تقارير

الاتحاد

نيجيريا.. الإرهاب والفساد وأسعار النفط

أول من أمس أتم الرئيس النيجيري محمد بخاري عامه الأول في السلطة. وأثار فوزه الانتخابي ونموذج «العمل الجاد» آمالاً كبيرة في دولة أنهكها الفساد المزمن وضعف البنية التحتية، وتمرد جماعة «بوكوحرام» الإرهابية، وعدم كفاءة الرئيس السابق «جودلاك جوناثان»، لكنه لم يكن عاماً سهلاً بالنسبة لأكبر اقتصاد في أفريقيا، وزاده صعوبة تراجع أسعار النفط، الذي يعتبر المصدر الرئيس للإيرادات الحكومية، والمصدر الوحيد تقريباً للعملة الصعبة، فماذا أنجز بخاري إذاً؟
ثمة استنتاجات متناقضة، فمن ناحية تجري حملة مكافحة فساد ضخمة تحتاج إليها نيجيريا بشدة. وأعاد «بخاري» ضخ الدماء في «لجنة الجرائم المالية والاقتصادية»، التي تعتبر أبرز وكالات مكافحة الفساد في الدولة، بقيادة جديدة أكثر جرأة. وفي كل أسبوع تكشف أخبار جديدة عن التحقيق مع رموز معروفين، ويمكن أن تصل المبالغ التي يتم التحقيق بشأنها إلى مليارات الدولارات. ومن ناحية أخرى تبدو عملية الاستهداف جزافية، والأساليب غير واضحة، كما أن إدارة إجراءات قضائية بطريقة جيدة ضمن منظومة العدالة الضعيفة في الدولة تمثل تحدياً.
وعيّن «بخاري» أيضاً قيادة جديدة في شركة «البترول النيجيرية الوطنية» (إن. إن. بي. سي) المملوكة للحكومة، ذات الأهمية المحورية، وأظهرت التحقيقات أن مليارات الدولارات من الإيرادات المستحقة للخزانة الوطنية اختفت داخل «إن. إن. بي. سي» في السنوات الأخيرة. وتجري الشركة في الوقت الراهن جهوداً محمودة من أجل إرساء الشفافية ونشرت القوائم المالية للمرة الأولى منذ سنوات. ورغم ذلك، لا يزال قطاع النفط يعاني من مشكلات، إذ لا توجد تقريباً قدرات تكرير، لذا يتم استيراد البنزين بموجب تراخيص غامضة، ونظام دعم يغذي نقص الوقود المزمن. وفي هذه الأثناء، يخرب المسلحون مرافق إنتاج النفط في دلتا النيجر. لذا، لن يكون تنظيف المنزل وحده كافياً!
أما الجانب الإيجابي، فهو أن جماعة «بوكوحرام» الإرهابية تنحسر، وإنْ كانت بالنسبة لمعظم النيجيريين، باستثناء المواطنين الموجودين في المناطق المتضررة من الحرب شمال شرق البلاد، لا تمثل أية مشكلة خطيرة. والمشكلة الحقيقية في الدولة هي الأزمة الاقتصادية المتصاعدة، في ظل ندرة النقد الأجنبي، وتثبيت الحكومة قيمة العملة المحلية، «النيرا»، عند نحو ضعف قيمتها في السوق السوداء، وتشهد معدلات التضخم ارتفاعاً، بينما انكمش الاقتصاد في الربع الأول من العام الجاري. وهناك صعوبة في الحياة اليومية، ليس فقط بالنسبة للفقراء. ويقضي النيجيريون من الطبقة المتوسطة فترات زمنية ضخمة في محاربة العراقيل البيروقراطية والبحث عن الوقود لسياراتهم ومولدات الكهرباء في منازلهم، إذ لا توفر مرافق الكهرباء الطاقة سوى لفترات قليلة.
وفي خضم هذه المجموعة من المشكلات المتداخلة، التي تتقاسم جميعها أسباباً متقاربة تراكمت على مدار عقود، بدت حكومة «بخاري» في بعض الأحيان بطيئة وغير فعالة، وفي أحيان أخرى، جريئة وهادفة. وهناك أدلة على كل رواية، فوسائل التواصل الاجتماعي في نيجيريا، التي تشارك فيها شرائح متزايدة من السكان انطباعاتها، تحتوي الجميع.
وللنيجيريين كل الحق في توقع قيادة حاسمة من جهازها التنفيذي، ولكن لا ينبغي النظر إلى الرئاسة على أنها المصدر الوحيد الممكن للتغيير. فنيجيريا جمهورية فيدرالية، وتضم 36 ولاية ذات تنوع اقتصادي واجتماعي، ويوفر ذلك مجالاً للتجربة، وما يمكن للحكومة الفيدرالية تحقيقه، ربما يمكن للولايات أيضاً تحقيقه.
وتوزيع السلطة في نيجيريا أضعف منه في الفيدراليات الأخرى، مثل الولايات المتحدة. ورغم ذلك، للولايات سلطة حقيقية، ولديها حكومات إصلاحية بدلاً من القديمة الفاسدة، تحقق اختلافاً حقيقياً في بيئة العمل، وتوفير الخدمات العامة والحياة الكريمة للأشخاص العاديين. وعلاوة على ذلك، بينما تتراوح أعداد سكانها بين مليونين وعشرين مليوناً، تبدو الولايات النيجيرية في وضع أفضل للإصلاح من الدولة الوطنية العملاقة، كما أن غياب أي اختلافات أيديولوجية حقيقية بين حزب «المؤتمر التقدمي» الذي ينتمي له «بخاري»، ويسيطر على 22 ولاية، وحزب «الشعب الديموقراطي» المعارض، الذي يتولى رئاسة 13 ولاية، يوفر بيئة مواتية لوضع إصلاحات. وهناك ولاية واحدة في نيجيريا ينتمي حاكمها لحزب ثالث.
وعندما تولى بخاري السلطة، تولى معه 20 حاكماً جديداً. وكما هي الحال دائماً، تبرهن بعض الولايات على وجود إدارة أفضل من غيرها. والاختلاف الآن هو أن انهيار إيرادات النفط تجعل من الملح بالنسبة للولايات أن تجد سبلاً جديدة لدعم نفسها. وفي عام 2014، بلغت التحويلات الفيدرالية زهاء 75 في المئة من إجمالي إيرادات الولايات. ومعظم هذه الأموال كان يأتي من الإيرادات النفطية، وأما الآن، تضاءل هذا المورد، وبات دعم الولايات لمواردها المحلية أمراً ضرورياً كي تحافظ على استمرار تقديم الخدمات.

*محلل سياسي متخصص في الشؤون الأفريقية
يُنشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا