الاتحاد

تقارير

أزمات السـودان المتلاحقة

مشاكل السودان وأزماته لا تنتهي. إنها تتلاحق بلا انقطاع. يلوح في الأفق يوماً أن تلك الأزمة في طريقها إلى الحل أو يحسب الناس ذلك، لكن لا ينقضي يومان أو أسبوع أو أكثر بقليل حتى تظهر أزمة أخرى تلحق بسابقاتها فيستعصي الحل ويصعب الفكاك. وإذا أردنا أن نعيد الأمر إلى جوهره ومنبعه في هذه الأزمات، فسنجد مواقف «حزب المؤتمر الوطني» الحاكم وسياساته وحرص قادته على البقاء في السلطة التي تمكنوا من الاستيلاء عليها خلال السنوات العشرين الخالية، وكذلك الثروات التي راكموها خلال الفترة، مما جعلهم يحرصون على إبقاء هذا الواقع على حاله مهما كان الثمن.

ما كانت مشاكل دارفور لتتطور إلى نزاع مسلح كما نراه الآن لولا لجوء نظام حكم «الإنقاذ» إلى العنف العسكري سبيلاً لحل قضايا كان طريق حلها سلمياً ممهداً بالسوابق. وقد نصح بالحل السلمي بعض قادة النظام، لكنّ جزاءهم كان الإبعاد عن السلطة. وما كانت قضية أبيي لتصبح بؤرة قابلة للانفجار في كل لحظة لو قبل الحزب الحاكم بما توصل إليه فريق المحكمين الأوائل الذين عالجوا الأمر قبل نحو عامين. وما كانت الأحزاب السياسية المعارضة لتصل إلى ما يشبه حد اليأس لولا إصرار الحزب الحاكم «الإنقاذ» على الإبقاء على كثير من القوانين التي تناقض الدستور وتختلف مع أهداف اتفاقية «نيفاشا» للسلام. إن آخر أزماتنا في السودان هي ما أعلنته أحزاب المعارضة هذا الأسبوع من أن الحكومة الحالية فقدت شرعيتها وسقطت بحلول يوم 9 يوليو الجاري، لأنها لم تلتزم بالاتفاقية (نيفاشا)، التي قررت أن تجري الانتخابات في ذلك الموعد وليس بعده. كذلك تقول المعارضة إن تعداد السكان الذي أُجري لم يكن سليماً وإن تعذر إجراء الانتخابات في بعض أجزاء دارفور يجعلها انتخابات ناقصة وغير شرعية. وترى المعارضة أن حل هذه الأزمة وغيرها يكمن في تشكيل حكومة قومية لا تستثني أحداً، ويكون لها الإشراف على الانتخابات لضمان نزاهتها. وهددت المعارضة بالانسحاب من عضوية البرلمان الحالي، ولوحت باللجوء إلى الشارع لتأكيد أن أغلبية الجماهير تؤيدها. وكان رد الحكومة هو رفض كل ما طرحته المعارضة واعتبرته عبثاً سياسياً وهروباً من واقع إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في شهر أبريل من العام المقبل. وأشار بعض قادة الحكم على المعارضين أن يلجأوا إلى المحكمة الدستورية للحكم في شرعية أو عدم شرعية الحكومة القائمة. لكن المحكمة الدستورية ليست إلا جزءاً من الهيئة القضائية التي شملتها يد التغيير والتبديل، كما هي الحال مع مؤسسة الخدمة المدنية العامة، وكذلك الخدمة العسكرية وغيرها من مرافق الدولة المهمة. كان البعض يتوقع أن تقف الحركة الشعبية لتحرير السودان، (التمرد الجنوبي السابق والشريك الثاني للمؤتمر الوطني في الحكم)، إلى جانب أحزاب المعارضة في حملتها الأخيرة بعدم شرعية الحكم، لكن الحركة آثرت أن تنأى عن ذلك وتواصل بقاءها في الحكم وفق حسابات مصالحها. لهذا فإن موقف المعارضة العام صار ضعيفاً، ولا يبدو أنها قادرة على تحقيق الكثير؛ لأن القوانين القائمة تمنع هذه الأحزاب حتى من إقامة ندوة سياسية عامة في الميادين أو خارج نطاق دورها المحدود. إن هذا الطريق المغلق أمام أحزاب المعارضة لا بد أن يؤدي بها إلى إعادة التفكير فيما تطرحه لمعالجة الأزمات المتلاحقة، وقد يكون من الاقتراحات التي تطرح اقتراح بمقاطعة الانتخابات، والقول بعدم شرعيتها، لكن ذلك النهج سيكون في مقام ما يطلق عليه أضعف الإيمان، وفيه كثير من معنى العجز، وستبقى أزمات السودان المتلاحقة مكانها، وقد تلحق بها أزمات أخرى ويبقى الأمل في المعجزات في زمن انتهى فيه عهد المعجزات.


محجـوب عثمان

اقرأ أيضا