الاتحاد

مهرجان قصر الحصن

ملحمة «قصة حصن» لحن يعزفه «لوميتر» على أوتار البدايات

جان جاك لو ميتر مؤلف معزوفات العمل المسرحي (تصوير لوكس دراجون)

جان جاك لو ميتر مؤلف معزوفات العمل المسرحي (تصوير لوكس دراجون)

«من ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل» حكمة قالها المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، انغرس في وجدان مجتمع الإمارات لتتحول في كل الأزمان قصيدة فخر يتغنى بها الأجيال، وهي اليوم بكل معانيها ودلالاتها الأصيلة تلخص التركيبة الفنية للملحمة الموسيقية «قصة حصن مجد وطن» ضمن فعاليات مهرجان قصر الحصن الذي يحتفي بأكثر من 250 عاما على تاريخ أبوظبي. والعمل العالمي للمخرج فرانكو دراجون المقدم على مدى 3 عروض في اليوم حتى مساء غد السبت، تحتشد لأدائه وللمرة الأولى في المنطقة عناصر الإبداع المتقن ليرتقي بأدواته الموثقة إلى مستوى الحدث الوطني على أرض العاصمة. وهو يندرج بحسب عمالقة المسرح، وبينهم الموسيقار جان جاك لوميتر على قائمة نخبة العروض ثلاثية الأبعاد المرتكزة على إيحاءات المشهد ولعبتي الضوء والخفة، في تداخل عبقري ما بين الصورة والحركة وأكثر من ذلك صقر وحصان ولآلئ.


نسرين درزي (أبوظبي) – من خلف كواليس «قصة حصن.. مجد وطن» تحدثنا إلى الموسيقار الفرنسي الأصل جان جاك لو ميتر الذي تعود إليه أمجاد المسرح العالمي «لو سولاي» منذ أكثر من 30 عاما. والفنان المبدع تعتبر مشاركته عبر التأليف الموسيقي إضافة ثرية للملحمة الفنية. وهو يعلن محاطا بـ 350 آلة موسيقية اصطحبها معه من فرنسا، حيث يعزف منفردا، أنه يستخدم 45 نغمة في الوقت نفسه ضمن تأليفه الموسيقي للمسرحية الشاملة، الذي استغرق التحضير لألحانها وتأثيراتها الصوتية شهرين كاملين ما بين بلجيكا وأبوظبي.
ويقول إنه معجب بحجم التنظيم وحرفية الإنتاج التي رصدت لتكريس هذه الملحمة الوطنية بصمة ثقافية تروي للأجيال وقائع تاريخية بالصوت والصورة عن عاصمة الدولة. وكل ما دار حولها من قصص الرجال ومعاناتهم وأحلامهم التي سرعان ما نفذت على أرض الواقع. ويؤكد المؤلف الموسيقي الذي جمع على مدار سنوات عمله 2800 آلة عزف وإيقاع وأداة لحن من أنحاء العالم أنه لم يكن مطلعا من قبل على حكاية أبوظبي وما مرت به من حقب لافتة.
وأنه بمجرد قراءته للعمل على الورق وحتى قبل أن يتجسد خطوات مسرحية، شعر بدافع خفي استفزه للغوص بعمق الماضي لمجتمعات البدو وحياة الصحراء. إذ كان لابد له من استيعاب تفاصيل العيش على أرض الامارات منذ القدم وما للمهن الشعبية والحرف التقليدية من تأثير على الموروث الثقافي. وذلك برأيه شكل خلفية مناسبة مكنته من صياغة النص المسرحي عبر نغمات تتماشى رشاقتها مع أحداث الحكاية الأسطورة لأبوظبي.
ساحة الاحتفال
انتقالاً إلى ساحة الاحتفالات يبرز مشهد كثبان رملية تزين مسرح «قصر الحصن» في تجسيد حي لشلالات من قماش تتماوج على سطحها انعكاسات النجوم في ليل الصحراء، هي أول ما يبهر الجمهور لعرض كل ما فيه غير متوقع على الإطلاق. وتبدأ حكاية أبوظبي على مسرح يروي كيف تحول الحلم حقيقة تعيد إلى الأذهان كيف تبنى الأوطان بعزم الرجال وإن بدت الأسطورة بإنجازاتها الواثقة من نسج الخيال. شاشة عملاقة تشكل خلفية ذكية للعرض المسرحي المرتكز بالمبدأ على صور من الماضي ولوحات مجد تظهر حكام أبوظبي وتوحي لبطولات شيوخها. وكيف صنعوا في ظروف بيئية صعبة ليس فيها غير الخيم والجمال ومشقة العيش، نموذجا لمراحل مجد تتلفت نحوه الشعوب وتشهد مراحل نموه بما يلامس القمم.
صقر وقصر
وتخرج النسوة بعباءاتهن المزركشة وبراقعهن يحملن الجرار ويملأن المسرح دلالة على دور المرأة ماضيا وحاضرا ومستقبلا، ويتبعهن الرجال متلفتين جميعا إلى عبارات تتدلى من أعلى. «على الأفق المنحني عاشت ألف قصة وقصة.. بين ذرات رمال كانت صفحاتها الصحراء .. نقشت على رمال الصمت .. سماء بنفسجية تشاركنا أحلامنا .. أذكر النداء لأفق مر مرة أخرى على ذلك الذراع المنحني ..». ويرافق اللحظات التاريخية وقع أوركسترا العزف المنفرد على أكثر من 45 آلة مجتمعة للموسيقار العالمي جان جاك لوميتر، عبقري مسرح «لو سولاي» منذ أكثر من 30 عاما. والذي يتخذ لنفسه ركنا محايدا على المسرح يشارك عبره في النسيج الموسيقي للملحمة الشاملة التي تخاطب كل الحواس ولا تترك مجالا لغير الإبهار. ووسط ترقب مثير، يتوسط الصقر رمز الوطن المسرح فاتحا جناحيه بخيلاء في تعبير واضح عن مراتب العلا، وعلى الجهة المقابلة يفتح كتاب التاريخ على صفحة الماضي، فينبت منها صرح قصر الحصن المحتفى به. وتعلو في الأرجاء صيحات معزوفة حماسية وكأنها تتبع خطوات الأولين منذ أكثر من قرنين ونصف القرن، في انسجامها مع الصورة التي تنقل بأمانة أبرز المحطات لبطولات العاصمة. ويتابع الصقر طيرانه وكأنه الحارس الأمين للحكاية التي تهبط مجددا على شكل «نيجاتيف» من أرشيف أبوظبي وبدايات مراحل التشييد، من المستشفيات إلى المدارس والدوارات القديمة وسباقات الهجن. وها هي أوائل الأبراج تطل من على الواجهة البحرية لكورنيش أبوظبي في صورة لا يمكن محيها من ذاكرة الوطن التي تأبى أن تشيخ.
أسطورة الحياة
تعود لعبة الحركة الرشيقة، عبر الاستعانة بأحدث تقنيات الخدع البصرية لتنثر أدوات البحر وتفرد المراكب وتفتح الأشرعة ومعها همم الرجال. وتكتمل الصورة مع شرح مفصل وعرض حي عن كيفية تشييد قصر الحصن السابق لعصره. وعبارة تقول: «قصر الحصن كم يسوى ثمن .. نفوسنا اللي لا تباع ولا تشرى». وبلمح البصر ينقلب المكان رأسا على عقب وتخرج من عبقرية القماش عاصفة هوجاء تعبث في البحر كدلالة على مخاطر الطبيعة وما تكبده الأولون من مشقة في رحلة البحث عن اللؤلؤ. وتفترش الأرض لآلئ على شكل كريات بيضاء يتأرجح عليها الصيادون ممثلين أسطورة الحياة والتجارة ورزق الأجداد.
وتحلق في الفضاء المسرحي مروحيتان تحملان ألوان علم الإمارات في عرض جوي يظهر مواكبة أبوظبي لأوجه الحضارة. وكلمات: «رسمت ذرات الرمال ألف نافذة ونافذة لمدينة حديثة عكست جذور ماضيها». ويختتم العرض مع حكمة المغفور له زايد الخير «من ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل» وتحضر من كل مكان عناوين الإنجاز لعاصمة الإمارات، حيث تتداخل صور الأمس بأمجاد اليوم. ويعلو الصفيق مع آخر مشهد يرسم بريشة من ذهب لوحات معبرة لحكام أبوظبي.


لحظة مسرحية


يقول الموسيقار والعازف والمؤلف والموزع الموسيقي جان جاك لو ميتر، إنه خلال أسفاره الكثيرة التي تتجاوز المئة رحلة في السنة الواحدة اعتاد الابتكار من وحي الملامح والأصوات. حيث إنه واجه ملايين الأشخاص حول العالم، وترجم أحاسيسهم من خلال معزوفاته في مقطوعات موسيقية كان آخرها ما أبدعه في ملحمة «بابل» التي قدمها نوفمبر الفائت على مسارح مونتريال. ويذكر أنه في كل مرة يعتلي المسرح من أجل تقديم عمل ما، يشعر أنها المرة الأولى التي يختبر فيها إبداعاته. وهذا ما ينطبق على «قصة حصن مجد وطن» التي على الرغم من أنه يقدمها 3 مرات في اليوم بدءا من انطلاقة المهرجان في 28 فبراير الفائت، غير أنه يرتجل فيها الكثير من النغمات بحسب مشاهداته الآنية وانعكاسات اللحظة المسرحية. ويقول المؤلف الموسيقي جان جاك لو ميتر إنه لا ينتمي إلى بلد معينة على وجه الأرض، وإنما يحيا متنقلا بين المطارات فيما حقائبه ملأى دائما بالمعدات وآلات العزف التي يختار منها ما ينقله معه بحسب ما يتلاءم مع العمل المقدم. ويشير إلى أنه على ضيق وقته داخل عاصمة الإمارات ينوي زيارة معالمها البارزة التي توحي له بمناطق إبداع يعشق أن يتغذى منها. وعلى قائمة أولوياته بيت العود، ومنارة السعديات وجامع الشيخ زايد.

أجساد تتهاوى

عبقرية المؤلف الموسيقي جان جاك لو ميتر في تقديم نسيج عزفي حي ينسجم مع الحركة الخفية للعارضين على مسرح «قصة حصن مجد وطن»، تأتي بحجم المعزوفات النادرة التي يقدمها منذ أكثر من30 عاما على مسرح «لو سولاي». وهي تشكل البنية الأساسية لتمايل الأجساد وتهاويها بخفة على خشبة العرض التي تجمع بين مشاهد «السيرك» وتقنية الصورة ثلاثية الأبعاد.


حصان على المسرح


فيما يعم الصمت خشبة المسرح النابض نثرا وشعرا وحكما على نغمات العرض، تخترق السكون فجأة دعسات صهو حصان يجتاز الكواليس ركضا في تتبع مشوق لخطوات مواطن إماراتي يعتز بلباسه التقليدي. ويمثل المشهد إيحاء» آخرا لوقع إنجازات حكام وشعب ووطن، تارة يقف الهوينى متأملا، وتارة أخرى يعبر المسافات بثقة وخطى ثابتة. المشهد المبدع استغرق الإعداد له 4 أسابيع في خطوة لإضافة المزيد من عوامل الإبهار إلى الملحمة الفنية المقامة احتفاء بقصر الحصن وإنجازات أبوظبي.

اقرأ أيضا