الاتحاد

دنيا

الســياسة تضحك بالثـلاثة


القاهرة - مازن حمدي:
أطلق عادل إمام فيلمه الجديد 'السفارة في العمارة' قبل ايام مخلفا عاصفة من التساؤلات اجاب عليها بان فيلمه ضد التطبيع·· آثر الزعيم ألا يدخل موسم الصيف الحالي من دون جديد مثير، يضمن لفيلمه 'السفارة في العمارة' الحيز الأوسع من انضمام الجمهور والنقاد، فقرر أن يقاسمه السفير الإسرائيلي بطولة هذا الفيلم·
والسياسة - بعيداً عن عادل امام- تظل حاضرة في المشهد السينمائي الصيفي، فإلى جانب 'السفارة في العمارة' ثمة فيلمان آخران، لكنهما ليسا عن العلاقات مع اسرائيل، بل عن أوضاع العراق منذ خلع صدام حسين الأول بعنوان 'ليلة سقوط بغداد' بطولة اثنين من النجوم الشبان هما أحمد عيد وبسمة والفيلم الثاني بعنوان 'معلهش احنا بنتبهدل' للكوميديان أحمد آدم·
والفيلمان 'ليلة سقوط بغداد' و'معلهش احنا بنتبهدل' يحكيان مشاهد للوجدان الشعبي العربي الذي صدمه ما يجري في العراق، وإن كان لكل منهما صيغة في التعاطي مع الصدمة،
ففيلم 'ليلة سقوط بغداد' يحكي حالة أسرة مصرية تشاهد على شاشة التليفزيون القوات الأميركية وهي تدخل بغداد في التاسع من ابريل 2003 والدهشة هنا عبر 'وسيط' تقني فضائي، وليست كالدهشة التي في فيلم 'احنا بنتبهدل' التي يتلقاها المصري المقيم في بغداد وقت سقوط تماثيل صدام، وهذا المصري- أحمد آدم - يدعى 'القرموطي'، وهي شخصية شعبية كوميدية طالما قدمها آدم في مسلسلات تليفزيونية من قبل، وأضحكت الملايين، ويعيد توظيفها سينمائيا لأول مرة في هذا الفيلم· واللافت أن فيلمي العراق ينتميان للكوميديا السياسية كفيلم عادل إمام·
ثلاثة افلام سياسية تنزل السوق السينمائية دفعة واحدة خلال موسم الصيف، ولكنها تنزل رافعة شعار الكوميديا، كلمة السر التي صارت تكسب الافلام شرعيتها السينمائية، ويصعب أن يكون لها وجود في السوق من دون هذا الشعار الكوميدي، حتى وان كان الفيلم بالأساس سياسيا وحساسا، ويبدو أن ثمة اختراقا حققته السياسة في دنيا الكوميديا، كصيغة تجارية جديدة لم يعد من الممكن تجاهلها مع تصاعد الأحداث في المنطقة·
ولم يعد ممكنا في الوقت الحالي أن تنزاح الكوميديا تماما من الساحة السينمائية، وفي الوقت ذاته لم يعد ممكنا تجاهل ما يجري في المنطقة من أحداث جسام، وبات الجمهور يريد السياسة ويريد الضحك وما كان من المنتجين إلا أن جمعوا له 'الحسنيين' في طبق سينمائي واحد، ولكن: هل هناك أغوار أعمق لعودة الفيلم السياسي إلى السينما المصرية؟
السفارة الاسرائيلية
كسر عادل إمام حلقة الكوميديا الهزلية المنصوبة في الموسم الصيفي بفيلمه 'السفارة في العمارة'، والذى صور جزءا من مشاهده الخارجية في 'دبي' وفي 'رأس شقير' على ساحل البحر الأحمر، وهي منطقة شهيرة بالنفط وتكريره، وصور بقية المشاهد الخارجية في شوارع القاهرة·
سيناريو الفيلم كتبه يوسف معاطي الذي كتب للزعيم ثلاثة افلام في الفترة الماضية واخرجه عمرو عرفة، شقيق مخرج عادل امام المفضل شريف عرفة الذي أخرج لعادل عددا من أبرز افلامه في التسعينيات منها 'الإرهاب والكباب' و'طيور الظلام'·· ويشارك في البطولة لطفي لبيب في دور السفير الإسرائيلي بالقاهرة واسمه بالفيلم 'دافيدكوهين' وداليا البحيري وعدد من النجوم·
ويحكي الفيلم - كما يقول عادل إمام - قصة مهندس مصري عمل في دبي لنحو عشرين عاما كمهندس نفط، وحين عاد إلى القاهرة، وجد السفارة الإسرائيلية استقرت في الشقة المجاورة له مباشرة ! وصُدم، ودارت بينه وبين السفير الإسرائيلي مناورات ومحاولات، وفي لحظة بعينها يتهمه أهل الشارع من المصريين بالعمالة، ثم يتعاطفون معه في نهاية الأمر حين يكتشفون أنه ليس هناك أي تعاطف بينه وبين السفير الإسرائيلي، وأن أطماع السفير تمتد إلى كل طوابق البناية ليستولي عليها ويضمها لدار السفارة، كرمز واضح للأطماع التوسعية الدائمة لإسرائيل·
ويقول الزعيم: يتناول الفيلم قضية التنافر بين الوجدان المصري والتطبيع، ويحاول أن يحلل عوامل هذا التنافر ويفسره، فإذا كان المصريون معروفين بالمسالمة والنزوع الفطري نحو الاستقرار، فلماذا يرفضون التطبيع؟
ويقدم الفيلم الأسباب من وجهات نظر مختلفة، فثمة ممثلون يلعبون أدوار 'الناصري' و'الماركسي' و'الإسلامي' و'المطبع' فالفيلم وان كان ضد التطبيع إلا أنه يقدم رسالته بصوت هادئ·
وكان عادل امام حريصا على الكوميديا، فليس ثمة تعارض بين القضية التي يطرحها الفيلم وهي سياسية بالطبع، والكوميديا والإضحاك، ثم إن هذه الكوميديا -كما يقول- ضمانة قوية لكي يظل الفيلم بعيدا عن الهستيريا والصراخ المتشنج·
وحول شخصية السفير الإسرائيلي في الفيلم يقول عادل إمام: هو شخص عادي في ملامحه وهيئته، ناعم ورقيق ودبلوماسي وهذا كله مقصود تماما، ليس لتحسين صورة السفير، وإنما لأن الفيلم لا يكرس العداء للشخصية اليهودية في ذاتها أو العداء للسامية، فهو ضد السياسة الإسرائيلية -كدولة- من استيطان إلى توسع إلى قمع وحشي وعداء للسلام مع العرب، أي ضد الفكرة 'الصهيونية' والهدف الاخر أن يتفهم المتفرج أن اليهودي الإسرائيلي لا يجب أن يكون 'أحدب' أو مقوس الأنف أو أخنف لكي يكون شخصا سيئا، وهي الصورة المهتزة التي دأبت الافلام المصرية على تصوير الشخصية اليهودية من خلالها··
وهذه هي المرة الأولى التي يقدم فيها عادل امام فيلما يتناول إسرائيل وملف التطبيع، وهي المرة الأولى أيضا التي يظهر فيها مسؤول من الدولة العبرية على شاشة السينما المصرية·
سقوط بغداد
الكاتب والمخرج محمد أمين يعود هذا الصيف بفيلم 'ليلة سقوط بغداد' الذي يتناول حرب العراق من زاوية مصرية· ويقول أمين: الفيلم كوميدي، والبطل الذي اخترته للقيام بالدور الرئيسي 'أحمد عيد' ممثل كوميدي، فالفيلم لا يتوجه للنخبة وحدها بل يتوجه أيضا إلى الشباب العادي الذي لا يكترث بالسياسة·
واضاف: فكرة الفيلم جاءتني على أحد مقاهي وسط القاهرة حيث كنت جالسا في المقهى حين بثت الفضائيات على الهواء مباشرة بعد الظهر قليلا يوم 9 ابريل ،2003 مشهد إسقاط الجنود الأميركيين تمثال 'صدام حسين' في ساحة 'الفردوس' ببغداد، وتأملت وجوه الشبان الجالسين·· ولم يكونوا مكترثين لانهم ليسوا من المثقفين وبعضهم لم يكن يفهم ما يشاهده، كان كمن يشاهد فيلما بوليسيا وفريق آخر سمعته يندد بصدام ويبدي السعادة، وآخرون لم يفعلوا شيئا سوى التفاته عابرة لاحت منهم إلى الشاشة، وسرعان ما عادوا إلى لعب 'الدومينو'·
وقال: أحسست بأن كل هؤلاء بحاجة إلى فيلم يعبرون فيه عن أنفسهم، فحركاتهم وسكناتهم رأيتها بعين السينارست والمخرج كمواقف سياسية مكتومة مسكوت عنها·· حتى أولئك الذين واصلوا لعبهم أصحاب موقف بصيغة ما، وهذا قادني للخطوات الأولى في السيناريو، وكالعادة جعلت إطار الفيلم كوميديا فالسخرية أقرب طريق للسياسة·
واضاف: يحكي الفيلم قصة أسرة مصرية تتابع تلك الليلة -9 ابريل- على شاشة التليفزيون، وكيف غير هذا المشهد مسارات حياتهم وقلبها رأسا على عقب، فازداد المتطرف تطرفا، والعاشق انقلب إلى شهواني، والسلبي ازداد سلبية والفيلم يصور سقوط بغداد ككارثة عربية، بعيدا عن الشعارات الكبيرة والتنظير النخبوي·
ويقول أمين: دائما أخلط السياسي بالكوميدي في افلامى، ولكن إذا كنا بصدد الحديث عن عودة الفيلم السياسي من الباب الكوميدي لدى الزملاء الآخرين، فإن تفسير ذلك أن الإضحاك لا يمكن أن يستمد مذاقه من الفراغ والمضحكون لا ينزحون 'الإفيهات' والمواقف الكوميدية من بئر، بل يتعين عليهم في لحظة ما أن ينظروا حولهم جيدا ليعرفوا اتجاه الجمهور، فالجمهور ليل نهار يشاهد الأرواح التي تزهق في العراق وفلسطين، ويشاهد التغيرات الحادة في المجتمع المصري -سياسيا واقتصاديا- وفي العالم العربي كله، فهل يمكن أن يتجاهل صناع الأشرطة كل ذلك؟ حتى لو فعلوها فإنهم سيفشلون تجاريا، فالجمهور سينصرف عنهم والنقاد لن يرحموهم، ويبقى أنهم لن يحترموا أنفسهم فنيا عندما يكتشفون أنهم يلعبون دور المهرج في مشهد سياسي إقليمي بالغ الجدية والخطورة !
أفيهات سياسية
أما فيلم 'معلهش احنا بنتبهدل'، فيقول عنه مؤلفه يوسف معاطي: 'القرموطي' يفكر في السفر لأميركا للعمل لكنهم يرفضون دخوله الأراضي الأميركية فيسافر إلى العراق، ويشهد الأحداث، ويقع ضحية الموقف في العراق·· ويصبح هدفه الأول النجاة برأسه بدلا من الارتزاق، ويتعرض الفيلم أيضا لخداع العمالة المصرية في الخارج، فيتم التلاعب بهم في عهد صدام حسين ويصبح حالهم أسوأ في ظل الوجود الأميركي!
ويلفت معاطي النظر إلى أن فيلميه 'السفارة في العمارة' و'معلهش احنا بنتبهدل' رفضا من قبل الرقباء تماما، لكن رئيس الرقابة الناقد علي أبو شادي تدخل وأعطى التراخيص للفيلمين على مسؤوليته، ولم يحذف منهما مشاهد إلا عددا من 'الافيهات' التي رأتها الرقابة جنسية صريحة ! ولم يخل الحذف بسياق الفيلمين اللذين يتناولان إسرائيل والعراق !
ويضيف معاطي: سأظل أكتب باتجاه الكوميديا السياسية مادام الواقع يتطلب التصدي لمفرداته بالفن، وأنا ممن يؤمنون بأن الفن مرآة الحياة·· والوقت مناسب جدا للتعبير عن أطروحات سياسية بشكل كوميدي، فالواقع في حاجة ماسة لهذه الأعمال، والشكل الساخر يضمن للعمل الفني السياسي أثرا شعبيا أقوى من أي أعمال مباشرة أو متجهمة ! وأتوقع استمرار الكوميديا السياسية ليس في أعمالي فقط بل لدى الآخرين أيضا !
وتتولد هذه الأيام أفكار المزيد من الافلام السياسية ، أبرزها فيلم عن العلاقة مع إسرائيل أيضا سيخرجه وينتجه لصالح إحدى الفضائيات العربية نور الشريف، الفيلم كان عنوانه 'الغوييم' وتعني في العبرية 'الأمميين' أو غير اليهود، وغيرت الرقابة اسمه إلى 'قوم يا مصري' لكي لا يتهم الفيلم بمعاداة السامية، فهذا ليس في صالح الفيلم كما يقول الناقد علي أبو شادي رئيس الرقابة على المصنفات الفنية والفيلم في طور الإعداد فيما قبل التصوير، لكنه يتناول قصة الإبادة والمقابر الجماعية لعدد من الأسرى المصريين على يد الجيش الإسرائيلي في أرض سيناء خلال حرب ·1967
ويقول علي أبوشادي: تعاطينا مع الافلام السياسية باحترام وتفهم للرؤية الخاصة بصناعها، وإن كانت لنا عليها بعض الملاحظات الشكلية، من قبيل العبارات الجنسية أو السب لفلان أو علان، والرقابة لا تقف في طريق مناقشة أي طرح سياسي عبر الافلام، إلا فيما يتعارض مع الأمن القومي والرقابة لديها مرونة في هذه المواقف، فنحن نعطي الترخيص للفيلم والحكم النهائي للجمهور وأنا سعيد بظهور هذه المجموعة المتتالية من الافلام التي تتمتع بقدر كبير من الجدية حتى لو طرحت بشكل كوميدي، فالكوميديا تستطيع القيام بهذا الدور، بدلا من بقائها في مستنقع تفاهتها الحالي·· والسينما المصرية على مدار تاريخها قدمت السياسة في إطار كوميدي، وبعيدا عن المستوى الفني لهذه الافلام، فإنها تقدم منتجا سينمائيا جادا للمشاهد·
ويعتقد الناقد سمير فريد أن الفيلم السياسي يظل كامنا في أوقات الركود أو الاستقرار الطويل أو عهود الديكتاتورية، ويعود مطلا برأسه حين تلوح في الأفق بوادر انفتاح سياسي· ويقول: لم تعرف السينما المصرية الفيلم السياسي تاريخيا إلا في الخمسينيات، وقبل ثورة يوليو 1952 لم تكن ثمة افلام سياسية، لأنه كان هناك ركود سياسي، وبعد الثورة تحمس صناع السينما لتقديم افلام سياسية ضد العهد الملكي، لكن مع تحول الثورة إلى دولة ذات رؤية أحادية ناصرية اختفى الفيلم السياسي واقتصر على سب الملك والملكية·· ولكن بعد يونيو 1967 حدث انفتاح سياسي في مصر، سمح به عبد الناصر عمدا لإنعاش النظام، فظهرت افلام تهاجم الثورة ذاتها مثل 'ميرامار' لنجيب محفوظ و'شيء من الخوف' لثروت أباظة، وتواكب هذا مع موجة انفتاح نسبي سمح بها النظام آنذاك للمسرح والصحافة لمهاجمة سلبيات الثورة!
وفي السبعينيات عادت الأحادية في ثياب أخرى، حيث سمح السادات بكل الافلام التي تدين المرحلة الناصرية مثل 'الكرنك' و'طائر الليل الحزين' و'زائر الفجر'·· لكن النظام بعد أن عانى أزمات سياسية واقتصادية خانقة سمح بموجة من الافلام التي تهاجم الفساد في مرحلة الانفتاح وفي عهد الرئيس حسني مبارك حدثت انفراجة في الفيلم السياسي لمواجهة الإرهاب في الثمانينيات والتسعينيات، وظهرت افلام تهاجم الفساد والسياسات الإسرائيلية، ولكن بعد خمود الإرهاب صعدت الكوميديا مع الشعور بالاستقرار·· والآن يعود الفيلم السياسي - وإن كان مغلفا بالكوميديا - مع اشتعال المنطقة بالمتغيرات الحادة، ومع التغيير السياسي في ظل تعديل المادة 76 من الدستور المصري لتصبح الرئاسة بالانتخاب·

اقرأ أيضا