الإثنين 23 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
حسن داوود: الموتى يمنحوننا وجودهم كاملاً
5 أغسطس 2005

بيروت - ميرفت دهّان:
حسن داوود، كاتب وصحفي لبناني بدأ إنتاجه الأدبي بترجمة كتاب 'فنان اللافتات' للمؤلف (ر·ك·نارايانل)· وفي تلك المرحلة كانت دواخل الكاتب تتحضر لمخاض على الورق، الذي أنتج على مدى سنوات من الابداع كتابة سبع روايات ومجموعتين قصصيتين· كتابة الروائي شديدة الشبه به، فهي صنيعة نفس هادئة حكيمة تملي على قلم انعجن حبره بأحزان الحياة والموت والحرب وألم تغير القيم بين الناس· روايته الأولى 'بناية ماتيلد'، التي أصدرها سنة ،1983 لاقت رواجاً وانتشاراً كبيراً، وطبعت في مصر طبعة شعبية، وظهرت الطبعة الرابعة منها مترافقة مع روايته الحديثة 'لُعب حيّ البياض'· ومن أعماله ' نزهة الملاك' ،1992 'سنة الأوتوماتيك' ،1996 'غناء البطريق '،1998 'أيام زائدة' ،2000 'ماكياج خفيف لهذه الليلة' ·2003 تنقل في العمل الصحفي بين عدد من الصفحات الثقافية للجرائد اليومية، ويعمل اليوم كرئيس تحرير لملحق 'نوافذ' الأسبوعي في جريدة المستقبل·
الاتحاد حاورت حسن داوود وفيما يلي نص الحوار:
؟ عدت في روايتك الأخيرة 'لُعب حيّ البياض' إلى زمن مروي على لسان والدتك، هل هو حنين لزمن الطفولة أو رحلة اكتشاف تلك الأعماق التي شكلت نواة شخصيتك الروائية؟
؟؟ أذكر عن أمي أنها كانت تتسلى بخياطة اللعب أو الدمى وقد لازمتها هذه الهواية أو هذه الحرفة طيلة حياتها ولم يوقفها عنها إلا عدم قدرتها على التحكم بنظرها وبحركة أصابعها· كانت ترى في الخياطة فناً وكانت إذ تنظر إلى نفسها تخيط تعجب بما تنظر إليه، وتقول: أنا أحب الخياطة وكانت تقول أنها كانت تقلد النساء وحركاتهن حين كانت في صباها الأول· لم تذهب إلى المدرسة لكي تقرأ وتكتب وهي حين تتكلم عن أبيها الميت قائلة إن خط يده كان أجمل خط في النبطية فإنما كانت تتكلم عن شكل الخط وعن فنيته من دون أن تقارنه بخطوط أخرى أو من دون أن تكون قد وضعت معياراً للخط الجميل تحاكم به خط أبيها مع خط سواه· هذا هو الجانب الفني من حياة أمي التي ظلت تشتاقه وترثيه من وقت ما تزوجت· صحيح أنها ظلت تخيط الفساتين لكنها كانت بذلك كأنها تستعيد هواية قديمة سابقة في الرواية لم نعد نقرأ شيئاً عن ماكينة الخياطة منذ أن أجبرها أهل زوجها على الانتقال من سكنها الزوجي إلى غرفة خصصوها لها في بيتهم· ماكينة الخياطة تحولت هناك في الغرفة إلى أثاث إضافي لا لزوم له فالحياة لا تسير مازجة بين اللهو والمآسي التي ستتوالى عليها واحدة بعد واحدة· أكتب عن أمي لأنني لم أنتبه إلا في الكبر أنها كانت تحمل حكمة قائمة على الفطرة، وذلك النوع من الحكمة الذي لم نعد نعرفه أو نفهمه· على مدى سنوات كثيرة، كنت غير معجب بها ربما لأنها كانت أماً فقط ولا شيء فيها يذكر بما كانت قبل ذلك· كان عليها أن تكرر علينا مرات أنها كانت تقلد النساء في صغرها من أجل أن نصدق، لكننا لم نستطع أن نتخيلها ضاحكة مضحكة وخفيفة الظل بسبب ما راكمته عليها تلك السنوات· لقد كتبت عنها رواية من أجل أن أصف ذلك القرب الذي اهتديت إليه حيالها· ثم أنها كانت تحب أن أكتب ظانة أن ذلك يساوي كونها تخيط· الكتاب هدية لها وكتب لها في تذكرها·
الموت·· المعرفة
؟ بدأت في كتابة الرواية بعد موت صاحبتها لمَ لم تكتبها وهي على قيد الحياة؟
؟؟ كأن القريب حين يموت يترك لنا وجوده كاملاً· في أثناء ما يكون أهلنا أحياء تتوزعنا تفاصيل حياتهم فلا نرى منهم إلا ذلك الشتات الذي غالباً ما لا يمكن جمعه ربما يصعب علينا معرفة القريبين ومنهم أهلنا إلا بعد موتهم· في أحيان سيكون علينا أن ننتظر شهراً بعد ذلك الموت لتبدأ الصورة الكاملة لأي منهم بالتشكل· ثم إن أمي وقت ما كانت على قيد الحياة كانت تنتظر الموت وكنت أنا مثلها أنتظر موتها· في وقت كهذا لا أعود أشعر بالانتظار معطلاً إياي إذ بات الزمن هذا خالصاً لي وحدي·
؟ غاب ذكر الأب في الرواية وظهر كشخص سلبي حتى أن الراوية ظهرت كأنها تعيش بمفردها، وربما أتى ذكره في الرواية لإثبات بنوة الأطفال مما سبب فقدان هذا الدور؟
؟؟إذا ما عدنا إلى ما كان قد جرى في الحياة كان أبي أقوى ظهوراً من أمي بكثير· في عمر الطفولة والشباب الأول كنت مولعاً به وليس بها· كان وسيماً فارع الطول كريماً وأنيقاً في بعض الأحيان، وما أذكره منه مشاهد متقطعة بينها لحاقي إياه راكضاً من أجل أن أتبع الحصان الذي كان يركبه للغواية فقط من أجل أن أعطيه غرضاً كان قد نسيه في البيت· كان شديد الحضور إذاً بخلاف أمي· أما غيابه في الرواية فمرده إلى رغبتي في أن لا يطغى على أمي في الرواية كما طغى عليها في الحياة· وحيز 'الرواية' جعلته لها ومقتنعاً تمام الاقتناع بأنها تستحقه· ثم إنني فيما كنت أكتب محتفلاً بانتباهي إلى تلك الحكمة التي كان يلزمها حكمة مقابلة مني لكي تُفهم وتُدرك· كما أن ذلك تطلب مقدرة على الكتابة ما دام أن أمي لم تكن تتميز بما يجعلها قوية الظهور· كانت مثل نواة عميقة، ولم أكتب تلك الرواية عنها إلا لكي أدرك جوهرها· عن الناس الصانعين مشاهد من أنفسهم وحركاتهم، مثل أبي، تبدو الكتابة أسهل وأكثر طواعية·
غياب الحرب
؟ تقلب الأزمنة والأشخاص من الطفولة إلى الموت مروراً بموت الولدين والزوج، جميعها تصب في صمت امرأة لم تستطع حماية نفسها وتنتهي حياتها وحيدة من فرط تضحياتها، لكن لم تظهر الحرب اللبنانية في الرواية إلا في المشاهد الأخيرة منها، ما السبب؟
؟؟ ليس فقط في هذه الرواية· في أكثر رواياتي كانت الحرب تعبر أو تقيم قليلاً· عندما نتحدث عن حياة كاملة يحسن بنا أن نجد في هذه الحياة أشياء تروى لا أن نعتبر أن الحرب وحدها هي ما يصنع مآسي الأشخاص· لقد عانت هذه المرأة من الحرب، في الرواية، على قدر ما عانت في الحقيقة· وكان هذا كثير خصوصاً حين نقرأ كيف أن عائلتها انتقلت من بيت حيّ البياض الذي هو موضع نوستالجيا الرواية إلى مكان يبدو كما لو أنه من أمكنة الكوابيس· ثم إن الحرب خربت حيّ البياض وغيرت مشهده بل إنها زيفت النبطية كلها· في الرواية بدت الحرب متحالفة مع الزمن من أجل تغيير الماضي لتلك المرأة ولعائلتها· أما أن تكون الحرب حاضرة بذاتها مهيمنة على الحياة أو طافية فوقها فهذا مما لا أستحسنه في الرواية· خصوصاً إن تعلقت الرواية بحياة كاملة لامرأة ناف عمرها عن الستين·
صعوبة فاتنة
؟ في 'لعب حي البياض' كانت الراوية إمرأة لكن لديك روايات أخرى تقمصت فيها شخص المرأة وقلة هم الكتّاب الذين يكتبون بصوت المرأة ما السبب وهل من صعوبة؟
؟؟ إنها صعوبة فاتنة أن نضع أنفسنا في مكان آخرين ونتكلم بصوتهم· لا أحسب أن الكتابة ستكون ممتعة هكذا لو أنني اتخذت تلك المسافة عن أمي، أقصد المسافة الروائية التي نتكلم عن الناس بها كأنهم أمامنا· أن أتكلم بصوتهم فذلك يبديني مقيماً في داخلهم· ذلك تعدى صياغتي لهذه الرواية، في الرواية التي سبقت 'ماكياج خفيف لهذه الليلة'، وضعت نفسي في محل أو في مكان إمرأة لا أعرفها· كذلك في رواية 'غناء البطريق' كنت أتكلم بصوت شاب كان من صنيعتي واختراعي· أما في رواية 'أيام زائدة' فقد أجريت الكلام على لسان رجل في الرابعة والتسعين أي أنني استعرت صوته أيضاً وكلامه· في ذلك متعة وتحريضاً للنظر على أن نرى في المرآة أمامنا وجهاً غير وجهنا· منذ سنوات كثيرة أعجبني كثيراً بل وأدهشني وليم فوكنر حين أجرى الكلام على لسان الرجل المتخلف عقلياً 'بنجي' وهذا ما جعلني أبحث عن مثل هذا التقمص في أعمال للكتّاب الذين كان بينهم آرنست همنغواي، واللبناني فؤاد كنعان، إضافة إلى أعمال أخرى لفوكنر بينها رواية 'فيما أرقد محتضراً'· أحببت ذلك الانتقال إلى دواخل الأشخاص وها أنا أجدني الآن قد وفيت ذلك بل وأكثرت منه حتى أنه بات يجب عليّ أن أنحو منحىً آخر·
نزعة فردية
؟ رواية اليوم ليس فيها ملامح هموم عامة كما كانت في أيام النكسة والحرب اللبنانية والنزعة أصبحت فردية الصوت برأيك ما سبب ذلك؟
؟؟ هذا أفضل فالرواية كما ينبغي لها أن تكون هي تواريخ للأفراد في مقابل التأريخ العربي المختص بالجماعات والشعوب· لا أقول بأن الرواية العربية التي سبقت حروبنا الأخيرة كانت خالية من تلك الفردية· فالرواية العربية الأولى وهي رواية زينب لمحمد حسين هيكل 'هذا إن تجاوزنا السجال حول أسبقية رواية زينب فواز أو الأجنحة المتكسرة لجبران خليل جبران'، رواية هيكل هذه كانت رواية غرامية لم تكترث كثيراً بالقضايا العامة· ربما بدأت الكتابة كلها وليس فقط الرواية بالتحول إلى أن تكون رواية قومية وطنية مع هزائمنا الكبرى وسعي الكتّاب إلى أن يكونوا ناطقين باسم لغتهم· الحرب الأهلية نحت منحىً مختلفاً عن حروب الأمة، أو ما اعتبر كذلك، فهي كسّرت تلك الكتلة التي تجمعنا معاً من دون تفاوت أو اختلاف· أعادتنا حرب لبنان أفراداً وكانت الرواية اللبنانية هي التي أعادت ذلك البدء من جديد· بل وإن هذه الحرب قد أفسحت لكتابة هذه الفرديات بكثرة فاقت ربما النمو الطبيعي للأشياء· في سنوات السبعين كان علينا أن ننتظر ثلاث سنوات أو أربعة حتى تصدر رواية واحدة في إبان الحرب وبعدها يلفتنا ذلك التدفق الكتابي الذي أحلّ الرواية في المقدمة من أنواعه·
؟ الرواية هي الفن الأكثر رواجاً اليوم وهي تتوالد عالمياً بين يوم وآخر، هل شكلت الرواية العربية ملمحاً خاصاً بها، وما الفرق بينها وبين رواية الغرب؟
؟؟ لا أرى أننا نحتل مكانة متميزة· لسنا مثل كتّاب أميركا اللاتينية مثلاً الذين ذهبوا بالكتابة ذلك المذهب المختلف موسعين به النظرة إلى الحياة والكتابة معاً· أفكر إن كنّا قد أنجزنا أعمالاً 'كبيرة' فلا أجد إلا ثلاثية نجيب محفوظ التي وإن كنت أرى أنه قد جرى تجاوزها فنياً وتعبيرياً، إلا أنها تصلح أن تكون ركناً ثابتاً لقيام رواية عربية عليها· الرواية حديثة العهد عندنا تخيلي الانقطاع بين الروايات الأولى التي ذكرناها أعلاه والروايات التي أتت بعدها· كأننا هبطنا دفعة واحدة من سنة 1900 إلى سنة 1940 من دون أن يصدر شيء يذكر في هذه السنوات الأربعين وتخيلي الأعمال التي صدرت بعد عمل نجيب محفوظ الكبير ذاك· إننا حديثو العهد بالرواية وقليلو الارتباط بها· أضيفي إلى ذلك أننا لم نكون بعد تراثاً روائياً عربياً يجده المقبل على كتابة الرواية ضرورياً لتجربته وثقافته· مراجعنا الروائية هي كلها في الغالب قادمة إلينا من ثقافات أخرى 'الأمريكية والأوروبية، واليابانية، الأوروبية الشرقية،الأميركية اللاتينية'· حين يكون هذا حالنا لا نستطيع أن نضع أنفسنا في مصاف روايات العالم·
؟ تعمل في الصحافة في الوقت الذي تكتب فيه الروايات كيف هي العلاقة بين الأدب والصحافة؟
؟؟ لحسن الحظ أن ما أكتبه في الصحافة لا يبعد كثيراً عن الكتابة الروائية لكأنني، فيما أكتب المقالة، أجدني تاركاً نفسي للتخيل وللوصف· الأفكار الخالصة والتقرير الخالص الذي لا يحتوي على ذلك القدر من التعبير الشخصي، لا أجيده· منذ سنوات كثيرة يعذبني أن أكتب خبراً عن كتاب صدر أو عن حفلة موسيقية ستقام، بل ويعجزني أن أرتب المعلومات أيها ينبغي أن يسبق سواه فيما في المقالات التي أكتبها لم أكن مرة بعيداً عن الكتابة الأدبية وإن كان القلم يسير بسرعة أكبر بكثير حينما أكتب شيئاً للجريدة· هذه الكتابة الصحفية ربما كانت أسهل وأكثر إمتاعاً إذ إنه لمعذب ان يجلس الكاتب ساعتين أو ثلاث ساعات من دون أن يحظى بجملة واحدة ترضيه، أقصد هنا كتابة الرواية· كأن واحدنا يعلم من تلقائه ومن وعيه الباطن الفرق بين الكتابة الزائلة تلك التي يبقى دويها الخفيف نهاراً واحداً في ذهن قارئها، وبين الكتابة التي يشعر كاتبها أنها باقية إلى أمد أطول وإلى أمد أبعد·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©