الاتحاد

الاقتصادي

روسيا ترفع إنتاجها من النفط إلى 10,3 مليون برميل يومياً

عمال في منشأة نفطية روسية

عمال في منشأة نفطية روسية

تقع جبهة النفط الروسية الجديدة في منطقة موحشة للغاية. المكان هو حقل نفط يقع في شرقي روسيا تشغله شركة تي إن كيه - بي بي ليمتد الذي يعد إحدى أبعد البقاع في الكوكب. وللوصول إلى هذا الحقل لا بد من السفر جواً ثم ركوب طائرة عمودية للتوجه شمالاً. تستغرق الرحلة يوماً كاملاً من موسكو بما يشمل وقفات قد تطول إن كان هناك عواصف ثلجية.
ويبعد الحقل عن أي مكان مألوف لدرجة أن تي إن كيه - بي بي تدير عملياتها عبر اتصال فيديو من مكتب في ايركولسك التي تبعد نحو 1120 كيلو متراً عن الحقل.
تعتبر روسيا قوة عظمى في مجال الطاقة، حيث تشكل 13% من مصادر نفط العالم و25% من غازه. وبعد أن تقلص انتاج النفط تقلصاً حاداً جراء انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، عاوده الإنتاج تعافيه بقوة ليبلغ مستوى جديداً هو 10,3 مليون برميل يومياً في أكتوبر.
غير أن هناك تناقصاً في مصدر النفط والغاز الرئيسي في روسيا الواقع في حقول غربي سيبيريا وحفاظاً على استقرار إنتاجها، ليس أمام روسيا خيار آخر سوى التوسع في بقاع جديدة مثل شرقي سيبيريا التي تحتوي على احتياطيات أقل بل وتزيد فيها تكاليف الإنتاج وتتعاظم فيها الصعوبات اللوجستية.
هناك بعض الشركات موجودة بالفعل في هذه البقعة. وتعكف تي إن كيه - بي بي منذ عام 2008 على ضخ الخام من فيرخنيتشونسك أحد أكبر حقول شرقي سيبيريا.
صعوبات الاستخراج
غير أن ما تعانيه من صعوبات في هذه المنطقة شديد الوطأة. فالبرودة قد تصل إلى - 57 درجة مئوية والتي يحظر عندها إجراء كافة الأعمال الخارجية. وأقرب منشأة سكنية تقع على بعد 400 كيلو متر والغابات مليئة بالدببة والذئاب وينحصر النفط أسفل طبقات من الصخر الصلب والترسبات الملحية مايزيد عمليات الحفر صعوبة.
ولعل أسوأ ما في الأمر هو أن الجدوى في نهاية المطاف ليست مشجعة، إذ إن شرقي سيبيريا بكاملها تحتوي على 5 مليارات برميل من احتياطيات النفط المؤكدة حسب وكالة الطاقة الدولية، مقارنة مع احتياطيات غربي سيبيريا البالغة 48 مليار برميل.
تقع مناطق روسيا الواعدة الأخرى في مناطق أبعد مسافة وأكثر تكلفة من حيث التطوير: إذ يقدر أحد التقارير أنه يلزم 500 مليون دولار لاستغلال حقول النفط والغاز الكبرى الواقعة في المنطقة البحرية للقطب الشمالي. ويعيب إنتاج النفط في شرقي سيبيريا وغيرها من المناطق النائية ارتفاع تكلفته المتراوحة بين 6 دولارات و10 دولارات للبرميل الواحد مقارنة مع 4 إلى 8 دولارات للبرميل في مناطق النفط الروسية التقليدية، بحسب وكالة الطاقة الدولية. ورغم بيع الخام من شرقي سيبيريا مقابل أكثر من 100 دولار للبرميل فإن تكاليف النقل وغيرها من النفقات الرأسمالية تستهلك قدراً كبيراً من الأرباح.
وفقاً لنظام روسيا الضريبي الراهن، لا يوجد سوى قليل من الحوافز المشجعة على الاستثمار. فعلى سبيل المثال تحصل الحكومة الروسية من أحد حقولها الجديدة بالمنطقة القطبية 72 في المئة من الأرباح بينما لا تبلغ هذه النسبة في البرازيل سوى 53% من أرباح حقول النفط البحرية الشاسعة، بحسب مورجان ستانلي.
إلى ذلك أعلن جلين وولر رئيس اكسون موبل - روسيا في مؤتمر عقد مؤخراً في موسكو: “لنجاح هذه المشاريع.. يقتضي الأمر بعض التغييرات الجذرية على النظام المالي”.
ومع ذلك يكثف حكام روسيا اعتمادهم على ما يحصلونه من مال من شركات النفط لدرجة أنهم مصرون على عدم خفض الضريبة إذ تشكل عائدات النفط والغاز قرابة نصف دخل ميزانية روسيا. وما لم يستجد شيء جذري ربما يثبت انتاج النفط الروسي أو يتضاءل. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يثبت انتاج النفط الروسي في السنوات القليلة المقبلة وأن يتناقص قليلاً بعد ذلك نظراً لأن انتاج الحقول الجديدة لا يعوض تناقص انتاج الحقول الأقدم.
ويكمن الحل، حسب رأي وكالة الطاقة الدولية في الحفاظ على أو زيادة انتاج منطقة غربي سيبيريا الرئيسية التي لا تزال تحتوي على مليارات البراميل من النفط. وقالت الوكالة إن ذلك ممكن تحقيقه من خلال إعادة هيكلة النظام الضريبي على نحو يشجع الاستثمار في حقولها الجديدة والارتقاء بطرق الاستخلاص من الحقول الأقدم، كما حذرت الوكالة من أنه في حال عدم تطبيق ذلك قد يتناقص انتاج النفط الروسي تناقصاً سريعاً.
أسواق التصدير
اكتشف حقل فيرخونتشونسك عام 1978 ولكنه اعتبر بالغ البعد عن أسواق تصدير الاتحاد السوفييتي آنذاك. وتغير ذلك عام 2006 حين بدأت موسكو بناء خط الأنابيب الذي يربط شرقي سيبيريا بالمحيط الباسيفيكي المعروف باسم اسبو - وهو مشروع تبلغ تكلفته عدة مليارات الدولارات يهدف إلى نقل النفط السيبيري إلى آسيا. وفجأة أضحى لحقول نفط مهملة مثل فيرخنتشونسك منفذ إلى أسواق طاقة الشرق المتسارعة النمو.
كما ساعدت الحكومة الروسية من خلال إعفاء خام شرقي سيبيريا من ضريبة استخراج المعادن، على الأقل في بادئ الأمر، ومن رسوم تصدير النفط وهو الأمر الذي شجع إن تي كيه - بي بي على العمل. كان جليفانوف نائب مدير حقل النفط أحد أوائل الرجال الذين تم تعيينهم في فيرخنتشونسك، وقد نقل إلى هناك عام 2007 من حقل ساموتلور الواقع في غربي سيبيريا الذي يعد من أكبر حقول النفط في العالم والذي عمل به جليفانوف طوال 30 عاماً.
قال جليفانوف إن فيرخنتشونسك يبدو شبيهاً بما كان عليه حقل ساموتلور حين وصل هُناك عام 1979 بصفته شاباً شيوعياً متحمساً آنذاك. وأضاف: لم أجد شيئاً حين وصلت إلا غابات صنوبرية سبخة فأصبحت رائداً من جديد”.
تعتبر أحوال فيرخنتشونسك شديدة القسوة، فالعمال يعانون من جو قارس البرودة شتاء وصيفاً ومن لدغ حشرات خطيرة. ومع عدم وجود طرق لا بد من نقل رجال النفط بطائرات عمودية من أوست كوت وهي منطقة سيبيرية معزولة سبق أن نفى إليها الزعيم البلشفي تروتسكي في عهد القياصرة.
ولم يزد الحقل ذاته الأمور إلا تعقيداً بصعوباته الجيولوجية والكيميائية وسرعان ما اكتشف مهندسو تي إن كيه - بي بي أن النفط بالمكان بالغ البرودة وهو ما يفاقم احتمال تجمد النفط في فتحة تثقيب البئر - على نحو يسد البئر ويبطئ معدل تدفق نفطه. وهو ما يستوجب أيضاً تسخين النفط فور استخراجه بحيث يمكن انتزاع المياه والأملاح منه في عملية تستلزم قدراً هائلاً من الطاقة. كما أن للنفط نسبة أملاح بالغة الارتفاع يستلزم إزالتها كثير من الماء العذب الذي تفتقر إليه غابات الصنوبر الثلجية فيما تهدد الأملاح بسد الأنابيب والمضخات والصمامات.

عن - وول ستريت جورنال

اقرأ أيضا

600 مليار درهم تحويلات بين البنوك خلال مارس