة في التخفيف من وطأة شعورنا بالمأساة في ذلك الوقت، فإن مما لاشك فيه أن هؤلاء النقاد كانوا مخطئين تماماً في كل ما روجوا له. ذلك أن القول بأن المال مفسد للروح بشكل ما -كما يرى الفيلسوف والكاتب الوجودي ألبير كامو- لا يمكن وصفه إلا بأنه ضرب من ضروب التعالي الروحي، والانسلاخ من الواقع.
وبعد هذا القول، فإنه يصح أن يكون لكل مجتمع رأسمالي ناضج من المفكرين والمثقفين من يذكرونه بمدى خطورة الانغماس في الماديات. فبدون الطرق المستمر على عقولنا وأفئدتنا بعبارات مثل "المال أصل كل الشر والمفاسد"، وكذلك المواعظ الدينية التي تحثنا على "أفضيلة العطاء على الأخذ" وغير ذلك من قيم وتعاليم، فربما تحولنا إلى مجتمع لا هم له سوى جمع المال وتكديسه.
ومهما يكن من أمر هذه المخاوف، فإن ما يجب تأكيده هنا هو أننا كثيراً ما نسعى إلى التخفيف من ضغوط السعي وراء المال وجمع الدولارات -علماً بأن جمع الدولارات يمثل المبدأ الرئيسي المنظم لمجتمعنا- بتكرار القول لأنفسنا إن المال ليست له كل هذه الأهمية التي نتوهمها.
وخلال العقد الماضي، أجرى علماء النفس الاجتماعيون عدة دراسات ومسوحات للرأي العام، أكدت مؤدى الحكمة الاجتماعية القائلة إنه ليس في وسع المال شراء السعادة. غير أن دراسة جديدة أجراها باحثون من جامعة برينستون في العام الماضي، أكدت أن دخلاً سنويّاً يبلغ 75 ألف دولار يمثل معياراً لقياس سعادة الفرد. واستنتجت الدراسة نفسها أنه كلما انخفض دخل الفرد عن ذلك المعدل، كلما ازدادت احتمالات عدم سعادته. كما استنتجت عدم ترجيح شعور المرء بأي سعادة إضافية في حال تجاوز دخله السنوي لمعدل 70 ألف دولار.
غير أن ما تخفق هذه الدراسات في قياسه دائماً هو مدى سعادة الفرد بحلم جمعه للمال، والجهد الذي يبذله من أجل تحقيق حلمه. وعلى رغم كل ما يقال سلباً عن هذا السعي من قبيل وصفه بأنه "سباق الجرذان"، فربما حان وقت القول بأن في هذا السباق شيئاً من المتعة التي يمكن أن نحققها لأنفسنا. ذلك أن السوق لا يزال هو الساحة الرئيسية التي نحقق فيها آمالنا وأحلامنا.
ومن المفارقات العجيبة أن الرئيس الأسبق فرانكلين روزفلت، الذي ولد وترعرع في بحبوحة المال والثروة، كان أفضل من لخص نزوع النفس البشرية إلى جمع المال. فمما قاله في هذا الشأن: "لا تكمن السعادة في مجرد الحصول على المال وجمعه، وإنما تكمن في سعادة المرء بتحقيق ما يتمناه، وفي التشويق الذي يثيره فينا الجهد الخلاق". وعليه، يمكن القول إن أوقات الركود الاقتصادي، تقتل فينا ذلك الحماس، وتقلل في دواخلنا ذلك الشعور بفرح الإنجاز. فبسبب قلة تدفق المال، ونقص القروض الممنوحة للناس، مع ندرة الوظائف الجديدة الناشئة -وهي ظواهر تقليدية متكررة ومصاحبة لجميع فترات الركود الاقتصادي- فإنه ليس ثمة خيار أمام الكثيرين منا، سوى إهدار جهد ووقت أطول في مجرد محاولة الحفاظ على البقاء، أو أن نحاول التشبث بما نحن عليه، بدلاً من التخطيط والحلم بتجاوز هذه الظروف إلى شيء أكثر معنى وإثارةً. وإذا ما نظرنا إلى ثقافة المجتمع الأميركي، باعتبارها ثقافة تقدس الأمل والتغيير والابتكار، فإنه ليس بوسعي تصور ما هو أسوأ وأكثر قتلاً لأرواحنا وثقافتنا من أوقات الشدة والركود الاقتصادي.

جريجوري رودريجز
محلل سياسي أميركي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي . تي. إنترناشونال»

اقرأ أيضا