الاتحاد

تقارير

أميركا وكوريا الجنوبية واليابان... تحالف ثلاثي

يحمل المبعوث الأميركي، ستيفان بوزورث، خلال الأسبوع الجاري رسالة إلى العواصم الآسيوية تتطلع إلى أكثر مما هو معروف من رغبة المجتمع الدولي في إقناع كوريا الشمالية بالتخلي عن برنامجها النووي.
فالمضامين المبطنة للرسالة التي نقلها المبعوث إلى سيؤول وبكين وطوكيو تروم دفع كل من اليابان وكوريا الجنوبية لتجاوز تركة 35 عاماً من الحكم الاستعمار الياباني وعقوداً من العداء والريبة المتبادلة بين الجانبين لتدشين مرحلة جديدة من التعاون في مجال الدفاع المشترك ضد التهديد الكوري الشمالي وما يطرحه الصعود الصيني من مخاوف.
وفي حين ينفي المسؤولون اليابانيون ونظراؤهم في كوريا الجنوبية أي تحالف بين البلدين مبررين ذلك باستحالته من الناحية السياسية، يواجه"بوزورث" الذي وصل إلى طوكيو قادماً يوم الخميس الماضي إليها من بكين أسئلة كثيرة حول التعاون الذي تسعى إلى صياغته الولايات المتحدة بين سيؤول وطوكيو، فمعروف العلاقة القوية التي تربط واشنطن مع العاصمتين كل على حدة لم تصل قط إلى درجة التعاون الثلاثي المشترك، بحيث تبقى أميركا واليابان من ناحية بالتوازي مع أميركا وكوريا الجنوبية من ناحية أخرى، وذلك رغم إصرار المسؤولين الأميركيين طيلة عقود من الزمن على توسيع التحالف الثنائي مع كل دولة منفردة ليصبح تحالفاً ثلاثياً يجمع البلدان الثلاثة.
وكان "بوزورث" قد أصر خلال زيارته الآسيوية على ضرورة تخطي المطالب التقليدية الموجهة لكوريا الشمالية بالجلوس إلى طاولة المفاوضات والرجوع إلى المباحثات "السداسية" إلى الوفاء بالاتفاقية التي تم التوصل إليها في عام 2007، والتي بموجبها تتعهد كوريا الشمالية بالتخلي عن برنامجها التسلحي مقابل حصولها على مساعدات كبيرة للنهوض باقتصادها المتداعي. هذا التوجه الذي حمله معه المبعوث الأميركي أكده مسؤول كوري جنوبي يوم الأربعاء الماضي بقوله: "إن سيؤول وواشنطن يقتسمان نفس الرؤية المتعلقة بالمباحثات السداسية مؤداها أن الحوار يجب ألا يكون من أجل الحوار فقط، بل يتعين تحقيق نتائج ملموسة".
وفي الوقت الذي يقوم فيه مسؤولون يابانيون بإجراء تقييم لمدى جدية كوريا الشمالية في الرجوع إلى طاولة المفاوضات و"إنهاء المواجهة مع الجنوب".
كما نقلت وسائل إعلام في سيؤول، ما مفاده أن اليابانيين يعكفون في هذه الآونة على إذاعة فكرة التعاون العسكري مع كوريا الجنوبية، وذلك رغم العقبات التي تقف في وجه هذا التعاون المشحون بالمشاعر السياسية غير الودية، فحسب تصريحات للمسؤولين اليابانيين إلى وسائل الإعلام المحلية ستعمل اليابان على صياغة شروط وملابسات التعاون مع كوريا الجنوبية الذي تضغط في اتجاهه الولايات المتحدة من خلال تبادل المعدات والمعلومات والوقود والدواء، بل حتى الغذاء والماء في حالة اندلاع حرب في المنطقة.
وفي هذا السياق، سيقوم وزير الدفاع الياباني بمناقشة بنود اتفاقية التعاون تلك مع نظيره الكوري الجنوبي لإخراجها إلى حيز الوجود.
وقد تابعت الصحف اليابانية ما كُشف عنه من توقيع اتفاقية التعاون بين أعداء الماضي من خلال التقرير الذي نشرته يوم الأربعاء الفائت "يوميوري شيمبون"-كبرى الصحف اليابانية- من أن كوريا الجنوبية واليابان قد يوقعان على اتفاقية تعاون مشترك خلال الشهور المقبلة تنص على تعزير العمل العسكري المشترك في أوقات السلم رغم "استمرار النزاع حول الماضي الاستعماري الياباني لشبه الجزيرة الكورية".
وقد ذكرت الصحيفة كخلفية لهذه الاتفاقية أن "الشعور المتنامي بالاضطراب في شرق آسيا، لا سيما بعد "الاعتداءات المتصاعدة من قبل كوريا الشمالية". ويتحفظ المسؤولون الأميركيون بالنظر إلى حساسية الموضوع عن الإدلاء بتعليقات حول فرص تعاون عسكري أكبر بين كوريا الجنوبية واليابان، ناهيك عن الحديث عن تحالف عسكري وثيق.
وفي إشارة إلى التقارب الثلاثي الأميركي الياباني والكوري الجنوبي تراجع رئيس الوزراء الياباني، "ناوتو كان" عن أي مطالب سابقة بجلاء القوات الأميركية عن جزيرة أوكيناوا، وهي المطالب التي رفعها حزب "اليابان الديمقراطي" الذي ينتمي إليه قبل وصوله إلى السلطة عام 2009 مكتفياً بخطة نقل قاعدة بحرية أميركية من منطقة مأهولة إلى أخرى بعيدة عن التجمع السكاني في الجزيرة نفسها، هذا في الوقت الذي نحا فيه الرئيس الكوري الجنوبي "لي ميونج باك" في نفس اتجاه التقارب مع اليابان عندما شجع في الآونة الأخيرة- وهو الذي سُجن عندما كان شاباً لتزعمه مظاهرات مناوئة لليابان- على تعزيز التعاون مع طوكيو من خلال إجراء تدريبات عسكرية مشتركة على غرار تلك التي جرت مؤخراً قبالة ميناء "بوسان" في كوريا الجنوبية.
وفي هذا السياق يقول "مينجي هيون"، الباحث في معهد كوريا للاستراتيجيات البحرية "يشعر الناس في كوريا بالحاجة إلى رفع مستوى التعاون مع اليابان، رغم المشاعر الشعبية المناهضة لتقارب وثيق بين البلدين بسبب ظلال الماضي العالقة في أذهان الناس والماضي الاستعماري لليابان"، ومن بين القضايا التي تعوق التقارب بين البلدين مطالب كورية الجنوبية بسلسلة الجزر الصغيرة التي تفصل بين شبه الجزيرة الكورية واليابان، وهي المياه التي يطلق عليها الكوريون اسم "بحر الشرق" فيما تسميها طوكيو "بحر اليابان".
ويبدو أن مطالب أميركا التي حملها مبعوثها خلال زيارته إلى بكين بضرورة ضغط الصين على كوريا الشمالية لم تلقَ آذاناً صاغية في الأوساط الصينية التي لم تؤيد اتهامات كوريا الجنوبية لنظيرتها الشمالية بقصف جزيرة في "البحر الأصفر" قبل مدة وقتلها لمدنيين وجنديْين من قواتها، كما لم تدعم الصين نتائج التحقيق الذي أجرته سيؤول بمشاركة دولية وحمل مسؤولية إغراق سفينة تابعة لكرويا الجنوبية في شهر مارس الماضي إلى بيونج يانج، هذا الانحياز الصيني الواضح لكوريا الشمالية أزعج المسؤولين في سيؤول، وهو ما أكده الباحث "هيون" قائلاً: "إن العلاقات مع الصين أثارت القلق لدى الكوريين، ولم يعد الخوف من بيونج يانج بقدر ما تركز في العاصمة بكين"، كل هذه العوامل تدفع الولايات المتحدة للتدخل من أجل التقريب بين كوريا الجنوبية واليابان للدفاع عن أنفسهم أمام التهديدات المتفاقمة في منطقة تبدو مهيئة للانفجار في أي وقت.

دونالد كورك - طوكيو

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا