الاتحاد

دنيا

انقـــلاب الأغنية·· وتغير البلابل


الاتحاد - خاص:
في ذلك الزمان لم يكن مسموحا للدجاج أن يغني· الآن الأضواء الحمراء مفتوحة أمام الجميع شرط توفر مواصفات معينة قد يكون الصوت آخرها، دون إغفال ان هناك أصواتا جميلة، وهي ستبقى - إلى حين - ما دامت المعامل تنتج بتلك الوفرة·
انقلاب حديث في الأغنية اللبنانية· كانت هناك 'صباح' و 'فيروز' و 'نور الهدى' و'فايزة أحمد' و 'سعاد محمد' و 'نجاح سلام'· والآن 'هيفاء وهبي'، و 'أليسا'، و'نوال الزغبي'، و'ألين خلف'، و'مريام فارس'· و'مي الحريري'، و 'ميسم نحاس' وغيرهن وغيرهن، حتى ان 'نجوى كرم' التي كان يمكن ان تحافظ على البعد الكلاسيكي في الأغنية بدأت تضع رأسها بين الرؤوس·
ما المشكلة؟ هذا ليس زمن 'الدقة القديمة'· هناك 'دقة جديدة' فعلاً، ما الفارق بين ان تملأ بطنك بالأغاني أم بالصحون؟
مرة أخرى، في الموجة الجديدة، هناك أصوات لا يستهان بها، وأصوات قابلة للعطب السريع، وأصوات لا أحد يعرف كيف تسللت، حافية القدمين، إلى الخشبة·
من يقدم عمراً اضافياً لهذه السيدة· لا تسألوا عن عمرها· إنها لا تزال طفلة وتحاول أن تلعب بشعرها أشعة الشمس،بدت 'صباح' على الشاشة على حافة زمن بعيد· لاو لا، ليست بالأناقة القديمة اياها التي كانت تتجاوز أناقة سيدات هوليوود اللواتي يزددن تقشفاً، الوجه بدأ يذهب في اتجاه آخر، ماذا نفعل كي لا ندع الفرح - الذي على شفتيها - حزينا إلى هذا الحد·
'أم كلثوم؟ لولاها لما كان لنا قلب'· 'اسمهان؟ تهزني، تهزني· تهزني'· 'فيروز؟ أنا بحاجة ماسة إلى الهواء العليل'!ولكن هل حدث، فعلاً، انقلاب في الأغنية في لبنان؟ في كل مكان حدث انقلاب· كيف لـ 'بريتني سبيرس' أن تغني مثلا 'ايللا فيتزجرالد'، وكيف لـ 'ميراي ماثيو' ان تغني مثل 'اديث بياف'· لقد تغير شكل البلابل فعلاً· حدث خلل في الزهرة، كما في نقطة الماء، كما في الفكرة، كما في خفة القلب··
لا مجال للمقارنة بين بيروت ذلك الزمان والقاهرة ذلك الزمان· كان في مصر بلاط ملكي، وكان هناك باشوات وباهوات، وأفندية، و 'سميعة'· ربما، وهذا هو الأهم، كان هناك شحن أكثر· الثنائي 'ألمظ' و 'عبده الحمولي' من زمان· ثم 'السلطانة' 'منيرة المهدية' التي انهارت أمام ذلك الصوت الآتي من الدقهلية كان صوت 'ثومة' كما لو انه عاصفة من البلابل· الله·· الله·· الله·· وتحدث النشوة الكبرى·
الباشوات الغلابة
إذن تلك الأيام كانت نقية· لم تكن تصلها أخبار هذا المسؤول أو ذاك، لا أحد كان يعني بما تقوله الشاشات الراعية في وول ستريت· وكان 'بهجت عثمان' يقول: 'حتى الباشوات كانوا غلابة أمام أم كلثوم'· في نهاية المطاف، ثمة قلب ويذوب، هل كان 'ادولف هتلر' قام بما قام به لو كانت في زمن الرايخ مطربة مثل أم كلثوم أو مثل 'فيروز'··؟
هذا السؤال، لا نطرحه جزافا· الكاتب الالماني 'هنريتش بول' الحائز جائزة نوبل في الآداب، قال انه لو كان صوت 'ايفا براون' شجياً لربما لم تحدث الحرب العالمية الثانية· هل من مبالغة؟ الموسيقى في أوروبا استخدمت في أحيان كثيرة لاثارة الهمم· فيينما صمدت أمام الخيول العثمانية بواسطة الموسيقي· حقا ماذا يحدث حين تمشي الموسيقى في الدورة الدموية؟
إنه الحنين للأرض، ولوجه العاشقة، وللبيت القديم، وللفراشة، وللتاريخ أيضاً، حين فجرت 'سناء محيدلي' نفسها في قافلة إسرائيلية في جنوب لبنان، سمعت 'فيروز' تغني للقمر· خشيت 'سناء' ان تخدش أحذية الجنود ضوء القمر، فاشتعلت·
بيروت كانت غير القاهرة· إذا اكتشف شخص ما ان لديه موهبة فنية، ينبغي ان يغتسل بخان الخليلي· أولا يغتسل بالنيل الذي كان عبارة عن آه سحرية وسط الصحراء، هاجرت 'ماري كويني' و 'آسيا داغر' و 'بديعة مصابني'· هذا كان 'الرعيل الأول'، ثم لحقت بهن 'صباح'، و 'نور الهدي'، وصولاً إلى 'فايزة أحمد'· فيما كان على 'الشامي' 'فريد الاطرش'، حسبما كان يدعوه 'محمد عبدالوهاب'، ان يستقر وشقيقته 'أسمهان' في القاهرة· لم يفكروا في بيروت التي كانت تستورد القدود الحلبية والموشحات· هل كان ابن المدينة يحب العتابا والميجانا؟
المواويل في بيروت كان نجمها 'ايليا بيضا' وكانت 'ماري جبران' تغني 'أبو الزلف' و 'ليا وليا يا بنيا'· كلام من بين الصخور أو من بين أشجار الصنوبر· وكان الكلام نقياً كالحصى أو كاللؤلؤ· بعبارة أخرى، لم يكن في ذلك الزمان يسمح للدجاج بأن يغني·
حدث شيء ما: من ثياب المعاز (راعي الماعز) والشرطي والنادل في المقهى خرج الاخوان 'رحباني'· أجل، أجل، الصدفة بحذائها الملكي قادت 'عاصي الرحباني' إلى 'نهاد حداد' التي أصبح اسمها 'فيروز'· الثريا الرحبانية غيرت كل شيء· القصيدة حملت البحيرة على ظهرها كما حملت الغضب· هذه لغة جديدة دخلت إلى الناس كما تدخل الليلة القروية المرصعة بالعصافير إلى·· العتابا!
ازميل يعمل في الغيم· أحيانا يعمل في الشموع· العيون حين تغني· قال 'سعيد عقل': 'من أين تدخل الأغنية الرحبانية إلى القلب؟' تفتح عروة القميص وتدخل!
لم تتوقف العملية السحرية عند الأغنية· الاسكتش ثم المسرحية الممتلئة بقضايا الناس، وبقضايا الناس مرة ثانية· هذا دون الخطابية اياها، ودون تلك النكهة الخشبية في العديد من المسرحيات العربية التي ازدهرت في وقت من الأوقات، البساطة والعمق على مقعد واحد، قضية، قضية، قضية لكنها تغني، يا للعجب!
نواطير العدم
كانوا في أوروبا قد بدأوا يتحدثون عن الحداثة، لا، لا، الاغنية حافظت على شخصيتها من 'ايف مونتان' إلى 'فرانك سيناتارا' إلى 'شيلا'، إلى 'جيلبير بيكو' و 'خوليو ايغلسياس' و 'شارل ازنافور' و'آدمو'· الحداثة هزت الأدب والفلسفة: السريالية، الدادائية، الوجودية، العبثية وصلاً إلى العدمية، كلنا 'نواطير العدم'·
وحين زارت 'داليدا' بيروت في السبعينات من القرن الماضي، تحدثت عن 'فيروز المقدسة'، لتضيف: 'في عزلتي يملأني ضوء الشموع·· صوتها' وتمنت 'لو كانت شقيقتي، لكنها شقيقتي فعلا'·
من يستطيع ان يتجاهل 'نور الهدى'· الصوت الخارج من أوتار العود، أو 'فايزة أحمد' التي كانت تصغي إليها 'أم كلثوم' باهتمام، أو 'سعاد محمد' بالنغمة الشجية التي استهلكها صراخ الأطفال تلو الأطفال تلو الأطفال· ثم ما بالك بـ 'نجاح سلام': الجرح الذي في القلب حين يتلألأ جذلا·
هل يقتصر الأمر على الأصوات الناعمة فقط· أليس 'وديع الصافي' جبلاً؟ أليس 'نصري شمس الدين' نهرا؟ لكن الثابت ان لبنان أعطى أصواتا نسائية أكثر· ولكن حتى في مصر، لنستعرض 'سيد درويش' و 'محمد عبدالوهاب'، و'محمد عبدالمطلب'، و'محمد الكحلاوي'، و'محمد قنديل'· نسبياً الأصوات قليلة· فهل حقاً ما قاله باحث في الغناء الشرقي (الألماني فرانز باهلر) من ان 'أم كلثوم' كانت بمثابة الستار الحديدي الذي حال دون تفجر مواهب أخرى· كيف يمكن لمطربة مصرية أن تتجرأ وتقف على الخشبة مادامت أم كلثوم في كل مكان، بل في كل رأس؟ فعلت هذا 'ليلى مراد'، ولكن على ضفة أخرى·
الآذان الاصطناعية
الآن، انقلاب، البوب في الغرب، البوب هوب، بعد الروك اندرول، شكل الطعام تغير، بين البيتزا والهوت دوغ·· الهمبرغر· فن بارد أم مجفف أم معلب· هذا عصر يصرخ، ورغم ذلك فهو ممل ورتيب ويلعب على مسافة هائلة من القلب· إذا، لابد من تحريك الناس· ابحثوا عن ابحثوا عن الأفكار، أي أفكار، فالمهم ان تلقي بشيء ما في السوق، عملياً، انتهت الأغنية وظهر الفيديو كليب· يحكي عن الأغنية الكهربائية، التكنولوجيا تغني· ماذا إذا طلبنا من العنزة، مثلا، ان تغني؟ يقول الناقد اللبناني 'جورج جرداق' انها ستغني حتما وتجتذب الجماهير التي تستخدم الآن آذانا اصطناعية·
جماهير بآذان اصطناعية· ماذا عن القلب؟ إذا أراد أحدنا تشغيل قلبه (والأفضل أن يبقى معطلاً) فلن يعثر على موطىء قدم، هذا زمن الصخب والصراع والمنافسة والأنا·
وبالتأكيد حصل انقلاب· لا ريب ان هناك أصواتا جميلة، أصواتا على تماس مع العصر، كما هي على تماس مع الشفافية· ولكن ماذا عندما تسمع اذاعات الـ 'اف·ام' في بيروت؟ في كل ساعة تقريباً 'تفقس' مطربة جديدة بمواصفات لا علاقة لها لا بالصوت ولا بالفن، ولا بالتأثير (الاثارة هنا هي وحدها)· جراحو التجميل جاهزون لانتاج قوام آسر ووجه آسر، خصوصاً ان العدسات الملونة أحدثت تغييرا جذرياً في النظرة·
لا يعني هذا اننا نقصد مغنيات بعينهن، نقول مغنيات؟ مغنون أيضا يخضعون لاعادة تكوين· يكون أحدهم قد بدأ يستهلكه السهر والارهاق أو انه يكون قد بدأ يظهر على حقيقته، فإذا به يدخل إلى أحد 'الأفران' كما يتم إدخال السيارات القديمة، يخرج بـ 'لوك' مختلف· الجراحة لا تصل إلى الروح· يكون صاحبنا يشبه الدب، فاذا به يشبه الغزال ولكن إلى حين، لابد ان يأتي الوقت الذي يستعيد فيه جلد الدب·
انقلاب! نماذج أخرى بعيدة عن 'صباح' و 'فيروز' و 'نور الهدى' و 'فايزة أحمد' و'سعاد محمد' و 'نجاح سلام'، وصولا إلى 'سعاد هاشم' و 'جورجيت صايغ' وغيرهن وغيرهن· الآن تستطيع 'نوال الزغبي'، وهيفاء وهبي' و 'أليسا' و 'مريام فارس'، و 'ميسم نحاس' و 'مي الحريري'، و 'ألين خلف'، إذا أردنا أن نكمل اللائحة فسنحتاج إلى صفحات، حتى 'نجوى كرم' التي كانت فيها نكهة من 'ع اللالا، ولا لا، ولا لا'، لا يمكنها الآن إلا أن تدخل في الانقلاب·
هذا زمن لا يتحمل الأغنيات الطويلة، ولا الاطباق اللذيذة: هل تملأ بطنك، إذا، بالاغنيات أم بالصحون؟
بالطبع، هناك أصوات جميلة داخل الموجة الجديدة، ثم ان 'الدلع' له معجبوه أيضاً· ليس من الضروري ان تقف المطربة، كما كان يقف 'محمد عبدالوهاب' (كعمود الكهرباء) وتغني· لابد من بعض الرشاقة، ولكن شرط ألا تصبح الرشاقة هي كل الأغنية·
لنتذكر 'روبي' و 'روي' و 'نورهان' و 'ليليان' و 'شيرين'· فعلاً هناك خفة ظل عند البعض· جديد، جديدا، نشتم أحيانا، لكننا نحتار ونصغي، يعجبنا شيء ولا تعجبنا أشياء· هذا ليس زمن 'الدقة القديمة'!
'أورينت بريس'

اقرأ أيضا