الإثنين 23 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الأسواق الشعبية·· البريق الذي مضى!
الأسواق الشعبية·· البريق الذي مضى!
5 أغسطس 2005
بيروت - عماد ملاح:
بينما تنتشر مئات 'البانوياهات' التي تضم صور الاعلانات والدعاية لمختلف انواع الماركات والسيارات وادوات التجميل، ومواعيد الحفلات والسهرات الفنية والمسرحية، على طول اوتوستراد الدورة وسن الفيل، يتوزع بضع عشرات من المواطنين على رصيف الكرنتينا، ممن أطاح بهم 'بانو' السياسة والاقتصاد المجنون، حيث دفعهم الى بيع 'التراث' الذي طالما اختزنوه وأحبوه وكرموه، في الأماكن الحميمة من منازلهم·
انه الزمن الصعب يصادر الحميم من أشيائنا والجميل سلعة تعرض في سوق الأحد· واذا كان تجار هذا السوق العريقون منهم والطارئون، لا يقبلون هذا الكلام بهذه الدقة، فلسان حالهم يكاد يقول 'بعّ ما في البيت يأتيك ما في الغيب'!
سوق الأحد في الكرنتينا أيضاً، طفل آخر من آخر اطفال الحرب، نما وترعرع بين رصيفي الشارع، كان فيما مضى يقام في سوق البيكاديللي في الحمراء، حيث كان مضاءً بالأنوار والحفلات و'الكزدرة'، وأصبح حفلاً يتسلق فيه الفقراء الصباح، ليشحدوا قليلاً من شمس العافية، وهؤلاء الذين لا يجدون عملاً، او الذين تخلوا عن مهنتهم الاصلية، أتوا الى سوق 'الكرنتينا' بأثمن وأعز مقتنياتهم، أملاً في العثور على زبائن او هواة·
قصة سوق الأحد
بدأت القصة في سوق 'الكرنتينا' حين اختارت مجموعة لا تتعدى أصابع اليد الواحدة، ركناً فرشوا فيه ما لديهم من عملات قديمة، وأحدهم أفلس وباع كل ما لديه، وترك ذكراه الى من يأتي بعده، وأوصى بانه لن يعود الى لبنان الاّ عندما تعود 'ليرته' الى العافية·
هذا الرجل كما يتناقل باعة السوق، باع عشرات القطع النقدية النادرة بأبخس الأثمان، فقط ليتمكن من جمع ثمن تذكرة السفر الى أميركا اللاتينية·
إذن مؤسس السوق مجهول، ذكراه مؤلمة، كألم الباعة الذين تكاثروا على الرصيف من بعده، وللسوق الآن أكثر من هوية، وان كان يحافظ على هويته الأصلية، بتواجد تجار العملات القديمة والأثريات والتحف فوق اكبر مساحة منه· اما انواع التجارة الناشئة هناك، فتتوزع على بيع الثياب والاحذية المستعملة، آلات التصوير، الخردوات، أدوات الزينة، قطع ديكور للمنازل وتحف متنوعة، كتب مسابح وأشياء عديدة اخرى·
الذين استملكوا مساحات فوق الرصيف، أصبح حقهم في هذه الاماكن مقدساً، وعندما يبدأ العمل صباح يوم الأحد، يتراءى لك الباعة كأنهم لم يغادروا اماكنهم، الى حد ان أياً كان لا يتجاوز حدوده، حتى تقدر ان تقول ان بعضهم رسم 'زيحاً' بينه وبين جاره لمنع الاشكالات·
ولأن عدد الباعة يتكاثر ولم يعد الرصيف ليتسع لهم، جاء بعضهم بسيارته ونثر على سطحها بضاعته، من شبابيكها أخرج ثريا، او ساق كرسيا، او قبضة رفش، ثم وقف امامها حارساً ينتظر الرزق·
جاؤوا بما في منازلهم الى سوق الاحد في 'الكرنتينا' تلفزيوناً ملوناً، او براداً او آلة تصوير لبيعها، تصوروا ان احدهم جاء ليبيع تلفزيون أطفاله بهدفين:
الاول: كي لا يستمر الاطفال في متابعة اعلانات الثياب والطعام، فيسيل لعابهم الطاهر دون طائل·
الثاني: حتى يتخلص من همّ الاخبار وتصريحات السياسيين، ثم انه يقول ان ثمن التلفزيون يساوي مبلغاً محترماً يساعد على سدّ العجز في الميزانية· لقد تحول التلفزيون الى شر كبير في المنزل فبعته·
باعوا كل شيء
جاء بأجمل ما لديه في المنزل على الرغم من معارضة زوجته، حمل ثلاث لوحات تذكارية، مزق صور أولاده التي كانت تشع منها، باع اطاراتها، ابو احمد نادم على فعلته يتمنى لو انه لم يبع الاطارات· لكن ماذا يفعل، فللظروف أحكام قاسية دفعت به الى تكرار بيع اجمل ما في بيته: ساعة حائط وقنديل تركته له جدته قبل موتها·
تصوروا ان أبو جمال مثلاً جاء بـ 'جرن الكبة' ليبيعه في سوق الاحد، ولم يوفر بارودة الصيد وساعة اليد·
··· ويبيعون ذكرياتهم!!
انهم يبيعون ذكرياتهم والاشياء التي أحبوها واعتنوا بها، وتغزلوا بها امام الاقارب والاصحاب، وبالفعل انه سوق الظهور المحنية والقرفصاء، فماذا تفعل ان ثقلت كتفيك بجبل؟
يتندر احدهم فيقول: ان ذكرياتي موزعة على عشرات المنازل، أحس بنفسي هناك في منازل الغرباء حيث ترتاح التحف التي جمعتها طوال عشرين سنة·
وكمال الذي يضع سبحاته بين ركبتيه كطفل صغير، له مع كل سبحة ذكرى، ويقول بشيء من 'الرومنطقية' المتألمة: أشعر بطقطقة السبحات بين أيدي زبائني، وكأن عظامي هي التي تطق·
حتى ان بعضهم جاء بالمرآة بحثاً عن سعر يقي الجوع، وتراه يدعي ان هذه المرآة الأثرية من القرن التاسع عشر: اخذتها من 'الفرنساوية'، زوجة ضابط كبير تركتها قبل رحيلها، وقالت لي انها أثرية ومهمة جداً، اهدتني أياها ولكنني واتمنى ان يصل كلامي الى (ماري روز)··· اعتذر منها لأنني الآن ابيع الهدية·
رصيف الحياة
كل شيء مباح في سوق الكرنتينا، ولا حياء في الامر، ماذا تفعل؟ هل تسرق؟ نقطع الطرق؟
اننا بالفعل نقطع الطريق كما يقول احد الباعة، ولكن بطريقة مختلفة، ويتابع: يتضايقون منا بسبب الازدحام على الرصيف، ولكنهم لا يعلمون ان الحياة ضاقت بنا، ولم نجد غير الرصيف نبادله احزاننا·
ومحدثنا اختصاصي في بيع 'احشاء' الآلات الكهربائية، من يبحث عن 'فيوز'، مولد صغير، شرائط كهربائية تمديدات، توصيلات، من يبحث عن هذه الاشياء فليأت الى سوق الأحد في 'الكرنتينا'، ويسأل عن شخص يسمى بـ'الدوّار'، والاسم صفة أطلقت على الرجل لانه يدور على المنازل لشراء 'الاحشاء' الكهربائية، ومن ثم يبيعها لأصحاب الحاجة·
وعندما يفقد الانسان الحسّ بأهمية الثياب وأناقتها، وطبعاً فإن فقدان الحس لهذه الناحية هو عمل اجباري، عندما يصل الانسان الى هذه الوضعية، فما هي حاجته لـ 'المكوى'·
طبعاً لا حاجة لهذه الآلة لدى المرء الذي لم يشتر ثياباً جديدة منذ سنة، وهو يداوم على ارتداء 'الجينز' والسترة العسكرية منذ زمن، ولا حاجة له للمكوى، فأتى به الى سوق الأحد وباعه الى غير رجعة·
فرو ثعلب
قبل ان يتسلل الانسان من سوق 'الكرنتينا' يلفت نظره رجل يرتدي فراء، وضع كمه الناعم على وجه الزبون قائلاً له: والله يا سيد فرو ثعلب مئة بالمئة، اشتريه، وعندما يسأل لماذا يرتدي الفراء الآن· يجيب بضحكة: الى ان أبيعه أكون قد كسبت بعض الدفء·
خيالات باعة سوق الأحد، تتماوج في زجاج المؤسسات والمصانع وواجهات المحلات الكبرى، وتختلط الوجوه والاشكال والسيارات، ولكن شيئاً واحداً يبدو واضحاً، ما هو؟ اذهبوا الى ذلك السوق، وتفرّسوا جيداً فيما يحصل!!·
ذاكرة تاريخية
الضائقة الاقتصادية التي يعاني منها اللبنانيون عموماً، شجعت على اقامة الاسواق الشعبية، وزادت من افتتاح محلات 'البالة' لبيع الملبوسات والاحذية والسجاد والادوات المستعملة، وأفردت حالات عديدة لبيع الاجهزة الكهربائية المستعملة على مختلف انواعها وأحجامها· ومحتويات الاسواق الشعبية متنوعة، مواد غذائية، ادوات منزلية، عطورات، اكسسوارات مختلفة، منها ما هو جديد ومنها ما هو مستعمل، والاسعار هي اقل بكثير من الاسعار في المحلات والاسواق، لأن لا رسوم تذكر تفرض عليها·
لم تعد الاسواق الشعبية مجرد أمكنة للتبادل التجاري، انها تحولت الى جغرافيا، لذاكرة تاريخية تستمد اهميتها من كونها محطات متناثرة في غير مكان من لبنان، تشكل سيرة ذاتية لحقبات على جانب من الاهمية، ولمناطق ذات مفارقات مميزة·
فمن سوق الاثنين في النبطية، والثلاثاء في سوق الخان، والاربعاء في ضهر الاحمر، والخميس في بنت جبيل، والجمعة في مرجعيون والعديسة، والسبت في جويا وكفركلا، والاحد في الكرنتينا··· يرتسم الخط البياني لظاهرة تاريخية واقتصادية، ترعرعت في الجنوب ومن بعدها في العاصمة بيروت، وعرفها كل لبنان، حيث تحولت الى تقليد شعبي تتقاسمه أيام الاسبوع في القرى والبلدات·
وثمة من يقول ان لبنان هو الاغنى والاكثر عراقة في صلته بالاسواق الشعبية، نتيجة لموقعه المتوسط بين بلدان المشرق العربي، وللخصال التي ميزت أهله، ولاهتمامهم المبكر بقضايا التبادل التي لم تقتصر عند حدود العملية التجارية، بل تعدتها الى الجوانب الثقافية وسواها·
أسواق الجنوب
الاسواق الشعبية انطلقت من لبنان قبل عهد الاستقلال، فكانت تجربة ناجحة أصابت عصفورين بحجر كما يقول احد المخضرمين الجنوبيين الذي عايش هذه التجربة عن كثب، طوال اكثر من خمسين عاماً، وثمة من يقول ان اول الاسواق الشعبية انطلق من منطقة الجنوب بعيد الاحداث التي وقعت بين 1840 و ،1860 فانطلق سوق النبطية بهدف اول هو تلاقي ابناء القرى في سوق شعبي، يجمع كل الاطراف التي تعيش على ارض الجنوب·
وبدأ السوق يعرض البضائع الزراعية التي تنتج في حقول القرى الجنوبية، اضافة الى المواشي والدواجن، ثم توسع بعد ذلك بسبب الضيق الاقتصادي، فانضم اليها أثاث المنازل والاقمشة القديمة التي كانت تتواجد في منازل الفلاحين·
وهذه الانطلاقة شجعت عدداً آخر من المناطق لاقامة اسواق شعبية، فكان سوق الخميس في بنت جبيل، وكذلك السوق الشعبي في سوق الخان مدخل منطقة العرقوب، وكذلك سوق مرج الزهور·
مضت عشرات السنين وما زالت الاسواق الشعبية تقام في نفس المكان وبنفس الطريقة، واختلفت الصورة فقط بين القديم والحديث، حيث كان الباعة قديماً يحضرون قبل يوم او يومين وينامون قرب بضائعهم، وكانوا يأتون من جميع القرى والبلدات الجنوبية، اضافة الى بعض تجار الشوف والبقاع وحتى تجار الماشية من الشمال· وكانت المواد الرئيسية التي تعرض في سوق الخضار: 'الغلال من قمح وشعير وعدس وحمص ومواسم الزيتون والتين والزبيب والفاكهة المتنوعة والدجاج والبيض البلدي·
اما سوق الملابس فأغلب معروضاته من 'الملابس والاحذية القديمة، اضافة الى بعض الكماليات البسيطة التي كانت موجودة في تلك الايام'·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©