الاتحاد

تقارير

تصدع ديمقراطي قديم

الولايات الأميركية الخمسون جميعها تجري الانتخابات، غير أن ولاية ''نيوهامشير'' وحدها تحيي الماضي؛ فقد أُنقذ ''جون ماكين'' و''هيلاري كلينتون''، وعلى غرار ''بيل'' من قبلها، من الانقراض السياسي من قبل ناخبي هذه الولاية الذين خلقوا على إثر ذلك سباقا طويلا بين المتنافسين من أجل الظفر بالتزكية ''الديمقراطية'' لخوض الانتخابات الرئاسية·
تتميز المعركة في الحزب ''الديمقراطي'' بانقسامات لم يعرف أقدم حزب سياسي في العالم مثيلا لها من قبل، تماما مثلما لم يسبق له أن عرف مرشحين مثل ''هيلاري كلينتون'' وباراك أوباما''، فقد أصبحت الهوة بخصوص النوع أو ''الجندر''، والتي تعد حتى الآن ظاهرة ميزت أنصار حزب عن أنصار الحزب الآخر، ظاهرة تميز أنصار مرشح ''ديمقراطي'' عن أنصار مرشح ''ديمقراطي'' آخر·
بيد أنه تحت الأمور الجديدة التي تُميز السباق ''الديمقراطي'' توجد التصدعات نفسها التي طبعت السباقات الرئاسية للحزب على مدى أربعين عاما؛ فإذا ألقينا نظرة تمعن على الأصوات المدلى بها، فإن الانقسامات القديمة المتعلقة بالطبقة والسن تظهر بوضوح وجلاء؛ ذلك أنه على غرار ''هوربرت هامفري''، و''ولتر مونديل''، و''آل غور''، فإن ''كلينتون'' تفوز بأصوات الناخبين من ذوي الدخل المحدود وكبار السن، إضافة إلى دعم أوفياء الحزب؛ أما أوباما، وعلى غرار ''يوجين ماكارثي''، و''غاري هارت''، و''بيل برادلي'' قبله، فإنه يحظى بدعم الناخبين من ذوي الدخل المتوسط والعالي والشباب، إضافة إلى المستقلين·
وهكذا، فاز ''أوباما'' في المدن الجامعية؛ في حين تفوقت عليه ''كلينتون'' في مانشستر التي تضم طبقة عاملة كبيرة؛ فمن بين الناخبين الذين أخبروا مستطلعي الرأي لدى خروجهم من مكاتب الاقتراع بأنهم يحرزون تقدما في حياتهم على الصعيد الاقتصادي، فاز ''أوباما'' بـ48 في المائة من الدعم، في حين لم تتمكن كلينتون من الحصول سوى على 31 في المائة، ولكن ''هيلاري'' تفوقت بالمقابل على ''أوباما'' بـ43 في المائة مقابل 33 في المائة في أوساط الناخبين الذين قالوا إنهم يتراجعون من الناحية الاقتصادية، والذين شكلوا نحو ضعف عدد ''من يحرزون تقدما''؛ فقد تقدمت ''هيلاري'' على ''أوباما'' في أوساط الناخبين العمال وأوساط الناخبين الذين قالوا إن الاقتصاد هو أهم موضوع من المواضيع الانتخابية، وهذا كان رأيَ الأغلبية·
على مدى الأسبوع الماضي، ركزت ''هيلاري'' اهتمامها على القلقين على الاقتصاد، فكانت الوحيدة من بين المرشحين التي أثارت موضوع ارتفاع معدلات البطالة خلال مناظرة يوم السبت؛ وفي كل محطة من محطات حملتها، كانت تشرح للجمهور مقترحاتها لخلق مناصب شغل أكثر؛ وإذا كان أوباما قد لمع بحديثه عن تغيير التاريخ، فإن ''هيلاري'' تحدثت بشكل رتيب ومركز في الوقت نفسه عن ضرورة توفير مناصب الشغل·
إلا أنه وجب التنبيه إلى أنه ليس لأن ''هامفري'' و''مونديل'' و''آل غور'' قد فازوا جميعا بتمثيل حزبهم، فإن ''كلينتون'' ستكون هي المفضلة أيضا، فـ''أوباما'' ليس هو ''ماكرثي'' أو ''هارت'' أو ''برادلي''؛ ذلك أن قدرته على كسب ثقة الأميركيين الأفارقة ودعمهم، أكبر بشكل واضح من قدرتهم· كما أن قدرة ''أوباما'' على تشجيع الناس وإلهامهم -وإقناع الناخبين الشباب بالتصويت في الانتخابات- تفوق قدرة سابقيه؛ بل إنها تفوق أي شيء عرفته السياسة الأميركية منذ وقت طويل·
ورغم انقساماتهم بخصوص الطبقة والسن، إلا أن ''الديمقراطيين'' لا يبدون مستعدين لإعادة تجربة الانشقاقات الكارثية لـ1968 و1972 حينما كان أنصار ''جين ماكارثي'' و''جورج ماغفورن''، وأنصار ''هوربرت هامفري''، و''سكوب جاكسون'' يكرهون بعضهما بعضا؛ حينها، كانت حرب فيتنام وعدد من المواضيع الاجتماعية تقسم الفريقين؛ أما اليوم، فمن الصعب إيجاد موضوع يختلف بشأنه أنصار ''أوباما'' وأنصار ''كلينتون''·
إن السياسة لعبة يفوز فيها الفائز بما يخسره منافسه؛ وهكذا، فإن مؤسسة جديدة تهدد بالحلول محل القديمة، لقد ارتفعت الآمال -بالنسبة لأنصار ''كلينتون'' وأنصار ''أوباما''-، ولكنها ستتحطم بالنسبة لهذا المعسكر أو ذاك، ومع ذلك، فإن ''الديمقراطيين'' لن ينقسموا، وإن كان من المؤكد أن ذلك سيترك بعض المرارة·


كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا