الاتحاد

الاقتصادي

أميركا تعاني من جنون في الاستهلاك والديون


نيويورك- 'الاتحاد': أمام الكاميرات الساطعة، جلس ايد وزوجته جنغر بمواجهة الدكتور فيل مقدم البرنامج التلفزيوني الأكثر شعبية والخاص بالعائلات التي تعاني من صعوبات اقتصادية، كلاهما في سن الثلاثين، ليسا عاطلين عن العمل بل أن راتبهما الشهري يتجاوز المستوى المتوسط، لكنهما عمليا شبه مفلسين، والسبب: الديون المتراكمة بشكل أقساط شهرية·
يملك الزوجان الاميركيان منزلا كبيرا فخما وستة أجهزة تلفزيون وخمس بطاقات ائتمان مصرفية، عدا كمية كبيرة من الملابس الفخمة واللوحات والتحف الثمينة وثلاثة كلاب وقطتين·
يقول الدكتور فيل: هذه أشياء مكلفة جدا وتتجاور إمكانياتكما المالية، يجيبان بصوت واحد: 'لقد استغنينا عن تناول العشاء في المطاعم، واختزلنا اشتراكاتنا في محطات الكابل التلفزيونية، وقريبا سنصرف خادمتين ونكتفي بخادمة واحدة'· وتضيف جنغر: 'حتى ثمار البحر لم نعد نشتريها'·
ايد وجنغر ليسا حالة منعزلة بل مجرد عينة نموذجية عن ملايين العائلات الاميركية المصابة بمرض الإفراط في·· الاستهلاك! والتي تقع فريسة الحسومات والعروض والتسهيلات في الدفع فيشتري أفرادها ويشترون إلى أن يفاجأوا ذات يوم بأنهم لم يعد بمقدورهم سداد الأقساط والديون، التي غالبا ما تصل إلى أرقام قياسية وشبه خيالية·
وبحسب أحدث الاستقصاءات التي أجريت في هذا الإطار، فإن في الولايات المتحدة أربع عائلات تفلس كل دقيقة، أي بمعدل عائلة واحدة كل خمس عشرة ثانية، أي بزيادة خمسة أضعاف عن معدلات الإفلاس الشخصي في الثمانينات·
من المسؤول ؟
بالنسبة للدولة لا يعتبر الإفلاس الشخصي مخالفة للقانون كإفلاس الشركات، ولا يمكن للدولة طبعا أن تتدخل في شؤون المواطن الاستهلاكية باعتبارها من حقوقه الشخصية، لكن مشكلة المستهلك الاميركي انه يتعرض، في كل لحظة وأينما ذهب، إلى قصف عنيف من الإغراءات الاستهلاكية: سيارة أو جهاز تلفزيون أو منزل أو غيرها بأقساط صغيرة وبفائدة صفر في المئة، وكل أسبوع تقريبا عروض جديدة لبطاقات تسليف جديدة، والاميركي لا يستفيق من غفلته الاستهلاكية إلا بعد أن يفوت الأوان· وعند ذلك فقط تبدأ شهيته الاستهلاكية بالتراجع·
الإغراء الاستهلاكي يلاحق الاميركي حتى في منزله، ومن خلال المحطات التلفزيونية المختصة مثل محطة QVC التي تبث 24 ساعة على 24 عرضا شرائيا لمختلف أنواع السلع من السيارة والجواهر إلى طناجر الطبخ·· والشراء، لمن يرغب، يحصل بصورة فورية وعبر الانترنت، وكما تقول إحدى مقدمات العروض في تلك المحطة: عند منتصف ليل الجمعة الفائت عرضت حقيبة يد نسائية بسعر 175 دولارا، وفي غضون عشر دقائق بلغت مبيعاتي 5132 دولارا لتصل عند الواحدة والنصف إلى 13788 دولارا!
وبحسب إحصائيات شركة QVC فإنها تتلقى 180 مليون اتصال شراء سنويا، أي بمعدل شاريين اثنين كل ثانية!
أفخاخ المصارف
وفق دراسة أجرتها وزارة الخزانة الاميركية مؤخرا فإن 43% من الاميركيين يشترون بأكثر مما يكسبون، والتسليفات الاستهلاكية تضاعفت 100% خلال العشر سنوات الماضية، وبمعدل 18,000 دولار للعائلة الواحدة، وهذا لا يشمل طبعا التسليفات العقارية أو غيرها من السلع الباهظة الثمن·
وكل أميركي في حوزته ثماني بطاقات تسليف مصرفية كمعدل وسطي، مما يراكم عليه ديونا آنية بحدود 8000 دولار، أي بزيادة 167% عن حقبة التسعينات· وعلى أي حال، فإن هذه الطفرة الاستهلاكية المديونية لدى الاميركيين تعود إلى السبعينيات من القرن الماضي· وحسبما يقول العالم الاقتصادي روبرت ماننغ، مؤلف كتاب 'بطاقة تسليف شعب' فإن المصارف الاميركية كان لها الدور الأساسي في ذلك، وتحت شعار تغيير العادات الاستهلاكية لدى الاميركيين، موحية للطبقة المتوسطة بأن التسليف يضمن لها قدرات شرائية كانت قبل ذلك من امتيازات الطبقة الثرية فقط·
ويرى ماننغ أيضا أن طفرة المديونية الاستهلاكية قد تفاقمت بصورة خاصة خلال السنوات الأربع الماضية وبمباركة مباشرة من الدولة بهدف إعادة تفعيل الدورة الاقتصادية وإنقاذ البلاد من أزمة الركود الاقتصادي الخانق الذي بدأ بعد طفرة التسعينات الانتعاشية·· إضافة إلى تضخم أسعار العقارات في السنوات الأخيرة·
من جهته، يرى هوارد دفوركن، رئيس مكتب الخدمات التسليفية زوال الجيل الاميركي المؤمن بفضائل الادخار بما يعنيه من تغير جذري في العقلية الاميركية بحد ذاتها، فالمستهلك الاميركي 'الجديد' أصبح يريد كل شيء وفورا وبدون الاكتراث بفائدة 18% المتوجبة على بطاقة التسليف المصرفي، وكأننا نعطي سيارة فخمة لشخص لا يجيد القيادة·
ويتساءل دفوركن: 'أليس مستغربا ألا يفكر المستهلك الاميركي بضراوة مصدري بطاقات التسليف الذين يعمدون عند أدنى تأخير في الدفع إلى فرض غرامات وفوائد عالية وبحيث لا يعود راتب المستلف كافيا لخروجه من مخالبها؟'·
زفاف ·· مديون
في حلقة أخرى، يستضيف الدكتور فيل الثنائي بروس و لورين ايسبانسون من سكان ولاية بنسلفانيا·· يقولان إن حفل زفافهما اوقعهما في المأزق المالي· تزوجا في عام ،1997 واستلف بروس مبلغ 12000 دولار أنفقاه على إقامة حفل زفاف كبير ضم 150 مدعوا ليكتشفا لاحقا انه لم يكن هناك أي مبرر لمثل هذا التبذير· يعمل بروس في عيادة للعلاج الفيزيائي بينما تعمل زوجته سكرتيرة، وراتباهما لا يكفيان لسداد أقساط الديون المتراكمة التي بدأت بحفل الزفاف واتسعت لتطول أثاث المنزل والسيارتين وغيرها وغيرها من السلع المقسطة·
بروس و لورين تمكنا خلال سنوات من شد الحزام من سداد القسم الأعظم من الديون والأقساط لكنهما لم يتعظا، بل سرعان ما عادا إلى التلذذ بحلاوة الشهية الاستهلاكية التي غدت وكأنها موضة العصر الاميركية!
هل يعني ذلك ان المسؤولية تقع على عاتق المستهلك؟
لا·· تقول البروفسورة في جامعة هارفرد اليزابيت وورن، مؤلفة كتاب 'فخ الراتبين'، وتضيف: 'عائلات الطبقة الوسطى تشتري لتعيش وليس للبذخ والتبذير'· وتتساءل: 'ما ذنب المستهلك إذا كانت أسعار خدمات التعليم والطبابة قد تصاعدت بمعدلات كبرى خلال العشر سنوات الأخيرة في حين ظلت الرواتب على حالها؟! إن أقساط المنزل والمدرسة والطبابة والسيارة تلتهم وحدها 75% من مداخيل عائلة متوسطة ذات راتبين، في حين ان كل هذه الاشياء، كانت في السبعينات تكلف أقل من 50 في المئة فقط من مداخيل عائلة مماثلة ذات راتب واحد'·
في الإطار نفسه، يقول داف جونز، مدير مكتب الاستشارات التسليفية بواشنطن: صرخات الألم لم تعد تقتصر على مستهلكي الطبقة الوسطى بل بدأت تنتقل حتى الى مستهلكي الطبقة الثرية الذين قد تكفي عملية شراء دسمة واحدة لكي يبدأوا بالاختلال·
عملية جراحية
كاتي 37 عاما توقفت عن العمل لثلاثة أشهر اثر إجرائها لعملية جراحية استلفت تكاليفها التي بلغت 15000 دولار، حصل ذلك عام ،2001 وما تزال كاتي وزوجها يتخبطان في مأزق سداد ديون العملية والمصاريف الاستهلاكية الأخرى·
تقول وورن: الاميركيون يعيشون على أوهام قصر من الرمل، لكن دون أن يكترثوا بذلك، ولا شك أن الاقتصاد الاميركي سوف ينهار كليا إذا توقفت العائلات الاميركية عن ممارسة هذا النوع من الأنماط الاستهلاكية خصوصا إذا حصل أي ارتفاع في معدلات الفوائد الحالية'!
مؤخرا تقدمت انطوانيت ميلارد بدعوى قضائية ضد شركة 'اميركان اكسبرس' بعدما تراكمت الديون في بطاقتها الائتمانية بما يتجاوز المليون دولار، وعلى أساس أن الشركة كانت عالمة بهشاشة وضعها المالي ورغم ذلك تركتها تغرق بالتسليفات التي لو عاشت مئة سنة لما قدرت على سدادها· الاتجاه الذي سيسلكه القضاء في هذه الدعوى قد يفتح الباب على دعاوى أخرى، وهي على أي حال قد فتحت باب جدل داخلي واسع حول أفخاخ ومتاهات الاقتصادي الاميركي الداخلي·
إلى متى سيظل الاميركيون ينفقون أكثر مما ينتجون؟
إلى متى سيظلون غارقين في أفخاخ النمط الاستهلاكي التسليفي؟
الدولة ·· أيضا !
فيما يلح رئيس البنك الفديرالي آلان جريسبان على ضرورة الإسراع في حل مشكلة عجز الموازنة الذي بلغ 400 مليار دولار للعام ،2004 ما يزال الرئيس بوش عاجزا عن الوفاء بوعوده الانتخابية القاضية بخفض ذلك العجز إلى النصف وبمعالجة مشكلة الدين الخارجي الذي بلغ 660 مليار دولار، أي بما يوازي 5,7% من إجمالي الدخل القومي·
مشكلة العجز المالي ليست محصورة بالمستهلك الاميركي إذن، بل كذلك بالدولة الاميركية نفسها، والممعنة في إنفاق أكثر مما تنتج وعن طريق الديون الخارجية وخصوصا من المصارف المركزية الآسيوية التي مولت في عام 2003 حوالي' 75% من اجمالي عجز سيولة الدولة الاميركية· وهذه القروض هي العامل الذي ساعد في تحقيق نوع من التوازن الهش في الموازنة وكذلك في تثبيت أسعار الفوائد على مستويات منخفضة، ومعنى ذلك بنظر الخبراء أن الولايات المتحدة تعيش على إعانات العالم وفي وقت تنعم فيه الصين وأوروبا بمستوى ضخم من الفوائض· غير ان انهيار الدولار، الذي خسر 35% من قيمته أمام اليورو في ثلاث سنوات، بدأ يشكل أزمة ثقة لابد وان تكون خطيرة المضاعفات وخصوصا في ظل رفع معدلات الفوائد وتفاقم أزمة الركود الاقتصادي العالمي· وكما يتساءل الخبير ستيفن رواش، من مؤسسة مورغان ستانلي: 'هل نتصور ما قد يحصل إذا توقف المستثمرون الأجانب عن تمويل سندات الخزينة الاميركية'؟! يتساءل أيضا: 'هل يعقل أن يكون العملاق الاميركي هو الدولة الأكثر استهلاكا والأكثر مديونية في العالم منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية؟! وأن تكون معدلات ادخاره تحت الصفر؟!
ويضيف: 'إذا كانت الولايات المتحدة لم تنهار بعد كما انهارت تايلندا في أواخر التسعينيات، فهذا عائد لعظمة نفوذها الاقتصادية والى تمويل ديونها بالدولار·· ولكن إلى متى'؟!
'أورينت برس'

اقرأ أيضا

"أونكتاد": الإمارات زادت القيمة المضافة في قطاعاتها الإنتاجية