الجمعة 20 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الإمارات
400 مليون معاق ذهنياً ومضطرب عقلياً في العالم
400 مليون معاق ذهنياً ومضطرب عقلياً في العالم
5 أغسطس 2005

تحقيق - حليمة الملا:
تعتبر الاعاقة الذهنية من الظواهر المألوفة على مر العصور، وهي اكثر الاعاقات شيوعاً في المجتمعات الإنسانية المختلفة، واخطر الامراض التي تصيب الطفولة بكل جمالها وعطائها، وأحد أكبر الهموم الاجتماعية التي يحملها الوالدان بل على الدولة بأسرها، حيث تفقد بعداً واعداً بالعطاء، وتثقل كاهلها المادي بالعلاج والتدريب والتأهيل·· ولاتزال مجتمعاتنا متغيبة عن ذلك الشطر الحضاري الذي يوفر لهذه الشريحة من ابنائنا فرص العلاج والتدريب والتأهيل الكافية، حتى تمكنهم للتعايش مع اقرانهم الاطفال قدر الامكان باسلوب حضاري إنساني مهذب، فلايزال الكثير من شرائح مجتمعنا واطفالنا بعيدين عن مستوى الوعي الإنساني المطلوب، وللاسف نتلمس تلك الطريقة في التعامل عند رجل الشارع العادي، اما يبالغ بعطفه وشفقته مما يسبب جرح شعور هؤلاء أو يسلك اسلوباً يشوبه الاستهتار والاستهزاء·
الاعاقة العقلية معروفة منذ العصور القديمة، فقد ذكرها المصريون القدماء منذ 1500 سنة قبل الميلاد، وقد ظهرت في اللغة العربية واللغات الاخرى العديد من المصطلحات التي تعبر عن مفهوم الاعاقة العقلية ويميل الاتجاه الحديث في التربية الخاصة إلى استخدام مصطلح الاعاقة العقلية·
يشير الدكتور محمد عبدالكريم المناعي رئيس الجمعية البحرينية لمتلازمة داون بان العديد من الاخصائيين قاموا بتعريف مفهوم الاعاقة العقلية (هناك اكثر من 30 تعريفاً مختلفاً، والسبب تعدد المهتمين بدراسة الاعاقة العقلية) ومن هؤلاء اطباء واخصائيون نفسيون وعاملون في مجال الخدمة الاجتماعية قال الاطباء: انها حالة من النقص العقلي لاسباب طبية معروفة أو غير معروفة، واعتمد الاخصائيون النفسيون في تعريفهم على تحديد نسبة الذكاء من خلال قياسها بواسطة مقاييس محددة (اختبار ستانفورد)، وقالوا: ان كل فرد تقل نسبة ذكائه عن 70% فهو معاق عقلياً، واشار الاخصائيون الاجتماعيون ان الفرد يعتبر معاقاً عقلياً اذا فشل في القيام بالمتطلبات الاجتماعية المتوقعة منه، وقد عبر عن موضوع مدى الاستجابة للمتطلبات الاجتماعية بمصطلح السلوك التكيفي، واضاف الدكتور المناعي ومهما يكن فان التعريف الاكثر قبولاً الآن هو الذي قدمته الجمعية الأميركية للتخلف العقلي الذي ينص على أن التخلص العقلي هو انخفاض ملحوظ في مستوى الاداء العقلي العام ويصحبه عجز في مجالين أو اكثر من مجالات السلوك التكيفي التالية (التواصل، العناية بالذات، الحياة الاسرية، المهارات الاجتماعية، الحياة الاجتماعية، التوجيه الذاتي، الصحة، السلامة، المهارات، الاكاديمية الوظيفية، الترويح والعمل)·
التأخر العقلي
ومن جانبه الدكتور محمد زهير مهمندار، اخصائي اطفال حديثي الولادة بمستشفى دبي نائب رئيس لجنة الدراسات والبحوث في جمعية أولياء أمور المعاقين بالإمارات، ونائب رئيس مجموعة الإمارات لدعم متلازمة داون ذكر بأن الدراسات تشير إلى ان حوالي 400 مليون معاق ذهنياً ومضطرب عقلياً منتشرون في اصقاع العالم يعانون بدرجات متفاوتة من الاعاقة الذهنية والاضطرابات العقلية، وحسب احصائيات منظمات الصحة ان هذه المشكلة وهذا العدد سيتفاقم في عام 2020م وذكرت بان من أهم اسباب ارتفاع عدد المصابين تأتي من جراء التغيرات الديموغرافية مثل طول معدل الحياة، ومخاطر الصدمة إثر الحروب وتهجير الشعوب·
واضاف أن البعض يعتقد بان التخلف العقلي يزداد في المجتمعات الفقيرة والنامية ولكن يمكن ان نقول بان المجتمعات الفقيرة والمتخلفة تساهم في ازدياد التخلف العقلي في حالاته البسيطة، فالاولاد الذين يتمتعون بنسب ذكاء منخفض وهذا لعدم وجود الوسائل التي تنمي من قدراتهم أو ترفع من مستوى ذكائهم، أما المتخلفون بشكل شديد يتواجدون في مختلف انحاء العالم، عموماً يصنف التخلف العقلي من الوجهة الطبية إلى نوعين اساسيين هما تخلف عقلي بسيط وتخلف عقلي شديد، في الاول يكون اختبار درجة الذكاء فيه أكثر من 50 في المئة وقد يصل إلى 85 في المئة، أما التخلف الشديد يكون اختبار درجة الذكاء حوالي 50 في المئة أو ما دون ذلك وهذا يعني انهم غير قادرين على اكتساب اي من المهارات الحياتية والاستفادة من برامج واساليب التثقيف المتبعة، ولن يكونوا قادرين على الاعتماد والاهتمام بأنفسهم، وفي هذا النوع من التخلف العقلي الشديد المعوقات البدنية والشذوذ الولادية أمر شائع·
أسباب الاصابة
وقال الدكتور محمد مهمندار انه قبل الخوض في اسباب الاصابة باعاقة ذهنية، يجب ان نعلن بان اصابة الجنين تكون اما في فترة الحمل أو اثناء الولادة أو بعد الولادة بسبب ظروف صحية ونفسية وبيئية مناسبة، وان التخلف العقلي شيء مختلف تماماً عن الامراض النفسية والعقلية والاخيرة هذه تصيب الاذكياء والعباقرة والاصحاء من البشر اما التخلف العقلي فقد يصيب الإنسان منذ بداية اللحظة الاولى من الاخصاب، وقد يكون ذلك بسبب الخلل التكويني في الهرمونات أو في مواد كيميائية في الجسم، في التمثيل الغذائي، أو عن طريق الكروموزمات وزواج الاقارب المتكرر أو قد يحدث ذلك نتيجة اصابة الام اثناء فترة الحمل المبكر ببعض الامراض الفيروسية والانتانية مثل الحصبة الألمانية أو تعرضها لعوامل فيزيائية مثل اشعة اكس أو تعاطيها الادوية والعقاقير الطبية أو المخدرة وخضوعها لتدخل جراحي غير ناجح قد تسبب باستمرار الحمل ويكون المحصول طفلاً متخلفاً عقلياً، وكل ذلك اثناء الحمل، أما المسببات اثناء الولادة فالضغط على الجنين فترة قبل الولادة بلحظات أو الاختناق الذي يصيب المولود واستعمال اجهزة الولادة اثناء المخاض بايدي غير خبيرة قد يكون سبباً في الاعاقة الذهنية، ويضاف إلى ذلك اصابة الطفل خلال مرحلة الطفولة المبكرة بالالتهابات الانتانية كالتهاب السحايا وتعرضه للسقوط أو الاصطدام كحوادث الطرق قد يسبب ارتجاجا بالمخ وأذية مخية شديدة قد يترتب عليها تخلف عقلي وهي من الاسباب التي تحدث بعد الولادة·
الشلل الدماغي
وأكد على أن امراض الرضع تشكل 10 في المئة من حالات الشلل الدماغي مثل التهاب السحايا والتهاب الدماغ والرضوض والطوارىء الوعائية مشيراً ان نقص الوزن والولادات الخديجية (الاطفال الخدج) يعتبر من الاسباب المهمة التي تؤدي للشلل الدماغي، وان 2 إلى 25 في المئة منهم من الاطفال الخدج، وكلما نقص عمر المولود الجنيني كانت الخطورة اكبر في نقص الاوكسجين وحدوث الاعتلال الدماغي ويصنف الشلل الدماغي إلى اربعة أنواع: شلل الاطراف الاربعة، شلل ثلاثة اطراف، طرفين سفليين وطرف علوي غالباً، شلل بعض الاعصاب القحفيه، وشلل طرف واحد وغالباً ما يكون طرفا علويا·
سوء التغذية
مشيراً إلى أن تقارير الأمم المتحدة وخلال دراسات تفيد انه من المتوقع ان سوء التغذية يمكن ان يصيب ما يقدر بمليار طفل في جميع انحاء العالم بالاعاقة ونقص النمو والتخلف العقلي هذا بحلول ،2020 ما لم يتم المزيد من حملات التوعية من مخاطر سوء التغذية ويقول التقرير الذي صدر عن لجنة التحديات الغذائية ان في القرن الواحد والعشرين 30 مليون طفل يولدون سنوياً في مختلف دول العالم ناقصي الوزن بسبب سوء التغذية مما يؤدي إلى نقص في النمو والاصابة بالاعاقات الذهنية لافتاً ان درء الاصابة بسوء التغذية بين الاطفال يظل افضل الوسائل ليس من منطلقات اخلاقية وصحية فحسب من منطلق اقتصادي ايضاً، ان دول العالم توظف ملايين الدولارات من اجل التعليم والتثقيف وزيادة التوعية الصحية، ولو ان مبالغ طائلة من هذه الاموال تذهب هدراً عندما يظل الاطفال على ابواب المدارس وهم عاجزون ذهنياً بسبب قصور التغذية، كما ان سوء التغذية يفسد الاستعداد النفسي التعليمي وما يعقبه من تدهور في اعداد اجيال المستقبل، وقد اثبتت البحوث العلمية ان محصلة الاداء في اختبارات الذكاء كان اقل لدى مجموعة من الاطفال لها تاريخ معاناة مع سوء التغذية منه مع مجموعة اخرى من الاطفال تماثل الاولى من حيث المستويين الاجتماعي والاقتصادي ولكنها تلقت تغذية صحية·
الكشف المبكر
وأكد الدكتور مهمندار على أهمية الكشف المبكر عن اسباب التأخر العقلي، فيؤدي ذلك إلى انقاذ الكثير منهم وجعله طفلاً سوياً ينعم وعائلته والمجتمع بالسعادة والعطاء، حيث ان بعض الحالات والتي سببها قصور هرموني مثل قصور هرمون الغدة الدرقية، أو اضطرابي استقلابي مثل (الفلاكتوزيميا وببله فينايل كيتون وغيرها) حيث يمكن تشخيص هذه الامراض منذ الايام الاولى من الولادة واتخاذ الحمية والاجراءات العلاجية اللازمة والتي تنقذ الطفل من اعاقة ذهنية وحركية اكيدة·
ودعا إلى نظام المسح الاستقصائي الشامل لحديثي الولادة للكشف المبكر عن قصور الغدة الدرقية وببله فينايل كيتون، علماً بان هذا النظام مطبق في الدول الصناعية منذ فترة، وبدأ تطبيقه في بعض مشافي الدولة، وفي الدول الخليجية المجاورة، إلا ان هناك بعض المؤسسات لم تبدأ بتطبيقه، كما اشار إلى رفع المستوى الصحي بتوعية الامهات اللواتي سبق وان انجبن اولاداً يعانون من التخلف العقلي بسبب اي من الامراض انفة الذكر، يجب ان يبادروا باعطاء التفاصيل اللازمة عن التاريخ المرضي لطبيب النساء والولادة منذ بداية الحمل والمبادرة بابلاغ طبيب الاطفال ومنذ اللحظات الاولى لانجاب المولود التالي، حتى يتمكن الاطباء من اجراء الفحوصات المطلوبة والتشخيص المبكر ومن الضرورة مخاطبة وزارة التربية تخصيص خمسة إلى عشر دقائق في آخر كل حصة من كل اسبوع في المدارس الاعدادية والثانوية للبنات للتثقيف الصحي في مجال الامومة والطفولة وان تقدم استشارات الزواج مجاناً وتكون الزامية·
الرعاية والاهتمام
ومن جانبها ذكرت كوثر محمد معلمة تربية خاصة بوزارة التربية ان الطفل المعاق له ظروفه الخاصة من حيث الامكانيات والقدرات سواء اكانت اجتماعية أو نفسية أو جسمية، ويجب ان يكون التعامل من خلال هذه القدرات والامكانيات بالاضافة إلى ذلك أن هناك بعض الاضطرابات السلوكية التي ربما تصاحب بعض الاطفال المعاقين في مراحل نموهم، الأمر الذي يجعل من المدرسة والاسرة والمجتمع تتدخل لمساعدة هؤلاء المعاقين ذوي الاضطرابات السلوكية فيما يتعلق بحل الاضطرابات عندهم وبقدر ما يمكن ان يعملوا على تعديلها، واستبدال مشاعرهم السلبية بمشاعر ايجابية من خلال الاهتمام برعايته وتعزيز سلوكه السوي ومحاولة اشراكه في التفاعل مع بقية افراد الاسرة وخلق الثقة في نفسه عن طريق مواقف النجاح التي يبرهن فيها على قدراته·
وبدورها اشارت منى عبدالكريم اليافعي مديرة معهد التربية الفكرية بمدينة الشارقة للخدمات الإنسانية إلى الاعتبارات الاساسية في كيفية التعامل مع المعاق ذهنياً، فلابد ان يعي الجميع بان الفرد المعاق ذهنياً إنسان له كرامة وله حقوق يجب ان تحفظ من جميع افراد المجتمع، وان نشعره بالحب والأمن والطمأنينة واثناء عملية التعليم لا نحاول ان نضعه في موقف فشل أو احباط بل ابدأ معه بالامور السهلة حتى تتدرج إلى الامور الصعبة والاصغاء اليه بانصات بحيث تتم الاستجابة لجميع محاولات الطفل للتخاطب والاتصال، واعطائه الفرصة الكافية للتحدث وعدم تجاهله واثناء عملية التدريب لابد من تمثيل الادوار امامه حيث انه يساعده على عملية التركيز ولابد من التنويع في المواقف والخبرات التي تتصل بتعليم مفهوم واحد من اجل تعزيز هذا المفهوم، والتعزيز المستمر سواء المادي بالمكافآت العينية والمادية، أو اللفظي بالمديح والتشجيع لما فيه من دافعية للتعلم، وضرورة ان تقدم له التغذية الراجعة الفورية أي تصحيح الخطأ، وكذلك تعميم المهارات والاهداف في المواقف المختلفة سواء في المؤسسة أو المنزل أو المجتمع الخارجي وضرورة التقليل من مشتتات البيئة التعليمية للطالب اثناء التدريب، وتشجيع المعاق ذهنياً للمشاركة في الانشطة الاجتماعية المختلفة·
حيث يساعده على الاعتماد على النفس والاستقلالية وان نجعل كل فرد في الاسرة يتقبل ويتحمل مسؤوليته ليصبح المنزل مكاناً سعيدا للمعاق ذهنياً وان تقدم له الخبرات عن طريق التعلم المحسوس واستغلال الحواس المتعددة وعدم التحدث عن المعاق ذهنياً وعن مشكلاته أو الضعف الذي يعاني منه امامه لان له بعد نفسي واجتماعي قد يؤثر عليه ويرى المختصون انه من المهم مساعدة الاسرة لمشاركة طفلها المعاق في انشطة أوقات الفراغ مثل التلوين والرسم والموسيقى والالعاب الارضية ومعجون اليد والعاب الفك والتركيب بالاضافة إلى ذلك اشراك الطفل المتخلف عقلياً في اطار الانشطة الانشائية كالانشطة الرياضية التي تناسب حالته لان الانشطة الانشائية تعمل على تقوية اعضاء جسمه التي تعاني من القصور، ولهذا يجب على ولي أمر الطفل المتخلف عقلياً ان يكون دائم الاتصال مع المدرسة ومعلم التربية الخاصة بهدف النصح والتوجيه له بشأن الطفل·
وأكد الجميع على أن معالجة المشكلات السلوكية للطفل المعاق ذهنياً لا تتم إلا إذا تعاونت الاسرة فيما بينها من ناحية ومع المدرسة والمعلم والمستشفى من ناحية أخرى، لأن من الصعوبة تحديد شخصية المعاق الذي له مشكلاته السلوكية إلا بتكاتف الجميع ويتطلب ذلك جهداً متكاملاً وصبراً طويلاً·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©