الخميس 19 مايو 2022
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
الحياة تبدأ بعد الخمسين
الحياة تبدأ بعد الخمسين
4 أغسطس 2005


طارق رضوان:
في سن الخمسين يشعر البعض بأن الحياة يمكن أن تبدأ من جديد، ومازال فيها بقية يعيشها كما يريد بعيدا عن قيود الزوجة والأولاد وصراع لقمة العيش· كثيرون يقعون في أخطاء فادحة في هذه السن تكلفهم أسرهم التي أفنوا حياتهم من أجلها وبطل قصة اليوم من هذه النوعية·
بين عدد كبير من السيدات والرجال في قاعة محكمة الأحوال الشخصية برز رجل في العقد الخامس من عمره يرتدي حلة أنيقة زرقاء ويضع فوق عينيه نظارة طبية، وخلفه تسير سيدة جميلة في العشرينات من عمرها، ينسدل شعرها الأسود الطويل على ظهرها وتحمل بين ذراعيها طفلة رضيعة تحتضنها في حنان·
اتجه الرجل والسيدة إلى حجرة المداولة وامتدت يد الحاجب بسرعة لتغلق الباب خلفهما بإحكام· خلع الزوج نظارته ثم بدأ حديثه إلى هيئة المحكمة قائلا: عشت أيام حياتي كلها أنهل من العلم ما أريد· كانت الجامعة ودروسها كل همي في الحياة، ولم أكن شابا عاديا يعيش حياة الشباب وكنت أضع أمام عيني دراستي في كلية الهندسة لأنها كانت رغبتي منذ أن كنت طفلا إعجابا بخالي المهندس الكبير· ولحبي للعلم التحقت بهيئة التدريس في الجامعة وكنت في كل يوم يمر عليّ أتعلم شيئاً جديدا، ولو مر يوم دون أن أتعلم شيئاً اشعر بأنني ميت وان الحياة تمر من بين يدي بلا فائدة· ونسيت مع الأيام نفسي ورغباتي وأحلام الشباب مع فتاة جميلة اقتسم معها الحب· وكنت أتعجب من زملائي كيف يضيعون وقتهم في مثل هذه التفاهات وأنا لا أجد وقتا لأكمل به دراستي·
كنت بعيدا عن تهور وانطلاق الشباب ولم أفكر يوما في عروس جميلة تملأ حياتي سعادة وفرحة· فقد كانت كل رغباتي محصورة في المذاكرة والبحث والتفوق حتى استطعت تحقيق ما يحلم به أي شاب بفضل جهدي وذكائي وابتعادي عن مغريات الحياة، ولم ألتفت إلى مشروع الزواج إلا عندما أيقظني والدي من غفوتي وقرر ارتباطي بابنة عمي· وحاول أن يقنعني بها فهي فتاة على قدر كبير من العلم ويؤهلها عملها للسفر بصفة دائمة خارج البلاد·
حياة بلا مشاعر
كان يعيبها أنها ليست جميلة بل هي أقرب إلى الرجال من النساء وقلت ذلك لوالدي فقال لي: وما يهمك في الجمال؟ هل تتزوج امرأة كي تشاهدها؟ الجمال يزول مع الزمن وتعتاده أما عقل المرأة الناضج فهو الذي يبقى· واضطررت إلى الموافقة لأني لا أملك الوقت للبحث عن عروس جميلة فأنا بلا خبرات نسائية على الإطلاق ولا أجيد الإيقاع بالفتيات· وتم الزفاف دون الدخول في تفاصيل الحياة المعتادة فقد اتفق أبي وعمي على كل شيء ومرت عجلة الحياة وأنجبت منها طفلين ولم أشعر ولو للحظة واحدة بأي عاطفة حب نحوها، ولم يدق قلبي أثناء غيابها لسفرها الدائم إلى الخارج حيث تعمل في السلك الدبلوماسي·
كانت مشاعري تجاهها أشبه بعقارب ساعة لا تتحرك ولم أسمع منها يوما كلمة حب، ولم أبادلها كلمة غزل· كنت أشعر بأنها أحد زملائي في العمل· وجودها مثل عدمه في حياتي وكل ما كانت تحرص عليه هو تربية الأطفال تربية أوروبية· أما أنا فكنت مهملا بالنسبة لها· وكنت أشعر بأن كل الرجال المتزوجين هكذا وحاولت أن أقنع نفسي بأن هذه هي الحياة الزوجية التي كنت أرفضها، بل كنت أحيانا أحسد نفسي عليها عندما أرى زملائي في العمل يشتكون من تفاهة زوجاتهم وكيف أنهم يعيشون حياة بائسة مع زوجات تافهات· ظللت هكذا حتى مر عشرون عاما على ارتباطي بها· ولم أتخيل يوما أنني سأستيقظ من السبات العميق والغفوة الكبيرة التي أوقعني والدي فيها·
وقادتني الظروف إلى التعرف على فتاة جميلة في اشراقة الشمس وجمال البدر· كانت طالبة عندي في الجامعة، ووجدت نفسي أمام ملامح ملائكية في نقاء بشرتها وصفاء عينيها، وشعرت عندما نظرت إليها بأنني أفنيت عمري في حياة تعيسة· كانت تتقرب مني بشكل ملحوظ، وتبتسم لي في وداعة كلما نظرت إلي، وفي كل محاضرة كانت تنظر إلي باهتمام بالغ حتى أنني أحيانا كنت أرتبك أثناء المحاضرة وهو الأمر الجديد عليّ· كنت أعود للبيت وصورتها لا تفارق خيالي، وشعرت بأن عمري يبدأ من جديد منذ تعرفت على هذه الفتاة التي سلبتني عقلي وقلبي حتى كدت أترنح من شدة حبي لها· وشعرت بأنني سأموت إذا لم أتزوجها ·
طلبتها ذات يوم في مكتبي في الجامعة وبمجرد دخولها عليّ بجمالها الساحر أخذ قلبي يدق كالشباب المراهق، وارتبكت ولم أدر ماذا أقول لها وأنا بلا أي تجارب في الحب ولا أجيد الكلام المعسول· لاحظت ارتباكي وظلت صامتة تنتظر مني أن أبوح بما في قلبي، وأخيرا قلت لها إنني أحبها بجنون، ولأني لا أعرف الطرق الملتوية أريد أن أتزوجها· وكنت أعتقد أنها سترفض لفارق السن الكبير بيننا لكني فوجئت بموافقتها على الفور دون أي تفكير ، بل كانت تذلل كل العراقيل التي أخشاها وخصوصا كبر سني وان أهلها سيرفضون زواجها من رجل في عمر أبيها، لكنها قالت إنها تستطيع إقناع أسرتها، وهي تثق بأن أسرتها لن تعترض على اختيارها لأنها تجد فيه الرجل المناسب للزواج·
بكاء متأخر
وصارحت زوجتي أم أولادي بأنني سأتزوج من فتاة صغيرة ولأول مرة في حياتي أرى زوجتي تبكي· لكن بكاءها كان متأخرا جدا، وشرحت لها أنني لم أشعر يوما تجاهها بأي عاطفة حب· ولأول مرة في حياتي أشعر بأنني أحب وخيرتها بين الطلاق والبقاء معي مع وجود زوجة جديدة في حياتي· وحرصا على مظهرها في عملها قبلت أن أتزوج وهي في عصمتي ورفضت فكرة الطلاق· فزوجتي كل ما يهمها هو وضعها الاجتماعي أما أنا ففي الدرجة العاشرة من اهتمامها· وأسرعت بإتمام زفافي على هذه الفتاة وبعد الزواج اصطحبتها إلى أجمل شواطئ أوروبا لقضاء شهر العسل وكنت أشعر بأن كل وقت معها يعوضني عن سنوات تعاستي مع ابنة عمي، ولأول مرة أشعر بالحب· وكنت أحس بالوحدة لو غابت عني لحظات، وكنت أغار عليها بجنون وهو الشعور الذي لم يمس قلبي طوال حياتي· كان الدم يتدفق في كل جسدي كأني شاب في العشرين من العمر وتمنيت أن يطول عمري كي أعيش السعادة التي افتقدتها طوال حياتي· وبعد سبعة شهور فوجئت بزوجتي الجديدة تنجب لي طفلا· كان هناك شعور مزدوج هل كنت مخطئا في زواجي الجديد وخُدعت في زوجتي وأنجبت طفلا ليس ابني ووافقت هي بسرعة على الزواج كي تغطي على خطيئتها وهل يمكن لعجوز مثلي أن ينجب أطفالا الآن؟
ساورني الشك بأن هذا الطفل لا يمكن أن يكون ابني، وبأنني كنت ضحية لخدعة كبيرة لم أفهمها لجهلي بهذه الأمور، وقبل أن أقبل على أي تصرف سألت أعز أصدقائي وقال لي من الممكن أن تكون خُدعت وأكد لي أنني كان لابد أن أنتظر قبل الزواج قليلا لتتبين لي أمور كثيرة· واجهت زوجتي الجديدة بشكوكي، وطلبت منها أن تعترف بالحقيقة لأنني لن أقبل أن يكون هذا الطفل ابني، ووجدتها تصرخ في وجهي وترفض اتهامي لها بالخيانة لذلك قلت إن القضاء هو الجهة الوحيدة التي ستقول لي الحقيقة وأنا واثق بعدالة القضاء·
وصمت الرجل وأعاد نظارته الطبية فوق عينيه· وتحدثت الزوجة وأكدت أن هذا الطفل هو ابنه وأنها استغنت عن أشياء كثيرة في حياتها من اجله· وأنها كانت تشعر بالخجل من صديقاتها لزواجها من رجل يكبرها بثلاثين عاما واستغنت عن حفل الزفاف وارتداء الفستان الأبيض الذي تحلم به كل فتاة، كل ذلك من أجله· ولم تمر بقصة حب واحدة في حياتها إلا معه، واتهامه لها يهين كرامتها ويحطم الحب الذي مازال هناك الكثير منه في قلبها· وبكت الزوجة ونظر رئيس محكمة الأحوال الشخصية في الأوراق التي أمامه وبعد دقائق مرت كالدهر على الرجل وعلى زوجته حكم بثبوت بنوة الطفل إلى الأب لأن القانون يحكم بثبوت البنوة بعد ستة أشهر من الزواج، والطفل ابن سبعة شهور كما جاء في تقرير الأطباء الذين أكدوا أن الولادة جاءت بعد سبعة شهور من الزواج·
وقال الزوج: الآن اطمئن قلبي، لكن الزوجة لم تنس إهانة زوجها وطلبت في نفس الجلسة تطليقها لأنها لا تستطيع الحياة مع زوج يشك في سلوكها إلا أن القاضي رفض دعوى الطلاق ونصحها بالتريث في طلبها لأنها تحت ضغط الموقف ولو فكرت قليلا فستعذره فيما بعد·
وخرج الاثنان من قاعة المحكمة وطلب الزوج أن يحمل بين ذراعيه طفله العزيز·

المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©